-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
مدته إلى نحو ساعتين و21 دقيقة ويُعرض بقاعات السنيما في بكين:

“مرحبا بكم في مطعم التنين”.. فيلم صيني يستعيد جراح الحرب على العراق

إيمان كيموش
  • 23
  • 0
“مرحبا بكم في مطعم التنين”.. فيلم صيني يستعيد جراح الحرب على العراق
ح. م

مبعوثة “الشروق” إلى بكين: إيمان كيموش

نجح الفيلم الصيني “مرحبا بكم في مطعم التنين” في تصوير جانب من واقع الشرق الأوسط، وتحديدا أجواء العراق خلال حرب عام 2003، من خلال قصة إنسانية تضع المدنيين في قلب الأحداث، بعيدا عن ساحات المعارك وحدها، وتستعيد تفاصيل الخوف والجوع والبحث عن الأمان وسط الحرب، في عمل شارك فيه عدد من الفنانين العرب إلى جانب طاقم صيني، وحضرت فيه اللغة والثقافة العربية بصورة لافتة.

وكان الفيلم، الذي تصل مدته إلى نحو ساعتين و21 دقيقة، محطة ضمن تجربة الوفد الصحفي المشارك في برنامج الصحفيين الأجانب في الصين خاصة الوفد العربي، حيث تابع المشاركون عرضه داخل إحدى قاعات السينما في متحف الحزب الشيوعي الصيني بالعاصمة بكين، في موعد جمع بين السينما والتبادل الثقافي والتعرف على الطريقة التي تقدم بها الصين قصصا ترتبط بالعالم العربي.

ومنذ المشاهد الأولى، ينقل الفيلم المتفرج إلى بيئة شرق أوسطية تعيش على وقع الحرب، حيث يصل الطاهي الصيني شيوي فو إلى المنطقة بحثا عن العمل والمال، حاملا معه رغبة بسيطة في تأمين مستقبله وتسديد ديونه ومساعدة عائلته، وهناك يبدأ العمل في “مطعم التنين”، الذي يبدو في البداية مشروعا تجاريا عاديا، قبل أن تقلب الحرب حياة العاملين فيه رأسا على عقب.

ومع اتساع دائرة العنف، يتغير دور المطعم، فالمكان الذي كان مخصصا لإعداد الطعام وتقديمه للزبائن، يتحول تدريجيا إلى مساحة آمنة يلجأ إليها المدنيون والأطفال الهاربون من الخطر. ويجد شيوي فو نفسه أمام مسؤولية لم يبحث عنها، لكنه لا يستطيع التخلي عنها، فينتقل من مجرد طاه يبحث عن لقمة العيش إلى شخص يحاول حماية من أصبحوا جزءا من حياته.

وتكمن خصوصية الفيلم في أنه لا يقدم الحرب من خلال المعارك وحدها، وإنما من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فهناك المطبخ، والطعام، والمائدة، والأطفال، واللغة، والخوف، والعلاقات التي تتشكل بين أشخاص لم تجمعهم في الظروف الطبيعية سوى أماكن العمل، لكن الحرب جعلتهم عائلة واحدة تبحث عن النجاة.

وتحضر في الفيلم اللغات الصينية والعربية والإنجليزية، لتتحول في البداية إلى حاجز بين الشخصيات، قبل أن تصبح وسيلة للتقارب والتفاهم، كما يحتل الطعام موقعا مركزيا في الحكاية، إذ تتحول المائدة إلى مساحة تجمع شخصيات مختلفة الثقافة واللغة والخلفية، في دلالة على أن الإنسان قد يجد لغة مشتركة مع الآخر حتى عندما تعجز الكلمات عن القيام بالمهمة.

ولم يكن الحضور العربي في الفيلم مجرد تفصيل ثانوي، إذ استعانت الجهة المنتجة بممثلين وفنانين عرب، من بينهم الطفل المصري عمر شريف الذي يؤدي شخصية سيف الطفل اليتيم الذي يجد في مطعم التنين مكانا يأويه، ويتعلم الطبخ على يد «شيوي فو». كما شارك فنانون عرب آخرون في العمل، في تجربة هدفت إلى تعزيز حضور البيئة العربية والشخصيات العربية داخل الفيلم.

واللافت أن الصين لم تعتمد على تصوير العراق نفسه لإعادة بناء هذه البيئة، بل صنعت الشرق الأوسط داخل أراضيها، فقد أقيمت مواقع تصوير وديكورات واسعة لإعادة بناء الشوارع والمباني والمحال والأجواء التي تدور فيها أحداث الفيلم، لتصبح الصين نفسها مسرحا لمدينة شرق أوسطية متخيلة تستعيد ملامح العراق خلال تلك المرحلة.

وهذه النقطة تحديدا تمنح العمل بعدا تقنيا لافتا، فالمشاهد العربي يجد أمامه بيئة تبدو مألوفة، رغم أنها بنيت في الصين، بينما استخدم فريق العمل تقنيات سينمائية متقدمة لإعادة إنتاج تفاصيل المكان والحرب، مع تقديم الفيلم أيضا بنسخة مهيأة للعرض.

لكن “مرحبا بكم في مطعم التنين” لا يقدم نفسه باعتباره فيلما عن العراق فقط، رغم أن أحداثه تستلهم بصورة واضحة حرب العراق عام 2003 وتجارب صينيين عاشوا وعملوا في المنطقة في تلك الفترة، فالمخرج ون مو يه اختار فضاء شرق أوسطي غير مسمى بشكل مباشر، لتتجاوز الحكاية حدود حرب بعينها وتصبح قصة عن الإنسان عندما يجد نفسه محاصرا بالصراع، وعن قدرته على حماية ما تبقى من الحياة من حوله.

ومن هنا يأتي المطعم كأحد أهم أبطال الفيلم، فالنار التي تشتعل في المطبخ لإعداد الطعام تقف في مواجهة نار الحرب في الخارج، وأصوات الأطباق وحركة الطهاة تتقاطع مع أصوات الرصاص والانفجارات، فيما تظل المائدة شاهدة على محاولة الشخصيات الحفاظ على حياتها الطبيعية وسط عالم ينهار من حولها.

وبالنسبة إلى الوفد العربي الذي تابع الفيلم في بكين، كانت التجربة تحمل معنى إضافيا، فالمشاركون الذين قدموا إلى الصين في إطار برنامج للصحفيين الأجانب لاكتشاف البلاد ومؤسساتها وتجربتها الاقتصادية والثقافية والإعلامية، وجدوا أنفسهم أمام عمل سينمائي صيني يتناول منطقة يعرفونها جيدا، لكن من زاوية صانع أفلام صيني، وهنا بدا الفيلم كأنه جزء آخر من رحلة التعرف المتبادل بين الصين والعالم العربي، فكما يزور الصحفيون المشاركون المؤسسات والمصانع والمراكز الثقافية، ويطلعون على التجربة الصينية في مجالات مختلفة، جاءت هذه المرة السينما لتقدم نافذة على الطريقة التي تنظر بها الصين إلى الشرق الأوسط، وعلى ما يمكن أن تفعله الثقافة عندما تصبح جسرا بين شعوب لا تتحدث اللغة نفسها ولا تشترك دائما في التجربة التاريخية ذاتها.

ولعل أكثر ما يتركه الفيلم بعد نهايته ليس مشهد الحرب، وإنما صورة المائدة التي تجمع أشخاصا مختلفين حول طعام واحد. ففي قلب منطقة تعصف بها الحرب، يصبح “مطعم التنين” مكانا يحاول فيه الإنسان أن يستعيد أبسط حقوقه، أن يأكل، وأن يحتمي، وأن يحافظ على عائلته، وأن يجد سببا للاستمرار.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!