الشروق تتسلل وترصد يوميات المعتصمين في قلب القاهرة
مراسيم زواج “مليونية” ومواليد جدد في ميدان القاهرة
بالرغم من حالة الاحتقان السياسي التي تعيشها مصر بسبب عناد الرئيس مبارك وعدم استجابته لمطالب الثورة المصرية بالتنحي وتسليم السلطة واستمرار التظاهرات والاعتصامات في ميدان التحرير ما يزيد عن 12 يوما وكل عوامل الاحتقان المتوفرة في الشارع السياسي، ألا انه بمجرد الدخول الى ميدان التحرير يشعر أي انسان بحالة من الارتياح والدفء الشعبي.
- تبدأ الرحلة الى ميدان التحرير بالوقوف في طوابير بين أفراد الشعب بسبب ازدياد أعداد المتوافدين كل يوم من ميدان التحرير والذين جاءوا من كل حدب وصوب من محافظات الجمهورية المختلفة وترى منهم الكثير الذين يحملون لإخوانهم داخل الميدان العديد من الأطعمة بكميات كبيرة والمشروبات والمياه والتمور، إضافة إلى من يحمل معه العديد من الأدوية والمستلزمات الطبية، وهذا كله خارج “كردون” التحرير حتى يتم تفتيشهم، وثم يدخلون وقد قام الشباب المنظم للاعتصام باختيار مجموعة عند كل مدخل من مداخل الميدان لترتيب الدخول وتفتيش الحاضرين الى الميدان، فتجد العملية تسير بيسر وسلاسه، فهناك طابورا للعائلات، وطابورا للذين يحملون الأطعمة والمستلزمات الطبية، وطابورا للشباب الذين جاءوا للمشاركة في فعاليات التظاهر، واللجنة المخولة بالتنظيم تضم الشباب والفتيات كي يخضع جميع الحاضرين للتفتيش نساء ورجالا، وتقوم اللجنة المنظمة بالاعتذار عقب التفتيش والترحيب للحضور.
- البوابات البشرية
- بعد الدخول عبر البوابات البشرية ترى شبابا يتجمعون لحراسة مداخل الميدان، ففي كل مدخل تجد ما يقرب من 300 شاب يقفون طوابير بعرض المدخل بشكل منظم ويضعون أمامهم متاريس حديدية جمعوها من أسوار المشاريع الهندسية التي كانت تقام في ميدان التحرير، اضافة الى وجود ما بين خمسة الى عشرة من الشباب يعتلون دبابات الجيش والأشجار عند المداخل وهي ما يطلق عليها مجموعة الاستطلاع التي تخبر الحراسة بوجود هجوم من بلطجية النظام أم لا، كما يقوم شباب الحراسة بإحضار كميات كبيرة من الحجارة التي تم تكسيرها من أرصفة الشوارع لوضعها عند المداخل لتكون وسيلة الدفاع وصد البلطجية في حال الهجوم.
- ويتحدث عمرو منصور – أحد الشباب المشرفين على مجموعات الحراسة – للشروق فيقول: “إن عملية الحراسة يتناوب عليها الشباب خلال ساعات الليل والنهار ويشارك فيها كافة فئات الشعب في الميدان، ويتم ذلك من خلال توجية نداءات في الميدان بأن البوابة في قصر النيل أو في داخل المتحف تحتاج إلى 30 شابا على سبيل المثال، ويتم ذلك من خلال الإذاعة المركزية في الميدان ليتوافد الشباب الى المنطقة المطلوبة”، ويضيف عمرو: “إن غالبية الشباب يشعرون بالسعادة وهم في وقت الحراسة وانهم يشعرون انهم في حالة رباط في الحرب، ونحن كلجنة منظمة نقوم بإحضار الماء والتمر للشباب الحراس، كما يتم دعمهم معنويا بتوجيه كلمات الصبر والثبات لهم، ويتابع عمرو: “انه في حال تعرض أي مدخل من مداخل الميدان لهجوم من الأمن او البلطجية، يتم توجية صفارة إنذار لبقية الشباب لمساندة الحراسة المتواجدة بالمدخل لتقديم الدعم الاستراتيجي واللوجيستي وإحضار قوات رديفة من الميدان لصد أي محاولة للاقتحام او الدخول الى الميدان.
- كرنفال شعبي
- الدخول الى ميدان التحرير يبعث روح البهجة في الحاضرين له، فهنا ترى مصر كلها بمختلف أطيافها وطوائفها المسلمين والمسيحيين والشيوخ والشباب والنساء حتى الأطفال وأساتذة الجامعة والقضاة والأطباء وأصحاب المهن البسيطة والعمال والفلاحين والصعايدة، الكل يجتمع الآن هنا وسط كرنفال شعبي، يلتفون حول مطالب محددة على رأسها إسقاط النظام وقطع أعوان مبارك من المناصب والحياة السياسية.
- وخلال جولتنا أمس الأحد خلال ما أطلق عليه أسبوع الصمود، نرى كل الطوائف تؤدي شعائرها، فالمسيحيون أقاموا قداسا، والمسلمون ينتظمون في اداء الصلوات الخمس في أوقاتها وسط “كردون” يطوق المصلين، اضافة الى أداء صلاة الغائب على أرواح الشهداء الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم فداء لتلك الثورة الشعبية.
- مشافي ميدانية
- وبالانتقال الى عدة أماكن في ميدان التحرير أو ما يطلق عليه المتظاهرين الآن ميدان الحرية، نرى ان هناك العديد من المشافي والعيادات الميدانية التي يقف بها عدد كبير من الأطباء وفريق التمريض لتضميد جراح المتظاهرين الذين أصيبوا جراء العدوان من البلطجية.
- ويتحدث الدكتور هشام بكر، وهو تخصص جراح في مستشفى القصر العيني للشروق فيقول: “نحن نقوم بكل ما يمكننا من امكانيات محدوده على إسعاف الإصابات التي تنقل إلينا وأجرينا العديد من انواع الجراحه داخل تلك المشافي، بالإضافة الى تقديم الأوكسجين لحالات الاختناق وصعوبة التنفس، أما الحالات الحرجة التي تحتاج إلى امكانيات عالية فإننا نقوم بنقلها الى أقرب سيارة إسعاف قريبة من الميدان لتحويلها مباشرة الى المستشفى”، ويضيف الدكتور بكر: “كان لدينا نقص في العديد من المستلزمات الطبية والأدوية، لكن العديد من طوائف الشعب بدأت بالاستجابة الى مطالبنا في تزويدنا بالأدوية والمستلزمات الطبية اضافة إلى الدور الذي يلعبه اتحاد الأطباء العرب في اقامة العديد من العيادات الميدانية المتنقلة وفتخ خط مباشر لتزويد الأطباء بالمستلزمات الطبية والأدوية”.
- أطفال الثورة
- لم تتوقف الحياة في ميدان التحرير على المتظاهرين فقط، بل إن الأطفال لهم دور كبير، فهم يجوبون الشوارع والميدان لتوزيع المياة على العطشى، ثم في المساء يذهبون ليمرحوا ويلعبوا ويقوموا بتشكيل فرق منتظمة للقيام بالمسابقات وإقامة مباريات كرة القدم، فضلا عن حملهم للأعلام المصرية واللافتات التي تنادي بإسقاط النظام.
- وكان غالبية الأطفال الصغار الذين يجلسون مع ذويهم يرسمون الأعلام المصرية على وجوههم وينامون في المساء وهم يحملون أحلام نجاح الثورة وعودة الاستقرار والعودة إلى منازلهم، لكنهم في النهاية يتعاملون مع ما يحدث على أنه نزهة او رحلة ترفيهية.
- عقد قران وشهر عسل في الميدان
- ومن بين المشاهد التي حركت طوائف الشعب في ميدان التحرير، مشهد لشاب جاء إلى ميدان التحرير هو وأهله وأحضر خطيبته وأهلها، وقاموا بعقد قرانهما وسط جموع الشعب، وذلك منذ يومين فقط، ويقول الشاب المدعو با ياسر إبراهيم (مهندس): “لقد اتفقت مع أهلي وأهل العروس على عقد القران في ميدان التحرير، كي تظل تلك اللحظة التاريخية محفورة في تاريخنا خلال الأيام المقبله وأن الحياة الجديدة تخرج من رحم الثورة”.
- ويضيف إبراهيم: “لقد وجدت ترحابا كبيرا من أهلي وأهل العروس بتلك الخطوة، وكان لدي شعور رائع بأن كل هذة الآلاف المؤلفة شهدت عقد قراني ليكون هذا العرس أكبر إشهار في مصر”.
- بينما قام شاب آخر بقضاء شهر العسل عقب زواجه في الميدان، هو وعروسه، ليقضيا نهارهما في النضال، والمساء في حفلات السمر، وليلهم داخل خيمة نصبوها وسط الميدان يقوم أصدقاؤه بحراسته هو وعروسه أثناء نومهما
- ويقول هاني محمد (في شهر العسل): “لقد كان لدي اصرار على المشاركة في هذة الثورة رغم زواجي قبيل بدء المظاهرات بيوم واحد، فقد تزوجت يوم الخميس26 يناير وانطلقت مظاهرات جمعة الغضب صبيحة زواجي، فقررت المشاركة في المظاهرات انا وزوجتي رغم معارضة الاهل الذين اقتنعوا مؤخرا بتلك الثورة والدور الذي نقوم به.
- أم الشهيد
- اما على الجانب الآخر، ومن المشاهد المؤثرة، فقد وجدت سيدة بسيطة يعرفها كل من في الميدان، ويطلقون عليها ام الشهيد، نزلت إلى الميدان وتطوف به وهي تحمل صورة نجلها الذي كان اول شهيد في مظاهرات التحرير وهو الشهيد مصطفى رجب محمود.
- وتقول ام الشهيد للشروق: “لم اتردد بعد استشهاد ابني في النزول الى موقع استشهادة لأقبل الارض التي سالت عليها دماؤه، وانا اعيش هنا بين ابنائي، فالكل هنا يعتبرني امه ويتعاملون معي في هذا الاطار، لكن اقول لمن قتل ابني، حسبنا الله ونعم الوكيل، فدماء ابني ستبقى لعنة تطاردكم وسأقتص من قتلته في الدنيا والآخرة، وستظل دماء ابني في رقبة مبارك اللعين الذي تسبب في تلك المجازر.
- حفلات سمر ومعارض
- وخلال مشاهد اخرى ترى مجموعة من الشباب يقيمون معرضا للصور الخاصة بالمظاهرات، بالاضافة الى بعض الرسومات والكاريكاتيرات الساخرة من مبارك والنظام، بينما ترى مجموعة اخرى من الشباب ينظمون حفلات من السمر وهم بصدد ترتيب واعداد “دي جي” مخصص لتشغيل الاغاني الوطنية عبر مكبرات الصوت والسماعات الضخمة، لتسمع اغاني ام كلثوم وعبد الحليم وفيروز مثل: مصر تتحث عن نفسها، واحلف بسماها وترابها، وبيوت السويس، وصورة كلنا عايزين صورة.. والعديد من الاغاني الوطنية والمحفزة للشباب، وفي المساء يتم نصب شاشات ضخمة كي يتابع المتظاهرون القنوات الفضائية، ومتابعة آخر التطورات من الجزيرة والعربية و”بي. بي. سي” عربي، لكن الغالبية يفضلون الجزيرة، ونرى الشباب قد تسلقو الاعمدة واشارات المرور لنصب الاطباق الفضائية فوقها.
- كما يقوم العديد من الشباب بعمل سكتشات تمثيلية ساخرة، ويلقي بعضهم أبياتا من الشعر ويشاركهم احيانا الشاعر عبد الرحمن يوسف، والشاعر هشام الجخ.
- الطهي في الشارع
- على جانب آخر التقينا مجموعة من النساء والفتيات يقمن بتحضير الاطعمة وطهيها في الشارع، واخريات يقدمن المشروبات الساخنة، ثم يقوم الشباب بتوزيع ذلك على المتظاهرين اما مجانا او بأجر رمزي، وتقول نهال محمد (حاصلة على بكالرويوس من كلية العلوم منذ 2003 دون عمل): اشعر بالفخر وانا اقدم الطعام لجموع المصريين في الميدان وهذا ابسط ما نقدمه لدعم تلك الثورة.
- وتتجمع الاسر لتناول الطعام وكأنها عائلة واحدة، ويتناولون الشاي والقهوة، بينما اجتهد بعض الفلاحين في إحضار السجائر وبيعها او تقديم الشيشة للراغبين.
- وكان من بين المشاهد التي تبث الفخر في هذا الشباب، حسن التنظيم، فنرى الشباب والفتيات يكنسون الشوراع ويجمعون القمامة في اكياس كبيرة، ويقومون بتجميعها في مكان واحد ومحدد قريب من الميدان، وما يلفت النظر ان الشباب نصبوا لافتة كبيرة فوق اكوام القمامة وكتبو عليها مقر الحزب الوطني الجديد..
- والتقيت بالشاب خالد عبيد (ماجستير في التجارة الخارجية ولا يعمل) ليقول للشروق: “انا لا استحيي في كنس الشارع او جمع القمامه بيدي، وهذا دورنا في الحفاظ على نظافة بلدنا، وكل الشباب الذين يقومون بدوري هم من خريجي الجامعات واصحاب المؤهلات العليا ولا يستحيون من ذلك”.
- حسن نصرالله في التحرير
- وجلست امازح الشاب وأهون عليه عمله، فقال لي “اكثر ما احرق غيظي هو الاعلام الحكومي فقد شاهدت فتاة تتحدث في التلفزيون المصري وتتهم الشباب المتظاهر بأنهم يتلقون دعما من الخارج، وجهات تقوم بتوزيع الاطعمة والخيم والاغطية في التحرير، وقامت تلك الفتاة بتقديم اغلظ الايمان، بأنها رأت بأم عينيها السيد حسن نصر الله، يقوم بتوزيع الاطعمة في ميدان التحرير..، وأضاف الشاب: ”اهذا كلام يصدقه عاقل، وهل ينزل نصر الله في شوارع بيروت حتى ينزل ميدان التحرير؟”