-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
الحلقة الأخيرة

مذكرات الخبير التربوي عبد القادر فضيل…عرض وتحليل

بقلم: عيسى عمراني
  • 245
  • 0
مذكرات الخبير التربوي عبد القادر فضيل…عرض وتحليل

حظ ابن باديس من المذكرات

خصص الكاتب في مذكراته صفحات هامة للحديث عن الإمام “عبد الحميد ابن باديس” وأفكاره التربوية والسياسية، بلغ عددها ستا وثلاثين، تمثلت في محاضرتين، أسهم بهما من قبل في ندوتين من الندوات العلمية  الدورية، التي تنظمها مؤسسة الإمام ابن باديس بقسنطينة، بمناسبة يوم العلم الموافق تاريخ وفاة الإمام، وهو الذي يحمل في صدره مكانة عالية وغالية لهذا اليوم لأنه مناسبة تاريخية وعلمية وتربوية، يذكر بمآثر رائد النهضة الجزائرية، ويحيي في النفوس منزلة العلم وقيمته، كما أنه رمز يشير إلى مكونات النظام التربوي الوطني، من خلال تأسيس أمرية 76، المؤرخة في 16 أفريل 1976م، التي وضعت لتحديد أركان سياسة التعليم الوطنية.

– موضوع المحاضرة الأولى: الفكر التربوي الباديسي- الحاضر الغائب: قدمت بمدينة قسنطينة، في السنوات الأولى لنشاط المؤسسة” – التي باشرت عملها العام 2000م-  ولم تقم بنشرها على غرار المحاضرات الأخرى، فتم إدراجها ها هنا، بعد أن نشرها من قبلُ  بمجلة الوعي،( التي تصدرعن دار الوعي بالجزائر) في عددها الأول 2010م.

– الموضوع الثاني: صور من تكامل الفكر التربوي مع الفكر السياسي في حركة ابن باديس الإصلاحية:

قدمت العام 2012م، بالملتقى الدولي حول الفكر السياسي عند الإمام الشيخ “عبد الحميد ابن باديس” المنعقد بمدينة قسنطينة في 18و 19 ماي 2012م،  وكان مقررا أن تنشر المحاضرة في كتاب أعمال الملتقى، ضمن المحاضرات المقدمة فيه وعددها عشرون، لكنها سقطت لسبب مجهول.

 كما تجدر الإشارة إلى أن الدكتور “فضيل” ألف كتابا عن العلاّمة “ابن باديس”  عنوانه “إمام الجزائر” بالاشتراك مع الأستاذ “محمد الصالح رمضان” تلميذ الإمام.

 فضيل الشاعر

لا يعلم كثير من الناس جانبا مهما في شخصية الدكتور فضيل ونبوغه ومواهبه،  ويتعلق الأمر بالكتابة الشعرية، فالرجل شاعر مُجيد، كتب في أغراض متعددة، وقد ورد ذكر اسمه في مراجع الأدب والنقد، منها: كتاب معجم شعراء الجزائر، ومعجم “البابطين” للشعراء العرب المعاصرين(بالكويت)…

– أردفت المذكرات بملحق خُصص لإنجازاته هذه، تجاوزت عشرين قصيدة، بوّبها إلى “عناصر” من واحد إلى تسعة عشر، في أغراض مختلفة ، نقتطف أبياتا من بعضها:

1- نشيد وطني: بها ستة عشر بيتا، شارك بها ، في المسابقة التي أعلنت عنها الدولة العام 1964م، وكان موضوعها تجديد النشيد الوطني، وقُبل النص ولكن إجراءات المسابقة لم تتم.

كبّر المدفع فارتج عداكا   وتنادى القوم فاهتزت رباك

وانتفضنا – وطني- نحمي حماكا   نحن أقسمنا على السير وراكا

هذه أرواحنا اليوم فداكا   هي قربان لأمجاد الجزائر

نحن لا نرضى مدى الدّهر الهوانا   ليس فينا من يرى رأيًا جبانا

نحن خضنا مع الغرب عوانا   وافتككنا المجد من أيدي عدانا

2- سنوات ليس ينسيها الفراق: بها ستة وثلاثون بيتا، نظمها الشاعر بمناسبة توديع معهد الدراسات العربية بجامعة الجزائر سنة 1966م.

هكذا الدهر اجتماع وافتراقُ   فُرصٌ تحلو وأخرى لا تطاق

هكذا يمضي بنا الركب الذي   حثَّ من قبلُ مطاياه اللِّحاق

هكذا نغدو شتاتا بعدما   جمع الشملَ لقاءٌ ووفاق

أمس كنا هاهنا جند العلا   والدراسات مجال ونطاق

3- يا حجر: بها أربعة عشر بيتا، ومناسبتها أن أحد أصدقاء قاضي مدينة “تنس” كان ميمما نحو الحجاز، وعرض عليه أن يُحضر له ما يرغب فيه من هناك، فكان طلبه أن يأتيه بحجر يتبرك به، ويضعه بمكتبه، فجاءه به من المدينة المنورة.

ولمّا زار الشاعر “فضيل” القاضي، طلب منه أن يكتب عنه كلمة، فنظم هذه القصيدة يخاطب فيها ذلك الحجر:

أتيت تخترق البيداء يا حجرُ   من بلدةٍ طاف بها الناس واعتمرُوا

كنّا عهدناك ما تنفكُّ تعمُرها    حتى رأيناك والرؤيا لها أثرُ

حتى رأيناك في “تنس” تقرُّ بها   لعبقريّ القضا أزجى بك القدرُ

أكرمْ به رجلا أكرمت منزله   وأنعمْ بها رحلة أعطاكها الظفرُ

فعشْ كريما لدى المحظوظ جانبه   ذاك الذي عنده عن حالك الخبرُ

4- إن هذا ليس بالأمر الحرام: بها عشرون بيتا: وهي مداعبة شعرية – كما وصفها صاحبها- مناسبتها حوار استوحاه من صورة لعالم من اليمن  مع فتاة فرنسية، التقطت له بفندق بالجزائر، وكان يحضر ملتقيات التعرف على الفكر الإسلامي، وألقيت في الملتقى الذي انعقد بمدينة عنابة العام 1976م .

نظر الشيخُ إليها في ابتسام   ودعاها لأحاديث الغرام

ورجاها أن تناجي قلبه    (إنّ هذا ليس بالأمر الحرام)

فاستطابت بنت باريس الهوى  ودنت من شيخنا القاضي الإمام

واستلذت نغمة الشيخ اليماني    واستزادت من جنى هذا الكلام

وأجابته بلطف وابتسام    ودلالٍ أعجميٍّ واحتشام

كنتَ في الناس مهيبا ووقورًا   وعلى وجهك آيات احترام

ردَّك الحبُّ إلى عهد الصّبا   فهنيئًا وهنيئًا “مُون شيرامي”

5- أنشودة موجهة إلى المدارس: بها أربعة وعشرون بيتا:

يا بلادي هذه أيامنا   كلّها مجد وعزٌّ وهَنا

يا بلادي إنّ هذي فرحة    تملأ الدنيا جمالا وسنا

يا بلادي اليوم أصبحت حِمى   يبتغي منا رجالًا أوفيا

لقاء العائلة

مرت بالرجل ظروف مادية عصيبة في حياته، خاصة في بدايات مساره المهني، أهمها أزمة السكن التي عانى منها طويلا، ويذكر أن الوزير …. وعده مرات بأن يساعده، على الاستفادة من سكن، نظير جهوده الكبيرة، ولكن ذلك لم يتحقق، بل انتُزع منه سكن كان سيتسلمه، ومنح لغيره. لكنّ مع العسر يسرا، إذ انفرجت الأزمة بعد سنين من المعاناة، فتمكن من بناء مسكن يسع العائلة، بعدما توكل على الله وخطط له، مستعينا بقرض بنكي، وأفكار بعض الإخوان، في كيفية تجاوز صعوبة البناء، فتنفس -بعدها – وعائلته الصعداء، وعاشوا في وضع مستقر، خاصة بعد ارتقائه في الوظيفة، مما عوض العائلة ما عانته خلال تلك الفترة.

ويُرجع الفضل في ذلك أيضا – بعد الله- إلى أم أولاده السيدة ” باية بن مونة” التي كانت تدرك ذلك الواقع المعيش الصعب، وكيفية التعامل معه، فاستطاعت أن تتكيف مع الوضع، بحسن تدبيرها واهتمامها برعاية شؤون أبنائها.

رزق الله  الدكتور فضيل بخمسة أبناء: معمّر : مهندس دولة، يشتغل بمركز الفلك، ومحمد الأمين : مهندس دولة، حافظ لكتاب الله، كان موظفا تابعا لوزارة التربية الوطنية، ثم توجه إلى العمل بشركة، والمأمون: يعمل بانجلترا في مجال التعليم الخاص، وعبدالرحمن(عبده)، دكتور في مجال الإدارة يعمل بشركة بفرنسا، وأسماء – زهرة العائلة كما يدعوها – تشتغل طبيبة.

في أحد أيام العام الهجري 1444ـ 2022 للميلاد، نظم الدكتور بالبيت العائلي، لقاء خاصا بأفراد الأسرة ، شمل الأبناء والحفدة مع الوالدين – منهم من قدم من خارج الوطن- وحضّرت لهم الأم مأدبة عشاء مناسباتي فاخر، وهي تحرص على أن يكون لقاء تاريخيا متميزا، وألقى الأب (عبد القادر) خلالها كلمة، كان قد سجلها، وسلّم نسخة منها لكل منهم، طالبا منهم أن يقرأوها ويحتفظوا بها، وأن لا ينسوا هذا اليوم.

قيـل فيـه

كلمات طيبة منصفة قيلت في الدكتور عبد القادر فضيل، من قبل شخصيات دينية وسياسية وتربوية وثقافية وإعلامية،  نورد مقتطفات منها:

  • الأستاذ عبد الحميد مهري( ديبلوماسي سابق)*: “الأستاذ “عبد القادر فضيل” من رجال التربية الذين واكبوا مسيرة هذا القطاع منذ السنوات الأولى للاستقلال، وساهموا طيلة هذه الفترة الطويلة، بجهد متواصل، في التطورات التي عرفتها المنظومة التربوية، سواء بالممارسة والعمل الميداني، أو المشاركة في لجان البحث والدراسة التي شكلتها وزارة التربية في مختلف المراحل…

( *مقتطف من تقديم لكتاب الدكتور فضيل” المدرسة في الجزائر حقائق وإشكالات”)

  • الأستاذ عثمان سعدي (رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية): “إن عبد القادر فضيل من الأوائل الذين وضعوا الأساس السليم للمدرسة الجزائرية ، التي بفضلها تخرج علماء كبار …”
  • الدكتور عبد الرزاق قسوم: (الرئيس الأسبق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين).

“إن الحديث عن الدكتورعبد القادر فضيل -اللؤلؤة- أمر صعب للغاية، ومتعب في نفس الوقت، لتعدد جوانب النبوغ والعظمة فيه، كونه المهندس الحقيقي للمدرسة الأساسية الأصيلة التي كانت ولا تزال الأمل المعلق على هذا الوطن…”

  • الدكتور المؤرخ محمد الأمين بلغيث: وصفه بصاحب القلب الشاب والهمة الواثبة، فهو الذي ” إذا دعي لا يقول : لا، كما أنه لا يخون قومه،  ولسانه حاد…”
  • الشيخ الداعية محمد مكركب:

عدّ الشيخ مكركب الدكتور فضيل مدرسة قائمة بذاتها حملت على عاتقها تعليم اللغة العربية وتدريسها لأبناء الجزائر، من خلال مختلف إسهاماته الكبيرة من الستينيات إلى اللحظة…

  • الأستاذ رابح خدوسي باحث في شؤون التربية وأديب: إن الدكتور عبد القادر فضيل هو معلّم المعلمين ومربي المربين، من خلال المنصب الذي كان يشغله في المعهد الوطني لتكوين (إطارات التربية)، حيث كان حريصا على متابعة الجميع…
  • فاطمة الزهراء حرات: مفتشة تربية – سابقة – : وصفت أستاذها ” فضيل” بأنه:

“كفاءة الكفاءات في قطاع التربية، خرّج أجيالا لحماية المدرسة الجزائرية…”

  • ممثل مجمع الشروق للنشر والإعلام ( علي ذراع): “إن التكريم الذي خصت به مؤسسة الشروق الدكتور ” عبد القادر فضيل”هو تكريم للمدرسة الجزائرية التي كان من أبرز مؤسسيها.

9-الأستاذ الفلسطيني عبد الرحمن حاكم:

” إن الدكتور عبد القادر فضيل كان من خيرة المكونين الذين أنجبتهم الجزائر” مؤكدًا أنه حامي اللغة العربية والعروبة.

10-محمد الأمين فضيل نجل الدكتور عبد القادر:

تحدث الابن عن والده الإنسان بتأثر قائلا: “إن أبي رجل مبادئ ومواقف ثابتة … عاش مدافعًا عن اللغة العربية.

وثمنت شخصيات أخرى جهود الرجل خلال جلسة  تكريمه هذه من قبل مؤسسة الشروق في 25 فيفري 2017م، ، لم يتسع المقام لذكر كلماتها، ورد الدكتور على تلك الكلمات، بأن ما قام به إن هو إلا جزء من الواجب، واستغل الفرصة لمطالبتهم بمواصلة العمل على النهج نفسه.

هنيئا لشيخنا بهذا المنجز التربوي ، فقد ترك مصدرا هاما للأجيال الحالية واللاحقة، يضاف إلى المكتبة التربوية، يضم  تجارب وخبرات ميدانية، قابلة للتجسيد، يتعسر الحصول عليها في مراجع أخرى لطبيعة خصوصيتها، فهي مرشد معين للمربين، والقائمين على الشأن التربوي، وكل معتز بإنِّيّته وأصالته. [1]

[1]هاتفية، وأخرى من مراجع أخرى، له أو عنه. ثمة معلومات إضافية توضيحية استقيناها من الكاتب عن طريق مكالمات

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!