الجزائر
جزائريون يدّعون "الربوبية" بتواطؤ من المجتمع

محتالون يزعمون الرقية الشرعية ويمارسون السحر والشعوذة

الشروق أونلاين
  • 11886
  • 19

لا اختلاف بين الفقهاء على أن الشرك بالله هو أكبر الآثام التي يمكن أن يقع فيها العبد، ولأن التحذير منه في القرآن الكريم وفي الأحايث الشريفة تكرّر عدة مرات، فإن الشرك بالله لم يتوقف عند عبادة الناس والحجارة والظواهر الطبيعية، بل بلغ مرحلة إشراك بعض الصفات الإلهية ببعض البشر من المحتالين، وأهمها علم الغيب وإمكانية الإضرار بالغير أو تغيير المكتوب، وللأسف، فإن الإيمان بهذا الدجل ينطلق من الفهم الخاطئ للإسلام، إلى درجة أن الكثير من الجزائريين صاروا يحفظون الآيات القرآنية التي تذكر الوسواس والسحر والحسد، ولا يحفظون غيرها من الآيات الكريمة

 

 وعلّق البسطاء من الناس فشلهم في الحياة وفقرهم المادي.. وعلقت البسيطات سوء حظهم في الزواج أو حرمانهم من الأبناء على أمور غيبية تلاحقهم، مثل السحر وأذى العين والحسد، فراحوا يطلبون إنقاذهم من هاته الشرور عبر السحر، ففتحوا أبواب الشيطان، ووجد المحتالون الفرصة الكاملة، وتسلموا سجلا تجاريا معنويا ممنوحا من طرف عامة الناس، فأوهموهم بأنهم يمارسون الرقية الشرعية، وأحيانا التطبيب بالأعشاب، وأخرى تواصلهم بالجن والعالم الآخر، حتى أصبح عدد السحر والمشعوذين أكبر من عدد الأطباء واختصاصيي علم النفس، ودخل الدجل في شرايين المجتمع، فصعبت مراقبة هؤلاء الناجين من قبضة القانون، وسط صمت مطبق من القمة ومن القاعد،ة وأحيانا بتواطؤ من الطرفين، ولسان حال أي زبون للشعوذة مقولة واحدة هي: “السحر حق والعين تلحق”؟

وينشط غالبية السحرة أمام الملأ، ومنهم من بلغت به الجرأة أن فتح لنفسه حسابا إلكترونيا، وأقدم آخرون على تجاوز كل حدود الجرأة، كما هو الحال لساحرة في قلب مدينة قسنطينة، التي أنجزت لنفسها بطاقات زيارة كتبت عليها مهنتها القذرة بالدارجة “شوافة”، ولولا بلوغ بعض تجاوزات السحرة درجة اغتصاب نساء متزوجات، ونبش قبور الموتى، وسرقة حلي النسوة، والدعوة إلى الجرائم، ما وصل المشعوذون إلى القضاء، بل إن غالبية التجاوزات الأخلاقية التي يأتون بها تبقى من دون عقاب، بسبب خوف النساء من الفضائح، ومن أشهر المشعوذين الذين أثاروا ضجة في حياتهم وأيضا بعد وفاتهم، المرابط الدراجي في قسنطينة الذي فتح لنفسه شققا أمام أعين السلطات، وغير بعيد عن مراكز الأمن، حيث تعرض منذ أربع عشرة سنة للاغتيال من طرف شاب من نفس المدينة، ومشعوذ منطقة بومقر ببلدية نقاوس بولاة باتنة، الشيخ خليفة الذي تورط في قتله الشهر الماضي ثلاثة من السلفيين، حيث زعم الفاعل الرئيسي بأنه تعرض لسحر من طرف ضحيته، جعله يفشل في كل العلاقات الجادة التي ربطها مع النسوة في سبيل الزواج، فكان أن قضى على السحر بقتل الساحر، أي القضاء على الإثم، بإثم أكبر، كما فتحت بعض الأسبوعيات صفحاتها لمن يدّعون علم الغيب، فلم يتوقف الاحتيال على الشرك بالله، بل أخلط كل الآثام في الإثم الأكبر وهو الشرك بالله، الذي استثناه الله تعالى من المغفرة حيث قال: »إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا« وقال أيضا: »إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك من يشاء، ومن يشرك فقد افترى إثما عظيما«. 

ولا يوجد أي اختلاف فقهي في تكفير السحرة، مصداقا لقوله تعالى: »وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يُعلمون الناس السحر«، أي أن الساحر ومعلم الناس السحر والساعي لتعلمه، كلّه كفر ومن الموبقات، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين باجتناب السبع الموبقات، التي أولها الشرك بالله، التي تضم الشعوذة والإيمان بقدرات المشعوذين، وثانيها السحر، وثالثها قتل النفس، ورابعها أكل الربا، ما يعني أن الشعوذة والسحر أكبر إثما من القتل وأكل الربا، بدليل أن الله قال في كتابه العزيز إن كل الذنوب يُمكن أن يحصل صاحبها على المغفرة، إلا الشرك بالله الذي منه الشعوذة والسحر. 

والحكم الإسلامي لا يتسامح مع السحرة، حيث يجتمع الأحناف والحنابلة والمالكية على ضرورة قتل الساحر، معتمدين على حكم الخليفة الثالث عمر بن الخطاب في آخر أيام خلافته، عندما أرسل لأمراء الدولة الإسلامية الفتيّة، كتابا يأمرهم بقتل كل السحرة، وباشروا التنفيذ، وتقول كتب التاريخ إن ثلاثة من السحرة تم القضاء عليهم في عهد فاروق الأمة، وهو ما أعاد البقية إلى الصواب والتوبة، كما أن حكم المشعوذين لا يختلف عن السحر، لأنهم سواء في نفس طرق الاحتيال، يجعلون المجتمع يغرق في مستنقع من الجهل، بالابتعاد عن العقل وعن العلم، والذي يصدق بأن المشعوذ يعلم أسرار ما في القلوب ويعلم الغيب إنما يمنحه درجة الألوهية، لأن القرآن يقول على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم: »ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء«، وهو إقرار بأن خير خلق الله لا يعلم الغيب، والذي يؤمن بأن شر خلق الله من سحرة ومشعوذين وكتبة الأحجبة وقارئات الكف وضاربات الرمل والمنجمين يعلمون الغيب، فإنه يمنحهم بذلك مكانة أرقى من مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن الله تعالى يقول في القرآن الكريم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم »قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا، قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم«، والآية هنا تبين أن خير خلق الله لا يمكنه أن يضر أو ينفع نفسه أو غيره، بينما يظن بعض ضعاف النفوس أن السحرة بإمكانهم أن يضروا غيرهم عن بعد، وأن بعض المشعوذين بإمكانهم أن يمنحوهم الخير والسعادة من زواج ومال وأبناء، فيرتفعوا بهم جهلا إلى مكانة أرقى من مكانة من اختاره الله رسولا للبشرية جمعاء.

وتبقى المشكلة الكبرى في الذي يقع فريسة لهؤلاء المحتالين، لأن الذي يصدق المشعوذ هو في حد ذاته مشرك، وإذا كان القانون كما هو معروف لا يحمي المغفلين، فإن قانونيين جزائريين طالبوا بمحاسبة زبائن المشعوذين، مثلهم مثل المشعوذين، وعدم اعتبارهم ضحايا، وهو ما أشار له، نهار أمس الخميس، الأستاذ القانوني بوجمعة غشير للشروق اليومي، مركزا على أن المشكلة تكمن في الناس الذين يتعاملون مع هؤلاء المحتالين، ورآى أن المسؤولية مشتركة بين المحتال وزبائنه، وحتى منح زبائن المحتالين فسحة من الأعذار، مثل ضعفهم أمام المشاكل التي يعانون منها، وأهمها الأمراض الخطيرة، يجب أن يتوقف، لأن المشاكل الكبرى في حاجة إلى حلول حقيقية وليس إلى الشعوذة والسحر، حيث أثبتت الحياة أنهما يعقدان المشاكل، ويجعلان من الأمراض المستعصية ميئوسا منها، وساهم المجتمع في الرأفة بالساحر بالصمت وبالوقوف إلى جانبه، حتى إن أحكاما صدرت في حق سحرة ومشعوذين كانت أرأف من أحكام صدرت في حق من سرق هاتفا نقالا، وصار السحر عابرا للقارات.

وللمشعوذين في أقصى البلدان زبائن من الجزائر، أعماهم الجهل وغياب الوازع الديني واليأس والاتكال أيضا، فراحوا يطلبون السعادة والمال والصحة والزواج بالخزعبلات والطلاسم، التي بقدر ما تمنحهم الوهم بقدر ما تبعدهم عن الإسلام والإيمان، وإذا كان الشيخ عبد الحميد بن باديس قد قاوم أكبر المشعوذين ومنهم الشيخ الطاهر بن موفق، الذي عايشه في نفس المدينة وفي نفس الزمان، حيث كان يدعّي علم الغيب، وما زالت خزعبلاته تتردد لحد الآن، وانتصر الشيخ ابن باديس وقضى على عروش المشعوذين، رفقة علماء الجمعية رحمهم الله، الذين تفادوا حتى الرقية الشرعية، لأن بينها وبين الشعوذة خيطا رفيعا، وعلموا بأن فرنسا كان يُبهجها تنامي كتبة الحروز وقارئات الكف والسحر، لأنها أدركت أن عدم فهم الدين يجرّ الناس للظلام، وأن ابتعاد الجزائريين عن العلم معناه ابتعادهم عن طلب الحرية، فإن رجالات الدين والقانون والمجتمع المدني، مازالوا بعيدين عن أداء الدور الواجب أداؤه لإنقاذ الأفراد والمجتمع من طاعون الشرك بالله المسكوت عنه.

 

مقالات ذات صلة