الجزائر
آيت أحمد ظل وفيا للمعارضة وبلغ الرسالة بالكتابة والتأليف

“مذكرات مقاتل”.. من تأسيس المنظمة الخاصة إلى تفجير الثورة

صالح سعودي
  • 9042
  • 0
ح. م

لم تقتصر مواقف المجاهد والمناضل الراحل، حسين آيت أحمد على انتقاد النظام، والثبات في خط المعارضة تحت لواء حزبه العتيد “جبهة القوى الاشتراكية”، بل له إسهامات في مجال الكتابة، بعدة مؤلفات مهمة تتصدرها مذكراته “روح الاستقلال، مذكرات مقاتل 1942-1952”.

 أشار آيت أحمد في بعض جوانب مذكراته إلى أزمة الهوية التي لاحقت الشعب الجزائري، وزعزعت حسبه الحركة الوطنية عام 1949، وما تزال تأثيراتها قائمة، وتنغص طمأنينة الشعب الجزائري إلى اليوم، ناهيك عن الصراعات المتعددة، وكذا ما سماه المؤامرة البربرية والمؤامرة الكولونيالية، وهي أزمات فككت حسبه حزب الشعب والحركة من أجل الحريات الديمقراطية، في وقت كانت الأمة الجزائرية على وشك الإدماج وخوض الكفاح التحرري، مؤكدا أن الإيديولوجيات لم تكن يوما كفيلة لتعبئة شعب أو نخبة، معتبرا أن تجنيد الشعب الجزائري لم يكن نتاج إيديولوجية حزب التشعب أو حركة انتصار الحريات الديمقراطية، بل هي دوافع مباشرة وغير مباشرة لا يمكن إغفالها حسب آيت أحمد.

ومن بين الجوانب التي تكشف تواضعه وثباته في نفس الوقت، هو مدخل الكتاب الذي حرره الأستاذ ساعد جبار.. “التقيت به أول مرة عام 1994 عندما جاء إلى لندن لإلقاء محاضرة حول الأزمة الجزائرية.. وأثناء لقاء لنا على هامش هذه المحاضرة، رفض أن يوصف بالرجل التاريخي أو البطل أو الزعيم، ورده القاطع بأن الشعب الجزائري هو الجدير بهذه الألقاب، فيما خصص صفحة الإهداء لوالدته “والنساء الجزائريات، حارسات الثقافة الشعبية، اللاتي كان دورهن المجهول إلى اليوم أساسيا في استمرارية الشخصية الجزائرية واستمرار المقاومة، وإلى جميع المناضلات والمناضلين من دون استثناء”.

وركز المجاهد آيت أحمد في مذكراته الصادرة عن دار البرزخ، وترجمها إلى العربية سعيد جعفر، على مرحلة حساسة من نضاله، وذلك بداية من العام 1942 في حزب الشعب، إلى غاية مغادرته الجزائر سنة 1952، وهذا وفق محاور سطرها بعناوين مركزة وفقرات عميقة، والبداية كانت بالطفولة ونشأة الوعي، معرجا إلى مجازر 8 ماي 1945 التي عنونها بـ”شهر مأساوي أسبوع حاسم”، ثم “وقفة أمة يوميات معتقل”، وانتقاد مباشر للإدارة الاستعمارية “عصب في السلطة مؤتمر الآمال”، شعب متحمس قادة حذرون، المنظمة الخاصة، الفخ الانتخابي، مؤامرات وأوهام، وقائع انحراف، وهي المحاور التي كشف فيها محطات من تاريخ الجزائر، معتبرا بأن الجزائريين لم يستغلوا الفراغ السياسي الذي أحدثه ضمّ فرنسا إلى ألمانيا، للدفع باتجاه استقلال الجزائر، مبينا في الوقت نفسه أن قمع الإدارة الاستعمارية للأحزاب السياسية الجزائرية وتزويرها للانتخابات، ساهم في بلوغ الوعي الثوري قمته عام 1949، ما جعل المواطنين الجزائريين يقتنعون بالعمل الثوري لتحقيق الاستقلال، ما مهد حسبه في تشكيل المنظمة الخاصة من طرف حزب الشعب لتحضير الكفاح المسلح، والذي شارك فيه آيت أحمد بشكل فعال، ناهيك عن المساهمة في تعميم الثورة في المغرب الكبير، وإيصال صوت الثورة الجزائرية إلى الرأي العام العالمي، وإدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1956.

والمؤكد أن مذكرات حسين آيت أحمد تظل مرجعا هاما للراغبين في العودة إلى مرحلة نشاط الحركة الوطنية في الأربعينيات، ومطلع الخمسينيات، وتعد فرصة لمعرفة الوجه الآخر لزعيم “الأفافاس” الذي يصنف في خانة المناضلين والمثقفين المميزين، بدليل إتقانه لـ 6 لغات، ووفائه لخيار التكوين العلمي، والمزاوجة بين الأصالة والمعاصرة، بالموازاة مع مسيرته النضالية التي تمتد إلى 7 عقود كاملة من الزمن.

مقالات ذات صلة