الجزائر
الشروق‮ ‬تقضي‮ ‬يوما‮ ‬مع‮ ‬طالبي‮ ‬البركة‮ ‬والشفاء‮ ‬في‮ ‬الأضرحة

محرومون يلجؤون إلى الشرك للبحث عن حلول لمشاكلهم

الشروق أونلاين
  • 18353
  • 21
الشروق
الأضرحة ملاذ لضعاف النفوس

في لحظات يغيب فيها العقل عن الوعي، ويسيطر على المرء حالات من اليأس والكرب فتتقاذفه أمواج الهم والغم تجده يتجه لاشعوريا نحو أقرب ضريح ولي صالح لمنزله ليبوح له بحاجته، ويطلب منه أن يفرج حزنه ويزيل أيام الشدة الصعبة عليه، فعدد الأولياء الصالحين في الجزائر يتجاوز 6 آلاف ولي، بعضهم لا يملكون حتى ضريحا، غير أن ما يقوم به بعض الزوار من أشياء غريبة كالصراخ بعد سماع القرآن والتظاهر بأن شيطانا أو جنيا تلبس في جسد الزائر، طلب المعونة لقضاء حوائج الدنيا ومظاهر أخرى يقومون بها داخل الأضرحة ليس لها تفسير ديني، لا علمي ولا حتى في العرف الاجتماعي، فهي عادة دخيلة وبدع ابتدعوها فقط لإبراز محبتهم وتأثرهم وولائهم لرجال صالحين نذروا حياتهم يوما لخدمة المجتمع، “الشروق” تجوّلت داخل ضريح سيدي عبد الرحمان وسيدي امحمد بوقبرين ورصدت لكم التصرفات الغريبة.

 

وجهتنا الأولى كانت نحو ضريح “سيدي عبد الرحمان الثعالبي” في أعالي العاصمة، دخلناه صبيحة يوم الجمعة الماضية في حدود الساعة الحادية عشر صباحا، مشينا عبر سلالم طويلة للأسفل لنبلغ قبة سيدي عبد الرحمان المطلة على البحر المتوسط، تزامن ذلك مع ارتفاع أصوات حناجر رجالية ترتل القرآن وأخرى مهللة ومكبرة ذاكرة اسم الله ورسوله، دخلنا الضريح متبعين صوت القراءة، فوجدنا جموع الرجال عند المدخل يحملون مصاحف ليقرأوا ما تيّسر من الذكر الحكيم، بينما احتلت النسوة الجانب الأيسر وجلسن يصغين في انتباه تام وسكوت للقراءة، رافعات أيديهن للسماء، اتخذنا مسلكا بين حشود النسوة المتراصات واللائي كان يفوق عددهن 50 امرأة من مختلف الأعمار، عجائز، سيدات، شابات بعضهن كن لا يضعن الخمارات، وحتى فتيات صغار، أبين إلا أن يحضرن لزيارة “سيدي عبد الرحمان” وسماع القرآن الكريم فبقينا نستمع برفقتهن.

 

طلبات‮ ‬زواج،‮ ‬عمل،‮ ‬سكن‮ ‬في‮ ‬ضريح‮ ‬سيدي‮ ‬عبد‮ ‬الرحمان

وبمجرد أن جلسنا شدّت انتباهنا شابة في العشرينات من العمر، وقفت بصعوبة ثم تعلقت بغطاء التابوت الأخضر، وراحت تجذبه بقوة وتقبل التابوت متضرعة بالدموع ومتوسلة “سيدي عبد الرحمان” أن يفرج همها ويرزقها بزوج صالح، ولم تهتم بالحضور الذين كانوا يراقبونها فكأنها دخلت‮ ‬في‮ ‬عزلة‮ ‬عن‮ ‬العالم‮ ‬أجمع،‮ ‬وعلى‮ ‬خطاها‮ ‬سارت‮ ‬الكثيرات‮ ‬من‮ ‬الفتيات‮ ‬اللواتي‮ ‬كن‮ ‬يبحثن‮ ‬على‮ ‬عريس‮. ‬

أما سعيدة والتي كانت جالسة بجانبنا رفقة ابنتها الصغيرة، فكانت تطلب أن يساعدها الولي الصالح للحصول على سكن، فقد ضاق بهم البيت العائلي وكثرت المشاكل، مضيفة أنها لا تقوى عن الإبتعاد عن سيدي عبد الرحمان ففي كل ليلة يزورها في المنام ليتفقدها.

وفي خضم الطقوس فضلت أخريات الصمت، فوضعن قطعا من القماش وأغطية الرأس فوق الثابوت، أو كما يسمونها “التشليلة” ثم طفن سبع مرات بالتابوت مع قراءة الفاتحة، ورشه بماء الكولونيا في كل مرة لتعجيل قضاء حاجتها، وتضاعف “السوسبانس” والرعب بوصول رجل يدّعي أنه “مرابطي”، فبمجرد أن وطأت قدماه مدخل الضريح بدأ بالصراخ بأعلى صوته ثم سجد للضريح متوشحا الغطاء الأخضر، ليمسح به وجهه عدة مرات، وكان عقب كل مرة يطلق صرخات مدوية طالبا المدد والعون من “سيدي عبد الرحمان”، وأمام منظره هذا ذرفت السيدات دموع التأثر.

 

ملايين‮ ‬الصدقات‮ ‬والنذور‮ ‬إلى‮ ‬أين‮ ‬تذهب؟

كان الزوار قبل المغادرة يضعون أموالا في صندوق أخضر أسفل التابوت يسمى صندوق التبرعات والنذور، غير أن الجميع كان يفضل التبرع بأوراق نقدية أو بضعة دنانير، كل حسب مقدرته، لنتفاجأ برجل يبدو عليه الثراء والوقار من خلال مظهره وبذلته الكلاسيكية الأنيقة يقترب من الصندوق ليضع ورقة نقدية من فئة ألف دينار، في ما يشبه “الرشقة” في الأعراس، وهو ما يتنافى مع شروط الصدقة حسب الدين الإسلامي، لتليه سيدة بتسريحة جميلة وخمار لا يكاد يغطي رأسها تضع ورقة أخرى من فئة ألفين دينار، قالت إنها كانت نذرا قطعته لـ”سيدي عبد الرحمان” ووفته اليوم، ليتحوّل الأمر لمزاد علني فالجميع كان يتعمد إبراز الأموال التي تبرعوا بها، هذا الكم الهائل من المقبلين على الصدقات والمتصدقين دفعنا للتساؤل عن وجهة هذه الأموال، فالملايين تم التبرع بها في جلسة الجمعة، أصحابها من ملاك السيارات الفارهة، فبإمكان الداخل للضريح معرفة ذلك من خلال شكل سيارتهم وعلاماتها، وهو ما يدفعهم للتبرع بأموال كبيرة تحت مسميات عديدة كالنذر والصدقة، لكن ولا واحد منهم يعلم وجهتها أو أين وكيف تصرف، فهي تذهب دون حسيب أو رقيب ولا توجد جهة معينة تديرها أو تسيّرها، لحقنا بصاحب البذلة الراقية، فعلمنا أن اسمه “محمد” يعمل في مجال المقاولة، أخبرنا أنه معتاد على التصدّق بمبالغ مالية قبل كل مشروع لأحد الأولياء الصالحين من باب التفاؤل، مضيفا أن الأموال تذهب لوزارة الشؤون الدينية كما تصرف على الضريح والباقي للفقراء والمحتاجين.

 

إشعال‮ ‬شموع،‮ ‬شرب‮ ‬الحنة‮ ‬ووعدات‮ ‬لا‮ ‬تنتهي

وكطقس نهائي قبل الخروج حرصت النسوة على أن يشعلن الشموع ويتمنين أمنية ثم ينثرن الحنة في المكان المخصص لذلك، بينما تفضل بعض العجائز جمع القليل من حنة سيدي عبد الرحمان وخلطها بماء مرقي، ثم شربها، فهي مباركة وتشفي الكثير من الأمراض على حد قول “الطاوس” عجوز في الستينات، ابنة حي باب الواد تعاني من مرض السكري وضغط الدم، أخبرتنا أنها في كل مرة تشرب هذا الخليط تتحسن حتى أن طبيبها المعالج بهت من تحسنها المفاجئ، لتغادر النسوة واضعات مبالغ مالية في يد السيدة التي تقوم بتنظيف الضريح، حيث أكدت لنا أن جميع من يزور سيدي عبد‮ ‬الرحمان‮ ‬تقضى‮ ‬حاجته‮ ‬مهما‮ ‬كانت،‮ ‬فكل‮ ‬سكان‮ ‬العاصمة‮ ‬يعرفون‮ ‬هذا،‮ ‬لتضيف‮ ‬أنه‮ ‬يتوّجب‮ ‬علينا‮ ‬العودة‮ ‬في‮ ‬المرة‮ ‬الثانية‮ ‬وإخراج‮ ‬الوعدة‮.‬

ونحن بصدد الخروج قابلنا ثلاثة شباب جلبوا وعدة لسيدي عبد الرحمان بعد أن تم قبولهم في الوظيفة، فحضروا الطعام من أول راتب شهري، عرضوا علينا الانضمام إليهم فكل ملعقة تعد صدقة، حسب ما قالوه لنا وتوالت الجفان والقصاع في كل مرة.

 

ترميم‮ ‬ضريح‮ ‬سيدي‮ ‬امحمد‮ ‬بعد‮ ‬حرقه‮ ‬في‮ ‬التسعينات

من سيدي “عبد الرحمان الثعالبي” توجهنا إلى سيدي “امحمد بن عبد الرحمان الأزهري” مؤسس الطريقة الرحمانية في الجزائر، نفس المظاهر تتكرر جفون وقصاع الكسكس تدخل مقبرة سيدي امحمد بوقبرين، فاليوم هو الجمعة عيد المسلمين، والكل يفضل إخراج الصدقات فيه، سرنا وسط القبور لبلوغ ضريح سيدي امحمد، لكن تفاجأنا بالباب مغلقا، منظر البناية الخارجي متواضع جدا مقارنة بضريح سيدي عبد الرحمان المزين بثريات فاخرة وباهظة الثمن، منها ثريا كبيرة مصنوعة بالكريستال، كانت هدية الملكة فيكتوريا للمقام، فالجميع في حي بلكور الشعبي يعرف قصة ضريح سيدي امحمد، وكيف تعرض للتخريب والحرق من قبل الجماعات الإرهابية في سنوات التسعينات، سألنا الحارس عن سبب غلقه، فأخبرنا أنه تجري في الداخل أعمال ترميم، وإعادة تهيئة للضريح، بعد أن كان يشبه المستودع طلب منا الحارس الاكتفاء بقراءة الفاتحة فقط أمام النافذة، لكن جموع السيدات أصررن عليه وبكين أمامه للسماح لهن بالدخول، مما جعل قلبه يرق ليوافق أخيرا على فتحه ليشعلوا الشموع، ويتمنوا ثم يغادروه، وبالفعل دخلن وأشعلن شموعهن وكانت إحداهن تطلب مع كل شمعة أن تتزوج ابنتها فلانة ثم أن تحصل ابنتها الأخرى على شهادة البكالوريا، فيما‮ ‬دعت‮ ‬مرافقتها‮ ‬لزوجها‮ ‬وأبناءها‮ ‬ليحصلوا‮ ‬على‮ ‬وظائف‮.‬

 

متسوّلات‮ ‬يطالبن‮ ‬بنصيبهن‮ ‬من‮ ‬الصدقات

لم تفوّت المتسوّلات فرصة الزيارات، حيث حجزن أماكن سواء عند مدخل سيدي عبد الرحمان أو مقبرة سيدي امحمد مطالبات بإلحاح شديد بنصيبهن من الصدقات مال، طعام أو لباس مرددات عبارات استعطاف وأدعيات وتمنيات بالخير والويل لمن كان يرفض أن يمنحهن المال، فسرعان ما تنقلب الأماني الجميلة إلى دعوات شر مثلما فعلت إحدى المتسوّلات في باب الواد مع فتاة رفضت إعطاءها المال، فأمطرتها بوابل من الشتائم، مرددة أنه ليس بالإمكان التكهن بما سيحدث غدا فقد تنقلب الآية ويتبادلن الأماكن. ‭ ‬

 

أستاذ‮ ‬علم‮ ‬الاجتماع‮: “‬زيارة‮ ‬الأولياء‮ ‬هي‮ ‬حالة‮ ‬من‮ ‬اليأس‮ ‬الاجتماعي‮ ‬الجماعي‮ ‬تدفعهم‮ ‬للاستعانة‮ ‬بالقوى‮ ‬الخفية‮”‬

وصف الأستاذ يوسف حنطابلي مختص في علم الاجتماع، زيارة أضرحة الأولياء الصالحين بحالة من اليأس والقنوط الاجتماعي الجماعي، دفعت الأفراد للجوء إلى قوى خفية طلبا للمساعدة والمعونة أملا في تحقيق الغاية المنشودة.

وأكد الأستاذ حنطابلي أن العادة منتشرة بكثرة في دول المغرب العربي ومصر، أين يقدس الأبناءآباءهم ممن يملكون سلطة ورمزية، معتقدين أن الشخص الذي كان يملك نفوذا لما كان على قيد الحياة سيظل يلازمه حتى بعد وفاته، خاصة إذا ما كانت الرمزية دينية، وهي المزية التي يتمتع‮ ‬بها‮ ‬معظم‮ ‬الشيوخ‮ ‬تجعل‮ ‬أبناءهم‮ ‬وأحفادهم‮ ‬يشعرون‮ ‬بنوع‮ ‬من‮ ‬الخضوع‮ ‬والحماية‮ ‬والولاء‮ ‬لهم‮.‬

وطالب المختص في علم الاجتماع رجال الدين لتفهم هذا العرف الاجتماعي السائد، والذي يعد جزءا من تاريخ المنطقة مع إيجاد حلول له، ليس عن طريق القوة والتحريم بل بمساعدتهم على فهم الواقع والتعايش معه، والعمل على تغييره بطريقة موضوعية، ولكن ليس عن طريق الزيارات والكرامات‮.‬

 

الشيخ‮ ‬قاهر‮: “‬زيارة‮ ‬القبور‮ ‬والأضرحة‮ ‬سنة‮ ‬وما‮ ‬يحدث‮ ‬في‮ ‬الزيارات‮ ‬بدعة‮”‬

أكد الشيخ محمد الشريف قاهر رئيس لجنة الإفتاء بالمجلس الإسلامي الأعلى، على أن زيارة القبور مطلوبة للتذكر والدعاء للشخص عملا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها”، وهنا تتجلى الحكمة النبوية والموعظة في زيارة القبور والأضرحة،‮ ‬فهي‮ ‬تذكرنا‮ ‬بالآخرة‮ ‬والموت‮ ‬الذي‮ ‬هو‮ ‬نهاية‮ ‬كل‮ ‬شيء‮ ‬لا‮ ‬محالة‮.  ‬

ودعا الشيخ قاهر الزوار للتحلي بآداب وأخلاق زيارة المقابر من قراءة للفاتحة والدعاء للميت بالرحمة وذكر محاسنه وإنجازاته، مذكرا أن الالتجاء لصاحب الضريح بالتوسل والبكاء والاستعانة به في قضاء الحوائج كالعلاج والزواج وغيرها من أمور الدنيا أمر مرفوض ولا يجوز شرعا،‮ ‬فالله‮ ‬وحده‮ ‬من‮ ‬بيده‮ ‬حل‮ ‬المشاكل،‮ ‬مستطردا‮ ‬أن‮ ‬ما‮ ‬يحدث‮ ‬داخل‮ ‬الأضرحة‮ ‬من‮ ‬تجاوزات‮ ‬وزردات‮ ‬هي‮ ‬بدع‮ ‬ابتدعوها‮.  ‬

 

مقالات ذات صلة