العالم
"الشروق" تدخل معابر الموت في "صبراته"..

مراكز تدريب وتجنيد وتدريس داعشية وسط المجمعات السكنية

الشروق أونلاين
  • 6470
  • 10
ح.م

عملية تيقنتورين وطريقة تنفيذها ليست الوحيدة التي وجدناها داخل معسكرات تدريب وتواجد التنظيمات الإرهابية في ليبيا، وهو ما تأكد لنا أيضا مع شهادات بعض المجندين الذين كانت لنا لقاءات معهم داخل المعتقلات، والذين كشفوا أن أسلوب التدريب والتنفيذ يتم أخذه من مثل تلك العمليات التي يزعم التنظيم نجاحها ولو بفقدان كل من نفذوا العملية ولو أصلا بفشل المخطط جميعه حتى بخططه البديلة، وهو ما حدث في عملية تيقنتورين التي أبيد منفذوها بالكامل وهم ينتمون إلى أحد التنظيمات التابعة للقاعدة.

تنظيم القاعدة في ليبيا، سؤال يطرح نفسه هذه الأيام فما الدور الذي يريد هذا الأخير لعبه هناك مع باقي التنظيمات المعروفة من أنصار الشريعة وداعش؟ وما هي المناطق التي يتخذ منها معبرا ومكانا لاجتماعاته؟ والأهم: لماذا تقدم الدراسات التوثيقية الخاصة بالعمليات الإرهابية للشباب في ليبيا؟

 

الطريق إلى صبراته

كان تحديا كبيرا منا الدخول إلى قلب التنظيمات الإرهابية في ليبيا، بعض الأطراف في ليبيا حاولت منعنا خوفاً علينا، فيما البعض الآخر فضل توجيه سؤال أخير لنا: “هل أنتم متأكدون من خوض مغامرة الدخول إلى قلب معسكرات داعش وأنصار الشريعة وتنظيم القاعدة؟”، جوابنا كان نعم، بدأت الرحلة وبدأت العراقيل فالطيران العسكري رفض تسهيل مهمتنا، وبرا الطريق خطيرة للغاية لأن معظمها ملك لتلك التنظيمات، بقينا ننتظر لأيام نستعمل فيها علاقاتنا، حتى جاءت الخطة البديلة وهي التنقل بحرا، كان رهانا قد يكون فاشلا، لأن التوجه بحرا يتطلب المرور عبر منطقة الزاوية المعروفة ببعض تنظيماتها المتشددة أيضا، كان علينا الخروج من طرابلس برا باتجاه منطقة ساحلية لا تبعد كثيرا عنها، وجدنا المركب في انتظارنا وآخر ما قمت به هو لبس الخمار، دقات القلب كانت متسارعة، طلبت من المصوّر أن لا يتحدث اللغة العربية أمام صاحب المرْكب الذي استأجرناه حتى لا تعرف جنسيتنا، استغرقت الرحلة أكثر من ساعة رغم أن المركب كان يسير بسرعة، الرماية كانت واردة لأن الخلاف على الشريط الساحلي أصبح حتى بين المناطق، كان مرافقنا الذي استأجرناه يجري اتصالاته بجماعته من منطقة صبراته حتى تحضر السيارات بسرعة وتقلنا من المنطقة التي سننزل فيها، بتنا نرى منطقة الزاوية بل بتنا ندخلها شيئا فشيئا، وكم صُدمت عندما وصلنا ووجدنا أن السيارات التي طلبناها لم تصل بعد.

بقينا نتحدّث باللغة الفرنسية كأسلوب للتمويه، أما عن الخمار فكثيرا ما ترتديه الأجنبيات في ليبيا خاصة في المناطق والقبائل التي تُعتبر محافظة أو خوفا من الاختطافات، لمحنا من بعيد سياراتٍ مسلحة، إنها لمنطقة الزاوية قادمة لتفقد العابرين الجدد، تقدّم منهم المُرافِق وأخبرهم أننا وفدٌ فرنسي متجه إلى صبراته وأن الجماعة في الطريق إلى أخذنا، طلب منه العناصر جوازات سفرنا، وفيما كان المُرافِق يحاول التحكّم في الموقف وصلت الكتيبة الأمنية المُرافقة لنا، حلّت المشكلة وغادرنا المكان باتجاه أكبر معاقل التنظيمات الإرهابية صبراته.

 

صبراته بين داعش وأنصار الشريعة والقاعدة

استغربت ودهشت عندما وجدت أن معظم مراكز التدريب والتجنيد والتدريس في صبراته كانت وسط المجمعات السكنية وليس على مشارف المنطقة، أخبرتني بعض الأجهزة الأمنية أن التنظيم كان شبه مسيطر على المنطقة لما يمتلكه من عُدّة وعتاد، وقفتُ على أحد تلك المراكز، كان داخل الميناء استغل تنظيم داعش بيتا يحوي باحة كبيرة كان يتم افتراش أرضها والقيام بحلقات داخلها، أمّا جدرانها فقد كانت كلها شعارات التنظيم وعلمه الأسود والأبيض، وما ساعد على بقائه هو خوف العمالة الأجنبية من الإبلاغ عنه خاصة المصريين الذين وجدناهم هناك والذين لم يكن بيدهم شيء سوى التعايش مع الواقع والتنظيم، لأن السباحة عكس التيار قد تكلفهم غاليا.

توغلنا أكثر داخل المدينة، باتجاه منزل الشوشاني أحد أكبر قادة التنظيم الإرهابي داعش، والذي قيل إن الغارة الأمريكية استهدفته خلال القصف الذي شنته ضد أحد المنازل داخل المنطقة، والحقيقة أن مصرع الشوشاني وجماعته كان على يد شباب المنطقة واستطلاعات المخابرات هناك، والتي كشفت عن اجتماعات هذا الأخير المكثفة وعلى توافد تونسيين كثر على منزله، ليتمّ تحديد ساعة الصفر للهجوم، أخبرنا أحد الشباب المشاركين في العملية، أنه رغم كل النداءات التي قدّمتها الكتيبة والتي دعت إلى الاستسلام وتسليم السلاح، إلا أن أمير التنظيم وجماعته رفضوا ذلك بل واستعملوا مختلف أنواع الأسلحة لقتل أكبر عدد من أفرد الجيش، هدفهم كان الموت أو أن الأوامر المقدمة لهم كانت ذلك لكونهم يحملون من الأسرار ما يكشف ترابط التنظيمات الإرهابية وخططها المستقبلية.

دخلنا المنزل أو ما بقي منه، الدماء في كل مكان وثياب الإرهابيين أيضا، في ساحته وجدتُ خندقا صغيرا من الواضح أنه قد تمّ تفجيره، أخبرني أحد الحراس أنه كان مخزن سلاح للمجموعة الإرهابية، بالنسبة للكتيبة وغرفة عمليات منطقة صبراته، فإن المهمّ في الموضوع هو مصرع القائد الشوشاني أخطر أمراء تنظيم داعش والذي كان يربط عمله بين تونس وصبراته وسرت.

 

40 شخصا يعتدون جنسيا على رهينة صربية

بعد يومين توجهت إلى منزل الغارة الأمريكية، المنزل يقع داخل مجمع سكني وأسواره متاخمة لأسوار منازل الجيران، استغربت فعلا أن كل تلك المنازل لم تتعرض لأي ضرر أو أي خطأ أو حتى شظايا، والواضح أن الإحداثيات قدِّمت بشكل دقيق جدا عن مكان تواجد الإرهابيين. الملفت للانتباه أن من كشف عن تواجد هؤلاء هي امرأة كانت كلما صعدت إلى سطح منزلها لنشر الغسيل تفاجأ بشباب كثيرين داخل ساحة المنزل المقابل، ما جعلها تُخبر زوجها الذي بدوره أخبر الأجهزة الأمنية والتي حاولت التحرك قدر المستطاع، كان داخل المنزل خلال الغارة الأمريكية أكثر من 40 إرهابيا تونسيا لقوا حتفهم فورا فيما حاول البقية الفرار لأن الغارة ألقت بخمس قنابل، أخبرني مصدرنا أن البقية تمكّن السكان من إلقاء القبض عليهم وتسليمهم.

صور الإرهابيين الذين لقوا حتفهم كانت صادمة للغاية ولا يمكن نشرها، لكن ما أثر في نفسي فعلا هو صورة الرهينتين الصربيتين، رهائن لقوا حتفهم خلال الغارة لكون المعلومات لم تؤكد خبر تواجدهم هناك، شاهدت صورة الصربية المختطفة، كانت ترتدي قميصا رجاليا، أخبرني أحد الأطباء الشرعيين في نفس المنطقة أنهم عجزوا عن إرسال تقريرها إلى بلدها لكون ما تعرّضت له من اغتصاب على يد أكثر من 40 شخصا، كان بشعا لا يمكن أصلا التطرّق له، وهو نفس السيناريو لكل فتاة نجت أو قتلت على يد التنظيم، فقد أكدت التقارير الطبية أن الغريزة الحيوانية لهؤلاء الإرهابيين أفقدتهم الحس الإنساني، بل وصل بأحدهم القول إن من أسباب وفاة إحدى الفتيات هي السكتة القلبية لما لاقته على يد هؤلاء.

 

فرنسياتٌ مقاتلات داخل داعش

قد تستغربون للعنوان، لكنها الحقيقة التي وقفنا عليها خلال إجرائنا لهذا العمل، توجهنا رفقة الفرقة الأمنية التي كُلفت بحراستنا إلى أحد معاقل التنظيم الإرهابي، كان منزلا خاصا باستقطاب الفتيات ومن ثم تحويلهن إلى مدينة سرت، الإخبارية جاءت عن طريق صاحب محل استغرب لشخص يشتري كميات هائلة من الأكل بشكل غير معتاد خاصة في ظل الظروف الأمنية التي تمر بها المنطقة، ما جعله يبلِّغ المصالح الأمنية التي تحركت وبدأت بعملها الاستخباراتي، وبعد التأكد من صحة المعلومة جاءت ساعة الهجوم، المعلومات التي جمعتها الكتيبة كشفت عن تواجد أربع نساء وما يناهزهن من الرجال، لذا كان اعتمادها في الهجوم مركزا على الجانب الذكري، لتفاجأ خلال الاشتباك أن الرماية بسلاح “البيكيتي” كان من امرأة فرنسية الجنسية ترتدي شورتا قصيرا اتخذت من قبو المنزل ساترا لها وقتلت عديد الشباب، وهنا كان محمدا وهو شاب من نفس الكتيبة يسرد لي مجريات القتال بعد أن بقوا مذهولين، فضربات الفرنسية كانت جميعها لا تخطئ مرة في الرأس ومرة في الرقبة وأخرى في الرجل، والمثير في الموضوع أيضا هو أن القناص الذي كان فوق المنزل كانت امرأة من جنسية إفريقية، انتشار كل من في المنزل وأخذهم لمواقع القتال كان واضحا عن استعدادهم لأي طارئ وتدربهم العالي حسب شهود العيان، فرغم كل التحذيرات من الجيش بإخلاء المنزل لكونه داخله نساء إلا أنهن كن في الصفوف الأولى في القتال وقررن عدم الاستسلام، والدليل أنهن لاقين حتفهن حسب الصور التي تحصلت عليها “الشروق”، بعد معركة شرسة اعترف فيها الجيش أنه لم ير مثيلا لها من قبل.

   داخل المنزل المحترق جراء الأسلحة التي استعملت فيه، ثياب كثيرة للنساء، وحسب المعلومات الاستخباراتية التي جمعها الجيش فإن المنزل كان محطّة عبور وتجنيد للنساء الداخلات من تونس وحتى الإفريقيات القادمات من مناطق مختلفة في ليبيا، ففي العادة التنظيم يستعمل النساء فيما يسمى لديهم “جهاد النكاح”. لكن وحسب الصور الحصرية التي تحصّلت عليها “الشروق” فقد بات التنظيم يدرّب النساء على استعمال مختلف أنواع الأسلحة لاستغلالهن خلال الاشتباكات.


.. يُتبع

مقالات ذات صلة