“مرحلة ما بعد بوتفليقة ستكون ساخنة ومليئة بالمفاجآت والصراعات”
يرى الدكتور في علم الاجتماع السياسي، والباحث في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، أحمد رواجعية، بأن السلطة تعالج ملف مرض رئيس الجمهورية وكأنه قد مات منذ أشهر، وأكد أن الشيء الوحيد الذي يشغل ذهن أصحاب القرار هو خليفة بوتفليقة.
غياب رئيس الجمهورية، يدخل أسبوعه السادس، ألا ترون أن هذا الغياب أثر سلبا على سير مؤسسات الدولة؟
غياب الرئيس لا يؤثر إطلاقا سلبيا على سير مؤسسات الدولة لأن حضوره في الوقت الذي كان يتمتع فيه بصحة جيدة لم يؤثر إيجابا في تسيير البلاد على الصعيدين الاقتصادي أو السياسي… اقتصاديا يعتبر الكثير من الملاحظين أن بوتفليقة قد ساهم في إصلاحات جذرية ودفع البلاد نحو التقدم والازدهار وهو شيء لم تشهده البلاد منذ الاستقلال. وكل هذا غير صحيح، لأن ما نسيه هؤلاء أن بوتفليقة عندما تسلم زمام السلطة عام 1999 وجد البلاد في ظروف اقتصادية ممتازة تتسم بعائدات ضخمة نتيجة ارتفاع سعر النفط على الصعيد العالمي، مما أتاح الفرصة للبلاد لتسديد ديونها الخارجية. وبفضل هذا التراكم الذي ملأ صناديق الدولة بالعملة الصعبة انطلقت المشاريع الكبرى لإنعاش الاقتصاد الوطني.
وعلى الصعيد السياسي، فبوتفليقة لم يأت بأي شيء جديد، أما الذين ينسبون إليه الوئام المدني، فهم أيضا مخطئون، لأن هذا الأخير كان من صنع الرئيس زروال مدعما من قبل المؤسسة العسكرية التي لعبت دورا أساسيا في المفاوضات مع الحركات الإسلامية المسلحة وغير المسلحة من أجل الرجوع إلى السلم والاستقرار السياسي… أما الشيء المميز الذي جاء به الرئيس بوتفليقة فهو في الواقع إِضعاف الدولة بواسطة تشجيع الفساد الاقتصادي والأخلاقي ثم بواسطة التسلط الشخصي وإحياء العصبية، حسب مفهوم ابن خلدون، وذلك على حساب الدولة والأمة .
كيف تقيمون تعامل السلطة مع ملف مرض الرئيس؟
السلطة تعالج ملف مرض الرئيس وكأنه قد مات منذ أشهر. فالشيء الوحيد الذي يشغل ذهن أصحاب القرار منذ أكثر من سنة هو السؤال الآتي: مَن مِن بين الشخصيات السياسية سيخلف الرئيس المريض؟ ومن الذي تتوفر فيه صفة “الإجماع” داخل السلطة ويضمن الانتقال السياسي دون “موجات” سياسية عنيفة أي دون اضطراب سياسي قد يقود البلاد نحو الفوضى والمجهول؟ أما تعامل السلطة مع ملف مرض الرئيس فهو قائم على متابعة مرضه وانتظار رحيله النهائي.
كيف تقرؤون تسيير فرنسا لملفي مرض بوتفليقة، ورئاسيات 2014؟
تتابع فرنسا بانتباه شديد مرض الرئيس بوتفليقة كما تتساءل أيضا عمن سيحل محله على رأس بلد يثير الاهتمام والقلق في نفس الوقت لسبب العلاقات “التاريخية” والاقتصادية والإنسانية التي تربط البلدين. ولا ننسى أن فرنسا ما زالت، رغم أن الجزائر تتمتع بالاستقلال، تنظر إلى هذه الأخيرة وكأنها “مستعمرة لها” وتشكل امتدادا جغرافيا وسياسيا “للإمبراطورية” الفرنسية. ولهذه الأسباب فهي تتابع باهتمام بالغ ما بعد بوتفليقة ورئاسيات 2014.
ما مصير “الإصلاحات”، خاصة تعديل الدستور؟
مصير “إصلاحات الرئيس ” قد تنتهي مع نهاية عهدته الثالثة التي أصبحت قضية أيام أو أسابيع قليلة جدا، لسبب خطورة مرضه الذي لا يعطي له الفرصة لعهدة رابعة كما يتمنى الكثير من أنصاره الانتهازيين مثل بلخادم وأمثاله والذين لا تهمهم مصلحة البلاد العليا، بل مصالحهم الشخصية لأن بوتفليقة الذي يمثل “العقل المدبر” لهذه الكتلة أو الكمشة من الانتهازيين كان وما زال يحب نفسه قبل أن يحب المصلحة العليا للبلاد، كما قال لي يوما ما المرحوم شريف بلقاسم المسمى “جمال” الذي كان عضوا إلى جانب بوتفليقة في مجلس الثورة عهد الرئيس الراحل بومدين. ففيما يتعلق الآن بتنصيب لجنة تقنية من أجل تعديل جديد للدستور فهو شيء مضحك ويثير الدهشة والاستغراب لأن الهدف من ذلك ليس تصحيح الدستور أو إثراءه بل تكييفه في صالح استمرارية سياسة “السلطان بوتفليقة” وورثته من بين “الوطنيين” الانتهازيين .
كيف تتوقعون الجزائر في مرحلة ما بعد بوتفليقة؟
نتوقعها مملوءة بالمفاجآت السياسية والصراعات الداخلية بين أعضاء السلطة السياسية وبين هذه الأخيرة وأحزاب المعارضة ذات المصالح المتنافرة… ومرحلة ما بعد بوتفليقة سوف تكون بدون شك ساخنة.
أي دور للطبقة السياسية في تكريس الفراغ الذي تعيشه البلاد؟
لا توجد، مع الأسف الشديد، في الجزائر، طبقة سياسية بالمعنى الغربي للكلمة. فهي ليست مستقلة لا فلسفيا ولا فكريا ولا سياسيا بل توجد في تبعية إزاء النظام، خاصة المؤسسة العسكرية التي تملأ إرادتها… وفي غياب طبقة سياسية ذكية ومستقلة فكريا فإن ملء الفراغ الذي تعيشه البلاد يصبح من مهمة المؤسسة العسكرية التي هي الوحيدة القادرة على حفظ الأمن والاستقرار النسبي في بلد تسوده الرداءة السياسية والمصلحة المادية الفردية على حساب المصلحة الجماعية.
هل تعتقد أن العسكر سيكون فعلا محايدا في رئاسيات 2014؟
نعتقد بأن المؤسسة العسكرية لم تكن محايدة إطلاقا بل نسبيا وذلك بسبب عجز “الطبقة السياسية” المزعومة في تسيير شؤون الدولة. إن المؤسسة العسكرية استخلصت الدروس من التجارب الماضية السلبية والإيجابية على حد سواء وتخلت عن كثير من عقليتها “السلطوية” و”الدكتاتورية ” وتبنت تفكيرا وأسلوبا “لينين ” يفرضان عليها أن تتبنى مواقف شبه “حيادية “إزاء تسيير النظام السياسي لشؤون البلاد.
هل الجزائر الآن جاهزة لتنظيم انتخابات رئاسية مفتوحة؟
جاهزة أم غير جاهزة، فالجزائر برهنت أكثر من مرة على قدرتها “أي قدرت حكامها” على تنظيم انتخابات رئاسية “مفتوحة” قبل أن تنتهي في صالح مدبريها، أي في صالح النظام السائد.
لماذا يلتزم المترشحون المفترضون الصمت باستثناء بن بيتور؟
صمت هؤلاء يعكس حسابات سياسة “وانتظارا تكتيكيا” لاستغلال الظرف المناسب لترشيح أنفسهم. والخوف من المجهول يدفع هؤلاء الأفراد إلى التزام الصمت وإلى تبني موقف سياسي حذر.