محمد مزيان… العبد الضعيف نفذ الأوامر فقط!
يستأنف اليوم الأحد قاضي محكمة الجنايات لدى مجلس قضاء الجزائر العاصمة محاكمة المتهمين في قضية سوناطراك1، وهذا بمواصلة الاستماع للشهود في المجموعة الثانية المتعلقة بصفقة إنجاز أنبوب الغاز “جي كا3” والتي تحصلت عليها الشركة الايطالية سايبام بمبلغ 4300 مليار سنتيم.
وفي هذا السياق، سيستمع القاضي محمد رقاد لأهم شاهد في هذه الصفقة، وهو شيكراد حسين نائب الرئيس المدير العام المكلف بالنقل بالأنابيب والذي سبق المتهم في القضية زناسني بن عمر الذي خلفه في منصبه، وواصل إجراءات الصفقة والتي كانت انطلقت في عهد شيكيراد، وسيكون على هذا الأخير تقديم تفسير لهيئة محكمة الجنايات عن كيفية انطلاق المشروع وسبب مواصلة المناقصة بشركتين فقط بعد انسحاب الثالثة، وكذا مخالفة التعليمة “أ408 آر 15″، حيث ذكر اسمه من قبل المتهم زناسني وكذا من قبل الشهود في اللجنة التقنية التي تسلمت إجراءات فتح الأظرفة الخاصة بالمشروع .
الاستماع لحوالي أربعين شاهدا من مجمل 84
وبالاستماع لشهادة شيكيراد حسين اليوم تكون المحكمة الجنائية قد استمعت لحوالي أربعين شاهدا على اختلاف مناصبهم منهم حوالي 35 شخصا في المجموعة الأولى المتعلقة بصفقة الحماية الالكترونية والمراقبة البصرية، وتبين أن أغلبهم أعضاء باللجنة التقنية والتجارية ومسؤولي مشروع الحماية والذين أكدوا في مجمل تصريحاتهم تلقيهم أوامر من المديرية العامة لتقسيم المشروع الذي انطلق في البداية على أساس مناقصة لتأمين 123 منشأة لسوناطراك إلى أربع حصص بين الشركات الأربع “كونتال فونكوارك، فيسات، مارتاك، وسيامنس التي انسحبت لرفضها التقسيم“.
كما كشفت شهاداتهم عن تطبيقهم وامتثالهم وتنفيذهم لأوامر وزير الطاقة والمناجم أنذاك شكيب خليل والذي حرص من خلال تعليماته لإنجاز المشروع المتعلق بالحماية ونظام الأمن في آجال محددة ، والتي قال عنها مسؤول المشروع عرعار بوعلام في شهادته بأنها “ضرب من الخيال”، حيث لم يكن ممكنا ان تستكمل المشاريع أو إجراءات إبرام الصفقات في الوقت الذي منحه الوزير لهم.
كما كشفت جل التصريحات وإجابة الشهود على أسئلة الدفاع بأن التقنيات العالية الدقة والتكنولوجيا الفائقة التي كانت لدى شركة “كونتال فونكوارك” هي ما جعل سعرها مبرار رغم ارتفاعه على باقي الشركات، مؤكدين أن هذه الأخيرة قامت بالأشغال بنسبة 90 بالمائة، فيما حملت شهادة مدير الأمن الداخلي لسوناطراك قرار محمد في طياتها عدة أسرار لكيفية سير الصفقات باعتباره كان الملاحظ والمقرر وصاحب التقارير السرية التي كانت ترسل تارة للرئيس المدير العام للمجمع محمد مزيان، وتارة أخرى للوزير شكيب خليل.
كما تبين بأن هذا الأخير كان يقوم بدور المراقب وكذلك يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في تفاصيل الصفقات ويمنح حتى أوامر وملاحظات بخصوصها، وغير بعيد عن هذه الشهادات، فرئيس المشروع مغوش علي أكد وبشكل قاطع بأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال مخالفة أوامر الوزير والذي كان صريحا في مراسلاته الكتابية وهدد بمعاقبة كل من يخالف أوامره، وهو الشيء ذاته الذي أكده غزلي سليمان، مشددا على أهمية المشروع لحماية المنشآت من خطر الإرهاب، فيما كان الحضور الملفت لعدد من كاتبات وسكرتيرات نائب الرئيس المدير العام بلقاسم بومدين المكلف بنشاطات المنبع ملفتا، لأنهن وببساطة كن شاهدات لم يرين شيئا، ومرت شهاداتهن في ظرف ثوان معدودة مقارنة ببعض الشهود المهمين والذين كان المحامون يكثرون من طرح الأسئلة عليهم لدرجة ان القاضي قال لهم “لو كل شاهد نبقى معه يوما كاملا، يعني سنبقى 100 يوم مع 100 شاهد”، ليطلب منهم عدم إعادة الأسئلة والتركيز على أسئلة تفيد موكليهم.
الشاهد كالديوري يدافع عن شركة سايبام
ومع انطلاق استجواب الشهود في المجموعة الثانية الخاصة بصفقة “جي كا3” كانت شهادة الرئيس المدير العام السابق لسايبام كاليدوري أنتونيو الذي خلف تيليو أورسي لمدة ثلاث سنوات، ملفتة لهيئة محكمة الجنايات، حيث حاول هذا الأخير الدفاع عن شركته وما أنجزته في المشروع بكل قوة، حيث حضر من إيطاليا خصيصا للإدلاء بشهادته والتي كانت مرفقة بوثائق وتقارير، كشف فيها أن سعر سيابام مبرر بسبب طبيعة المناطق التي اشتغلت فيها، ووصف تيليو بالغباء، لأنه اختار ابن الرئيس المدير العام لسوناطراك رضا مزيان مستشارا له ووضع الشركة في مأزق، مذكرا بأن سوناطراك شريك لسايبام وليست مجرد زبون عادي، وهو سبب تخفيضهم للأسعار التي كبدتهم خسارة لإنجاز المشروع الاستراتيجي.
وبالموازاة مع جلسات الاستماع للشهود التي طبعت الأيام الأخيرة للأسبوع الثالث من المحاكمة، كان استجواب أخر المتهمين الرئيس المدير العام لسوناطراك محمد مزيان أهم ما ميز بداية هذا الأسبوع من المحاكمة، حيث استغرقت جلسة الاستماع يوما كاملا، حاول فيها مزيان الدفاع عن نفسه بكل قوة، واصفا ما حصل له بالابتلاء، ليذكر هيئة المحكمة بأنه اشتغل 43 سنة كإطار سام في الدولة، لم يخالف يوما التعليمات ولا القوانين، وحرص على العمل ليل نهار بحكم المسؤولية الموكلة إليه، ودافع عن قراراته والصفقات التي قام بها والتي استشار فيها الوزير شكيب خليل وباقي الإطارات، مشيرا إلى أنه يحترم كل الآراء، كما وصف نفسه “العبد الضعيف” في إشارة منه إلى أن الأوامر كانت أقوى من سلطاته ولا مجال لمناقشتها، فيما حاول إبعاد شبهة تعارض المصالح عنه بسبب اشتغال ولديه لدى “سايبام” ولدى “فونكوارك” بالقول أنه لم يكن على علم بما يقوم به ولديه ولم يعرف بشقة باريس التي حصلت عليها زوجته المرحومة إلا بعد انطلاق التحقيق، كما حاول هذا الأخير في العديد من المرات الترفع عن ذكر مصالح الأمن العسكري وما لقيه من تعذيب عندهم.
وبعد الضغط عليه من المحكمة عن طريق الأسئلة، اعترف بالقول بأن “الدياراس” طلبوا منه شهادة زور ضد مسؤولين سامين في الدولة لم يذكر اسمهم وهو رفضها، ولأجل ذلك هو متابع وعائلته في الملف، وكان يتحدث في كل مرة عن الخطر الأجنبي وعن مطالبة أمريكا وبريطانيا بدخول الجزائر لحماية رعاياها، وقال في خضم تلك التصريحات بأن واجب التحفظ يمنعه من الإدلاء ببعض المعلومات.
ممثلو الشركات يدافعون عن إنجازاتهم في سوناطراك
فيما حاول ممثلو الشركات الأربع المتهمة بالزيادة في الأسعار والرشوة كشخص معنوي الدفاع عن شركاتهم والإنجاز الذي قامت به، حيث قال ممثل “فونكوارك بلاتيك” الألمانية، “ماتياس بيلينغ”، إن شركتهم رفضت منح عقد استشارة لابن محمد مزيان، الرئيس المدير العام لسوناطراك. ودافع عن التكنولوجيا التي قدمتها شركتهم في مجال مشاريع الحماية الإلكترونية. وبدوره، ممثل المجمع الجزائري الألماني “كونتال فونكوارك”، “توماس بيكر”، دافع عن المجمع وما قام به من إنجازات في إطار الصفقات التي قام بها إلى غاية تجميد المشاريع في 2010. أما ممثل “كونتال ألجيريا”، “فرطاس عبد الرحيم”، فأكد أن شركتهم لم تخالف القانون وهي شركة جزائرية طموحة اشتغلت بجد للحصول على المشاريع. أما ممثل شركة “سايبام” الإيطالية، “غاليبولي ماسيمو”، هو الآخر فدافع عن الإنجاز الذي قامت به شركته في صفقة “جي كا3” ونفى تهمة زيادة الأسعار والرشوة المتابعة بها.
التحويلات المالية التي حصل عليها المتهمان مغاوي هي نتيجة أرباح الهولدينغ
واستمع القاضي، محمد رقاد، في نهاية الأسبوع الماضي، إلى شهادة ممثل بنك “بي أن بي باريبا” حيدرة، بوناطيرو عبد الكريم، بخصوص التحويلات التي حصل عليها المتهمان مغاوي الهامشي، الرئيس المدير العام السابق للقرض الشعبي الجزائري، وابنه اليزيد، من قبل “كونتال هولدينغ”، التي يملكها آل إسماعيل جعفر. وحاول القاضي معرفة مصدر الأموال، ليؤكد الشاهد ممثل البنك أن التحويلات جاءت من بنك “نتيكسيس”، وهي نتيجة تقسيم أرباح المجمع، ليقول له القاضي: “لكن تقرير بنك الجزائر يقول: لا يوجد مبررات اقتصادية للتحويلات؟” يرد الشاهد: “لما اتصل بي قاضي التحقيق منحتهم محضر جمعية البيئة وشهادة “كونتال هولدينغ“.
محافظ الحسابات ميرازي لطفي يغرق المحكمة بالأرقام الضخمة
وكانت شهادة محافظ الحسابات ميرازي لطفي الذي تولى تدقيق حسابات شركتي “كونتال ألجيريا” و”هولدينغ كونتال”، المسيرتين من قبل المتهم آل إسماعيل جعفر، جد مهمة بالنسبة إلى قاضي الجنايات، الذي حاول معرفة الفرق بين رقم أعمال الشركة قبل حصولها على صفقات سوناطراك وبعد ذلك. ونفس الشيء بالنسبة إلى الأرباح. وعن طريق الوثائق قدم محافظ الحسابات أرقاما أدهشت المحكمة، حيث كان رقم أعمال “كونتال ألجيريا” في 2006 نحو 45 مليون دينار، لينتقل في 2007 إلى 170 مليون دينار. يستفسره القاضي باستغراب: “المبلغ زاد.. هل له علاقة مع صفقات سوناطراك؟” يجيب الشاهد: “نعم. في إطار مشروع، والنصف الآخر مع الشركة الألمانية”. يسأل القاضي: وفي 2008؟ يصرح محافظ الحسابات: “ملياران و267 مليون دينار. وهذا أكبر نسبة من صفقات سوناطراك. القاضي: “مزيان بشير فوزي كان شريكا في كونتال؟ في 2006 هل حققت أرباحا؟ يدقق الشاهد في الوثائق ثم يقول: “في 2005 كانت هناك أرباح أما في 2006 فكانت خسارة، وفي عام 2007 تم إنشاء “الهولدينغ” وهو خرج أصلا من الشركة”. يسأله القاضي: “هل أخذ مزيان بشير فوزي أرباحا من كونتال؟” يرد بشكل متذبذب: “لا”. يقول له رئيس الجلسة: “على ما يبدو أنت غير متأكد من نفسك لكنك محافظ حسابات ومهنتك التدقيق؟ يجب ميرازي: “لم يكن هناك توزيع فوائد“.
وبخصوص حصول مزيان محمد رضا على أرباح من “هولدينغ كونتال” بصفته شريكا فيها، أكد محافظ الحسابات ذلك وقال إنه حصل على نسبة 30 بالمئة بعد توزيع الأرباح على كل الشركاء في جمعية عامة، مفندا علاقتها المباشرة مع عقود سوناطراك مثلما ذهبت إليه المحكمة. ونفى ما جاء في تقرير بنك الجزائر بخصوص الأرباح التي تحصل عليها مغاوي الهاشمي وابنه أن تكون غير مبررة، مؤكدا وجود محضر الجمعية العامة التي صادق هو على حساباتها. يسأله القاضي: “لماذا لا توجد هذه الوثائق في البنك؟” يقول الشاهد: “لا يمكنني الإجابة عن هذا السؤال. أنا مسؤوليتي التقارير والتأكد من صحة عمليات المحاسبة للشركة”. وأكد أن أرباح مغاوي الهاشمي وابنه اليزيد شرعية ولا غبار عليها.
القاضي يستفسر محافظ الحسابات: “هل يمكن أن يمنح المجمع رشوة؟”
وتساءل محامي سوناطراك في أسئلته الموجهة إلى الشاهد عن صحة الأرقام التي منحها بخصوص تطور رقم أعمال الشركة التي أصابته بالذهول. فحاول التأكد منها في الوثائق وأكد صحتها، منبها أنها تمثل رقم الأعمال أما الأرباح فهناك سنة ربحت فيها الشركة وأخرى خسرت فيها وهذا عادي في مسار أي شركة. وأكد الشاهد في إجابته عن سؤال النائب العام أن الهولدينغ يسير شركات فرعية وأرباحه تتأتى من نشاط الشركات لا نشاطه هو، مشيرا أن جل الأرباح كانت من نشاط شركة “كونتال ألجيريا”. فيتساءل النائب العام كيف لرضا مزيان أن يدخل شريكا في الهولدينغ في 2008 وبعدها في 2009 يخرج منها ويأخذ أرباحا؟ يرد الشاهد: “هو أخذ نصيبه بنسبة 30 بالمئة”. يتدخل القاضي ليسأل محافظ الحسابات: “هل المجمع يقدم رشوة؟” يصاب هذا الأخير بالذهول بسبب السؤال ثم يعيد عليه القاضي السؤال بطريقة أخرى ويقول له إن المجمع متابع بجرم الرشوة؟ يرد: “لا أعرف. صدقني. أنا أعمل في إطار القانون”. وتابع كلامه: “محاسبيا لا يمكن أن تظهر العمليات المشبوهة لأنه إذا كانت غير مبررة لا تقبل ولا يتم المصادقة عليها“.
أعضاء اللجنة التقنية بسوناطراك لا يعلمون شيئا
فيما لم تجلب شاهدة علواني رابح، مدير البيئة والأمن الصناعي بمركب حاسي مسعود أي جديد للمحكمة، حيث قال إنه لا يعرف شيئا عن الصفقات. ونفس الشيء بالنسبة إلى الشاهد “آيت علاق مجيد”، عضو في المجلس التنفيذي لسوناطراك، الذي قال إنه كانت هناك اجتماعات بخصوص إنجاز صفقات الحماية الإلكترونية ونظام المراقبة البصرية حضرها لكنه لا يتذكر ما دار فيها.
وبدوره، الشاهد “بوجلال رضوان”، عضو في اللجنة التقنية لمشروع الحماية الإلكترونية، قال إنه لا يعرف شيئا عن الصفقة سوى عملية فتح الأظرفة والتحقق من الملفات الإدارية للشركات المتنافسة.
الشهود في اللجنة التقنية لمشروع جي كا3″ خارج مجال التغطية
وكان الاستماع إلى شهادة بعض أعضاء اللجنة التقنية في مشروع أنبوب الغاز “جي كا3” دون جدوى بالنسبة إلى محكمة الجنايات لأنهم ببساطة خارج مجال التغطية، حيث قال الشاهد “صدوقي مراد” إنه كان عضوا في اللجنة التقنية والتجارية لمشروع أنبوب الغاز ومهمتهم كانت فتح الأظرفة فقط، مشيرا إلى أن خمس شركات سحبت دفتر الشروط وتأهلت منها ثلاث لتنسحب واحدة وتبقى “سايبام الإيطالية” و”سيكاباك” الفرنسية. فيما قال الشاهد “رافع مصطفى”، عضو اللجنة التقنية والتجارية لذات المشروع إن دوره كان فحص العرض التقني فقط، لينتقل القاضي إلى استجواب شاهدة أخرى، وهي “ساهد سميرة”، عضو بذات اللجنة، قالت: “لا أعلم شيئا”، ليفضل تركها تذهب لسماع شاهد آخر وهو “عبد اللاوي نور الدين”، رئيس لجنة دراسة العروض. الذي هو الآخر قال إن دورهم فتح الأظرفة فقط. ونفس الشيء بالنسبة إلى الشاهد “عينوش عبد الحكيم “، عضو بذات اللجنة، الذي قال إنه لم يحضر العروض التجارية لأنه كان في مهمة بالخارج.
محاسب سايبام: “تيليو أورسي كان يحضر شخصيا لتسلم مرتب رضا مزيان”
وكشف الشاهد “حملات حميد”، محاسب بشركة “سايبام ” أن ابن الرئيس المدير العام لسوناطراك، رضا مزيان، عمل مستشارا لدى تيليو أورسي. وكان هذا الأخير يأتي إلى مكتبه، أي المحاسب، ليتسلم بدلا من رضا مزيان راتبه الشهري. وأكد أنه لم يلتق برضا مزيان ولا مرة، ليعلق القاضي: “لِرضا مزيان قيمة كبيرة إلى درجة أن تيليو أورسي هو الذي يدفع إليه أجرته شخصيا؟” وتساءل إن كان كل الموظفين يتحصلون على نفس المعاملة؟” يرد الشاهد: “صحيح. كنا 8 موظفين نتحصل نقدا على مرتباتنا لكن ليس من قبل المدير العام تيليو أورسي في مكتب المحاسبة بشكل عادي”. وأكد المحاسب أن مبلغ 400 مليون سنتيم الذي كشفت عنه التحقيقات لم يخرج من حساب الشركة. يقول له القاضي: “خرج من صندوق أسود إذا“.