رياضة
رجال غادروا في صمت:

محيي الدين خالف… وهب حياته لمجد الكرة الجزائرية

بقلم: مسعود قادري
  • 611
  • 0

فقدت الكرة الجزائرية، في أقل من شهر، رجلين كبيرين من رجالاتها الذين ساهموا في رفع مجدها وراية البلاد من خلال ما قدّموه من معارف رياضية وجهد وخبرة للأجيال توجت بانتصارات وألقاب أعطت للكرة الجزائرية مكانة محترمة في القارة والعالم عامة.

بعد المجاهد رشيد مخلوفي، نجم الكرة الجزائرية وأحد أبطال فريق جبهة التحرير الوطني الذي غادرنا في شهر نوفمبر، هاهو الرجل الثاني الذي كان له باع طويل في رفع قيمة الجزائر كرويا بتحقيق نتائج مبهرة مع المنتخب الوطني لم يبلغها قبل استلام الرجلين له، فبعد أن فتح سي مخلوفي سجل التتويج العالمي بلقبي ألعاب المتوسط 1975 والألعاب الإفريقية 1978 بالجزائر وأهل التشكيلة للدور الثاني من تصفيات العاب موسكو الأولمبية، تسلّم الأمانة المرحوم خالف محيي الدين الذي كان قامة بارزة من قامات التدريب الكروي على الساحة الوطنية بما حققه من إنجازات وألقاب مع شبيبة القبائل رفقة المدرب الروماني “زيفوتكو” قبل أن يبدأ مهمته الوطنية سنة 1979 إثر انسحاب مخلوفي ويشرع في مسار تدريبي جديد بمشاركة المدرب اليوغسلافي “رايكوف”.

الخليفة المقدام يواصل الدرب

محيي الدين خالف الرجل المثقف (ليسانس في العلوم السياسية، إن لم تخني الذاكرة) المتمكّن من ثلاث لغات على الأقل ـ كما أعرفه، ربما أكثر؟ ـ فما تأكّدت منه من خلال مرافقتي له في عدة مناسبات عالمية أنه يتقن جيدا، العربية والفرنسية والإسبانية… مستواه العلمي جعل منه مدربا يجيد التعامل مع اللاعبين بمختلف شخصياتهم، ويتمكّن بفضل أسلوبه المميز في التعامل، في ظرف وجيز من تحقيق نتائج مبهرة سنة 1979. بدأها بألعاب “سبليت” المتوسطية التي أعد لها منتخبا كان قمة في الأداء والعطاء والفن الكروي، استكمل استعداداته بالمكسيك وجاء إلى “سبليت” اليوغسلافية (الكرواتية حاليا)، ليقدم عروضا جعلته من أكبر المفضّلين للحفاظ على لقبه المحصل في الجزائر قبل أربع سنوات. لكن تدخل عوامل غير الرياضية حولت مباراة نصف النهائي ضد البلد المنظّم إلى حلبة مصارعة، كان للحكم السويسري فيها الدور البارز والواضح بإخراجها عن إطارها الرياضي، بتدخلاته المنحازة للمنظمين وعرقلته كل الهجومات الجزائرية، فكان ضحيته المنتخب الوطني الذي اكتفى بالمركز الثالث، ليواصل مساره بدون تأثّر بما حدث في مدينة “شيبنيك” اليوغسلافية (كنت واحدا من الصحفيين الذين رافقوا الوفد في هذه الألعاب) وحضروا المهزلة التي وقعت فوق الميدان، حوّلت حينها إلى قضية سياسية طالب فيها البعض بمعاقبة اللاعبين والمرافقين، مع أن الطبخة كانت محبوكة وتصرف بعض لاعبينا ومسيّرينا كان رد فعل للدفاع عن حق مسلوب.. المهم، بعد شهرين من ألعاب سبليت وبالتحديد في شهر ديسمبر من نفس السنة، حقق المنتخب الجزائري انتصارا غير مسبوق على “أسود الأطلس” المغاربة، في عقر دارهم بالنتيجة والأداء (4\1) ضمن تصفيات الدور الأخير لألعاب موسكو الأولمبية 80 وأكمل الانتصار الأول بفوز آخر في الجزائر (3\0).. خالف كان مدعما باليوغسلافي رايكوف الذي يعد في نظري من بين أحسن المدربين الأجانب الذين عملوا في الجزائر مع خالف وفي صمت وبدون تهريج، حتى إنه حين أسيء إليه من قبل الصحافة حمل أمتعته وغادر ليلا بدون أن يقول كلمة أو يبرر سبب مغادرته.

إنجاز آخر كبير جدا، لكننا لا نعتبره كثيرا، لأنه لم يتوج بلقب، مع أن الهدف المحدد للمشاركة في كأس الأمم الإفريقية 80 بنيجيريا هو التأهل إلى الدور نصف النهائي ليكون بين أحسن أربعة منتخبات (النهائيات حينها كانت بين 08 منتخبات فقط). لكن جدية المدرب ولاعبيه اجتازوا الهدف ووصلوا النهائي و..

تنقل خالف ورايكوف بالمنتخب قبل الموعد إلى كوتونو البينينية ـ القريبة من مقر المنافسة القارية بنيجيريا وبالتحديد في مدينتي لاغوس (العاصمة وقتها) وعبادان التي احتضنت مباريات المجموعة الثانية، وهي تبعد عن “لاغوس” بحوالي 120 كلم. في الفندق الوحيد المؤهل في المدين “الفندق الكبير”، تم إيواء منتخبات المجموعة الثانية (الجزائر والمغرب وغينيا وغانا) مع مرافقيهم… رجال خالف في تلك الدورة كانوا غرباء عن المنافسة باعتبارهم غابوا عنها مدة 12سنة، أي منذ دورة أثيوبيا 1968 لكنهم دخلوا بعزيمة وإرادة فولاذيتين وخطط محكمة حققوا بها التعادل السلبي مع غانا (0\0) في المباراة الأولى، وأضافوا لها انتصارين أمام المغرب (1\0) ثم غينيا (3\2) في الدور الأول، وفوز على المنتخب المصري في الدور نصف النهائي بالترجيحات (4\2) بعد التعادل في الوقتين القانوني والإضافي (2\2). وبعد مباراة تاريخية في ملعب سيريلوري بلاغوس، بحضور الرئيس المحلي وجمهور لم يكن ليسمح للمنافس بالتفكير في أكثر من الخروج سالما.. انتزعت الجزائر المرتبة الثانية وهي مرتبة لم تكن بالقليلة لمنتخب عاد إلى المنافسة من بعيد وترك بصمته في الدورة بنجومه الشابة ومدربه الكفء.. واصل سي محيي الدين ورفيقه اليوغسلافي مهمته ليحقق نتائج أخرى جيدة في نفس السنة 1980 في ألعاب موسكو، وتحقيق انتصار وتعادلين أمام كل من ألمانيا الديمقراطية وإسبانيا وسوريا، رتبت الجزائر في المركز الثاني للمجموعة “ب”. وكان السيد خالف قد سبق ألعاب موسكو بالدخول مع المنتخب الوطني في تصفيات كأس العالم 1982 بإسبانيا افتتحها بتعادل في “فريتاون” عاصمة سيرايون (2\2) وانتصار بـالجزائر (3\1) انسحب خالف لأسباب، لا مجال لذكرها وواصل رايكوف المهمة بانتصار على السودان في الجزائر (2\0) وتعادل في الخرطوم (1و1) ثم انتصار ساحق على النيجر في الدور الموالي (4\0) ليختفي عن الأنظار هو الآخر دون أن يظهر أي سبب وريما لأنه رغم النتائج الميدانية المحققة تعرض لانتقاد خفي، فلم يتحمّل وانسحب بشرف ملتحقا بزميله ليكمل المرحوم عبد القادر بهمان مهمته مع النيجر في لقاء العودة بهزيمة ضعيفة (0\1). بعد التغيير الذي حصل على رأس وزارة الشباب والرياضة، عقب تأهل المنتخب الوطني إلى كأس العالم بإسبانيا يوم 30 أكتوبر 1981 وتعيين المرحوم عبد النور بكة على رأس الوزارة خلفا للمرحوم جمال حوحو ـ استدعي مخلوفي وخالف لقيادة المنتخب إلى الدورة النهائية بإسبانيا سنة 1982.. كانت منافسة الكأس القارية بليبيا في طريقه، لينتزع المركز الرابع ويستمر في تحضير المنافسة العالمية ببرنامج كبير من المباريات التحضيرية مع منتخبات وأندية أوروبية كبيرة (الجزائر ـ بنفيكا (1\0) الجزائر ـ ليل الفرنسي (1\1)، الجزائر ـ البيرو (1\1)، الجزائر ـ إرلندا الجنوبية (2\0)، الجزائر ـ ريال مدريد (2\1)، الجزائر ـ باستيا ( 4\3 بجنيف)، الجزائر أ. ليون (2\1 بليون). كل هذه النتائج، كانت ثمار جهد وتخطيط وحسن اختيار للعناصر التي حملت الراية إلى مغامرة شبه الجزيرة الأيبيرية وأبهرت العالم بأدائها ونتائجها وخروجها المشرف جدا من المنافسة التي تأثّرت سلوكيا بفعل ما وقع من إجحاف أوروبي في حق الجزائر، وهو ما أجبر الاتحاد الدولي حينها على تغيير نظام المنافسة، خاصة المباريات الأخيرة من المجموعات في كل الدورات العالمية والقارية، تفاديا لتكرار السيناريو الذين مثله الألمان والنمساويون، لحرمان غزلان الجزائر من مواصلة المشوار..

من هذه المنافسة خرج المدرب محيي الدين خالف برأس مرفوعة ونتائج عير مسبوقة، رغم عدم ارتياح الأنصار الذين اعتقدوا أن المنتخب كان بإمكانه الذهاب بعيدا في المنافسة.. طموح مشروع، لكن تحقيقه لم يكن ممكنا بسبب ما وقع وما كان في علم الغيب؟..

غاب خالف عن المنتخب الوطني لفترة قصيرة، تكفل به المرحوم عبد الحميد زوبا الذي أهله إلى نهائي كأس الأمم الإفريقية 84 بكوت ديفوار، ليقوده خالف من جديد ويحقق معه نتائج جيدا، رتبته في المركز الثالث بعد كل من الكامرون ونيجيريا وقبل منتخب مصر الذي كان من بين المرشحين لنيل اللقب…

رحم الله المدرب القدير، محيي الدين خالف، وجزاه الله خيرا عن الجزائر والكرة الجزائرية.

ملاحظة: ما كتبته عن الرجل- رحمه الله- هو ما عرفته عنه من خلال المعايشة المتواصلة واللقاء به في الخارج والداخل وما نقله زملائي في جريدتي الشعب والمنتخب…

مقالات ذات صلة