الجزائر
الجزائر صارت قوة صيدلانية كبرى والمريض بحاجة إلى توعية

مختصون يشرحون حقيقة “الأصلي” و”الجينيريك” في عالم الأدوية

س. ر
  • 1492
  • 0
ح.م
تعبيرية

رحلة البحث عن الدواء لم تعد شاقة، في بلد يعيش ثورة صيدلانية بكل ما تعنيه الكلمة العلمية.
المريض صار يسمع لدى الصيادلة، وهو يعطيهم وصفة الدواء، أن ما يطلبه من دواء مدوّن من طبيبه الخاص، غير موجود، بل يوجد الدواء الجنيس “جينيريك”، ومن دون أن يعلم، يتوجس خيفة من كلمة “جينيريك”، قناعة منه أن الأصل أحسن من المقلد، بالرغم من أن هذه النظرية لا تنطبق إطلاقا على الدواء.
أسئلة كثيرة حولناها إلى أهل الاختصاص حول قصة “الجينيريك” التي تُحرج بعض المرضى ويقبلها آخرون، وعن الفرق ما بين الجنيسة والأصلية.

الجنيس أحسن من “الأصلي” !
يقول الدكتور الصيدلي عبد الوهاب نوي بعد خبر ة 35 سنة في مخابر الدواء، في شرحه لـ”الشروق”: “في سوق الأدوية الجزائرية كما في غالبية بلاد العالم، الأدوية الأصلية غير موجودة، وفي أحيان كثيرة تسمى أدوية “جينيريك”، أصلية، وهي “جينيريك”، وأكاد أجزم أن 99 بالمئة من الأدوية الموجودة حاليا هي جنيسة، والواقع أن هذا التحول حدث في السنوات السابقة عندما تم توقيف الاستيراد والدعوة إلى التصنيع الكامل للأدوية في الجزائر”، فحدث خلل في المفاهيم وخلط في التصنيع أيضا، قبل أن تعود الأمور إلى سكتها الصحيحة في السنوات الأخيرة.

نفسانيون: “مرضى يريدون العيش مع نفس الطبيب والدواء طول العمر”

ويرى نزيم صاولي، وهو صيدلي شاب عمل في الكثير من المخابر وتعامل مع خبرات دولية في صناعة الأدوية، أن الأدوية الجنيسة هي المسيطرة على سوق الدواء العالمي، وضرب مثالا عن دولة أندونيسيا التي تعامل مع مصانع الأدوية فيها، ويقطنها قرابة ربع مليار نسمة، فحكومتهم أجبرت الأطباء على تضمين الوصفات الأدوية الجنيسة فقط من دون الأصلية، حتى تتفادى التزوير وتجنب المريض فاتورة غالية جدا، ما دام الأصلي والجنيس بنفس الفعالية والتركيبة الكيميائية.
ويدافع الصيدلي نزيم عن رأيه: “نعم الجنيس أحسن من الأصلي في غالب الأحيان، فالدواء الأصلي هو واحد، والجنيسة متعددة تصنعها العديد من المخابر، التي تتجنب بعض أخطاء الدواء الأصلي، وقد تزيد مواد إضافية تجنب بعض المخاطر، إضافة إلى أن سعرها يكون في متناول المرضى”، أما عن التركيبة الكيميائية للدواء فهي نفسها، وشراء إجازة المنتج الأصلي، يتطلب السير على ذات التفعيلة الكيميائية، ونفى أن يكون صاحب الدواء الأصلي عندما يبيع حقوقه يخفي بعض التركيبات، لأن البيع غال جدا، والاتفاق يمنح كل ما يتوفر عليه الدواء الأصلي.
ويقدم الدكتور عبد الوهاب نوي مثالا بسيطا: “بعض المرضى يطلبون دواء “دوليبران” مثلا، وعندما نقدم لهم دواء “برالغون”، يصرون على “دوليبران”، وهو نفسه “جينيريك” مصنّع هنا في الجزائر”، ثم يعرج إلى شركات معروفة مثل “بفايزر” التي أسسها “كاوبوي” أمريكي، بنى شركة الدواء الكبرى على “الجينيريك” والشركة تواجدت في الجزائر وعملت بطريقة عادية. وكل المؤسسات الأردنية الشهيرة في صناعة الدواء الموجود بقوة في الجزائر، وعلى رأسها “حكمة” دواؤها “جينيريك” وهو يسوّق لكل بلاد العالم، وما حققته “صيدال” والشركات الجزائرية التي وصل دواؤها إلى كل قارات العالم، خير دليل على أن “الجنيريك” هو نفس الدواء الأصلي. وقد تمكنت الجزائر في السنوات الأخيرة من تأسيس صناعة دواء مشهود لها من كل مخابر العالم بنوعية فائقة الجودة.

مريض الداء المزمن يرفض “الجينيريك”
يقرّ الصيادلة أن أكثر من يرفض الدواء الجنيس هم كبار السن، خاصة المصابين بأمراض مزمنة تخص السكري وضغط الدم، فهم أوفياء لنفس الطبيب، والطبيب وفيّ لكتابة في كل ثلاثة أشهر، نفس الدواء لمريضه المسن، وبمجرد أن يشاهد المريض المسن علبة بلون مغاير للعلبة التي تعوّد عليها حتى يتوجس خيفة، ويصر على دوائه الذي ربما تم توقيف إنتاجه في المصنع الأم.
وهنا ترى النفسانية مروة مقراني ضرورة لعب الطبيب لدور مهم، بإفهام مريضه أن الدواء الحديث الجنيس هو بنفس المواصفات وقد تغير هندامه لا أكثر ولا أقل، لأن المسن في الغالب الذي تجاوز الثمانين وأكثر، يرفض تغيير عاداته من أكل ونوم وملبس، فما بالك بدوائه الذي يراه أكسير الحياة.
وهنا يطرح بعض الصيادلة مسألة ضرورة التنسيق مع زملائهم الأطباء في مختلف الاختصاصات، حتى يكون الأطباء على علم بالتغييرات التي تحصل في عالم تسويق المنتجات الصيدلانية، ويمكنهم توجيه مرضاهم، وتقديم للمريض وصفة ممكنة.
ويشير الصيدلي نزيم إلى إشكالية حصلت معه، عندما يصرّ بعض المرضى على شراء نفس الدواء الأصلي الذي توقف إنتاجه من مصدره، ويرفضون أي دواء جنيس، فتراهم يتصلون بأحبابهم في أوروبا ويرسلون لهم صورة العلبة، وربما العلبة الفارغة، وقد ينتظرون عدة أسابيع بسبب البحث عنه، ويعرضون حياتهم للخطر بالتوقف عن شرب الدواء الجنيس، مصرون على ما هو مدوّن في وصفة طبيبهم الخاص.
وحتى بعض المرضى لأسباب نفسية بحتة يجربون الدواء الجنيس، ثم يصفونه بالسيئ الذي لم يساعدهم وأنه لم يكن بنفس مواصفات الدواء الأصلي الذي تعوّدوا عليه منذ سنوات، وهو تهيؤ نفسي لا علاقة له بالواقع.
يقول صيدلي آخر من ذوي الخبرة، بأن أشد ما يحرجه في مهنته كلمة “جنيريك”، ومن المفروض أن تقوم الهيئات الصيدلانية بحملات تحسيسية في قلب العيادات الخاصة والعمومية والمستشفيات الجامعية وفي الساحات العمومية، لشرح لعامة الناس بأن الدواء مختلف عن الألبسة والسيارات والشكولاطة وقطع الغيار، فالجنيس هو نفسه الأصلي، فذاك يصنعه مخبر بتركيبة خاصة، وذاك ينتجه مخبر في مكان آخر، ولكن بنفس المعادلات الكيميائية الدقيقة التي لا يمكنها أن تحيد عن الأصل بل وقادرة على الإضافة المفيدة، وبترخيص وتسجيل قانوني ومن خبراء تحت مراقبة ومتابعة هيئات علمية.
بينما يتباين رأي المرضى بين من يتوجه مباشرة من دون سؤال إلى الجنيس، وبين من يصرّ على أن يبقى رهينة ما يسميه دواء أصليا حتى لو أقنعته بأنه جنيس.

للأطباء رأي آخر
رحلة الطبيب مع مريضه تتطلب ما يسمى بالاختبار الكلينيكي “examen clinique”، فعليه أن يعرف محيط المريض، وأمراضه وتاريخه الصحي وما تعاطاه من أدوية، وحتى أمراض عائلته. يرى البروفيسور جمال الدين حميدة، أن التشخيص السليم هو نصف العلاج، ولا يمكن الوصول بسهولة للتشخيص السليم إلا بالمرور عبر مراحل، في الغالب تتطلب ما يسمى بالاختبارات المكمّلة أو الإضافية ” les examens complémentaires ” التي ترتبط بالتحاليل والأشعة، والتي وفرت الجهد على الطبيب، فصار اكتشاف الأورام مثلا، ممكنا في أقل وقت وجهد، وبعد الحصول على التشخيص السليم، يحرص الطبيب على كتابة الدواء الصالح لتلك الحالة، ويكون الدواء المعروف عالميا، فالطبيب لا يُلام على عدم معرفته الشاملة للأدوية الجنيسة، فعددها بالملايين في العالم، ويبقى التقدير للصيدلي الذي يعيش مع الأدوية يوميا وبإمكانه أن يعطي النصيحة لطالب الدواء.
يشير الأطباء إلى أن بعض المرضى لأسباب تتعلق بالضمان الاجتماعي، يعودون إلى الطبيب المعالج، من أجل تغيير اسم الدواء، حتى يحصلوا على التعويض المكفول قانونيا، أما عن المرضى الذين يرفضون الأدوية الجنيسة، فيبقى كلام الطبيب هو البلسم بالنسبة إليهم، ومنهم كثيرون يشترون الدواء الجنيس من دون إشكال، لكن بعض الصيادلة يستعملون الجنيس بأنواع متعددة، فيصيب ذلك بعض المرضى بالشك في المنتوج الصيدلاني ويرى المريض النزعة التجارية في الصيدلي.
عموما يصر الأطباء والصيادلة على حد سواء على ضرورة التحسيس في قضية “الجينيريك” لأن الجزائر خطت أشواطا لا ينكرها إلا جاحد في تصنيع الدواء والتواجد القوي في السوق الوطنية والدولية، وأول زبون ومرافق لهذه الخطوات هو المريض الجزائري الذي عليه أن يدرك أن لا فرق بين الجنيس والأصلي، بل في أحيان كثيرة طلبُ الجنيس أجدى مما يسمى بالأصلي.

مقالات ذات صلة