مرضى يتحدّون آلامهم وينقلون أجواء المباراة إلى المستشفيات
تتأهب الجزائر لمتابعة أطوار مباراة السد المزمع إجراءها مساء اليوم بملعب مصطفى تشاكر في البليدة، وهي المباراة التي أعادت للشعب الجزائري ذكريات أم درمان، وعلى غرار باقي أفراد الشعب الذين يصنعون الحدث هذه الأيام باحتفالاتهم في الشوارع والطرقات، توجد فئة أخرى من المناصرين يرقدون على أسرَّة المستشفيات البيضاء لم تنسهم آلامهم وأوجاعهم متابعة أخبار المنتخب الوطني حتى وهم موصولون بالأجهزة الطبية، ويتطلعون بشوق إلى معايشة نصر يمحي كل أوجاعهم. “الشروق” زارت هؤلاء المرضى وعايشت برفقتهم أجواء الاستعدادات لملحمة البليدة.
انتظرنا حلول موعد الزيارات لنتوجه إلى مستشفى القبة ومن ثم مصطفى باشا لنتجول في غرف المرضى ونرصد الأجواء واستعداداتهم للمباراة بدون أن نكشف عن هويتنا، وصلنا مستشفى القبة في حدود الساعة الواحدة والربع، لنتسلل مباشرة إلى قسم الأمراض الداخلية، وفي الطابق الثالث التقينا ببعض المرضى والذين كانوا يتجاذبون أطراف الحديث مع أهاليهم ويحاولون معرفة كل ما يدور في الخارج حتى أخبار منتخبنا الوطني ونتائج مباريات الفرق الإفريقية الأخرى، وهي الفرصة السانحة التي جعلتنا نشاطرهم الحديث.
يحكي “محمد” كنت أتطلَّع شوقاً لمتابعة مباراة الفريق الوطني مع نظيره البوركينابي، أعددت كل شيء على هذا الأساس غير أن الحذر لا يمنع القدر، فقد أصبت صبيحة الجمعة بآلام حادة في البطن أثناء احتفالي رفقة أصدقائي بالمقابلة، ومباشرة بعدها تم نقلي إلى المستشفى حيث تم تشخيص حالتي بأنها الزائدة الدودية ويجب استئصالها، وبالفعل أجريت العملية الجراحية وأنا الآن بخير والحمد لله وعليَّ الانتظار ثلاثة أيام لكي أغادر المستشفى، صحيح أنه ليس بإمكاني المشاركة في الاحتفال أو التنقل إلى الملعب لكنني سأشاهدها في البيت رفقة أهلي وأصدقائي وجيراني.
في حين علّق جارُه في الغرفة وهو مصاب بمشاكل في الكبد والأمعاء والكلى، أنه قضى قرابة السنة في التنقل من مستشفى إلى آخر ولكن حالته الصحية لم تتحسَّن بل ازدادت تدهورا، ورغم كل آلامه وأوجاعه إلا أن هذا لم يمنعه من متابعة أخبار الفريق الوطني من خلال شاشات التلفزيون المنصبة في غرفهن وعبر الجرائد الوطنية مضيفا أنه لا يفوِّت أي فرصة لمطالعة التطورات الحاصلة في معسكر “الأفناك”، ونجمه المفضل “سفير تايدر” و”رايس مبولحي”، ليختم قوله “سررت كثيرا عندما شاهدت ميسي في الومضة الإشهارية يحمل الراية الوطنية، أتمنى أن يكون فأل خير علينا وعلى الجزائر”.
وقد عبرت إحدى السيدات الحوامل الموجودات في قسم الولادات عن استعدادها لإطلاق اسم الهداف الذي سيسجل ضد بوركينافاسو ويؤهلنا للمونديال على طفلها المقبل إذا كان ذكراً، مفيدة أن زوجة شقيقها قد فعلتها في 2009 عندما أطلقت اسم “عنتر يحيى” على ابنها البكر، وستكررها هي أيضا. هي نفس الأجواء والاستعدادات التي لمسناها في مستشفى مصطفى باشا والذي وصلناه في حدود الساعة الثانية والنصف، حيث كانت هناك حركية كبيرة وسيارات مزينة بالأعلام تنقل المرضى وأهاليهم فحتى في عز أوجاعهم لم يتخلوا عن الراية الوطنية لأنها تمدهم بالقوة وتذكرهم بالأفراح، تقول السيدة “م. س”: “ابني الصغير يرقد هنا في المستشفى منذ أكثر من شهرين، إنه مصاب بالسرطان وفقد شعره وخارت قوته أصبح يشبه الهيكل العظمي بسبب المرض لكن هذا لم يمنعه من الحلم، انه يريد أن يعيش ليشاهد منتخبنا الوطني في البرازيل ويحلم بالتأهل للنهائي واللعب ضد ألمانيا والفوز عليها أيضا، صحيح أنها أماني طفل محكوم عليه بالموت لكنني أسعد في كل مرة يسألني فيها عن جديد المنتخب ويطالبني بإحضار قميص عنتر يحي الذي لبسه في مباراة أم درمان رغم أنه أصبح صغيرا عليه لكنه متعلق به كثيرا”.
من قسم أمراض السرطان لأمراض الكلى والجهاز البولي، الجميع يتكلمون عن موضوع واحد أنفاسهم تستنشق أخبار الفريق الوطني، والعلم الجزائري يسري في دمائهم كالمصل الموصول بأجسادهم، يصرح الحاج “علي” لقد طلبت من ابنتي أن تجلب لي علما أعلقه في غرفتي عشية المباراة، أعرف أن اليوم الثلاثاء سيكون طويلا ومتعبا بالنسبة لي لأنني سأخضع فيه لعملية غسيل الكلى، لكنني مصمم على مشاهدة المباراة حتى وان كلفتني حياتي، فلم يحدث إطلاقا طيلة مشوار حياتي البالغ 62 عاما أن ضيعت مقابلة شاهدتهم في مونديال 1982 و1986 وتنقلت إلى أم درمان والآن أنا مربوط بهذه الآلة لكنني سأذهب معهم إلى البرازيل، ليختم تصريحه بعد أن أتعبه المرض لقد حز في نفسي كثيرا ماشاهدناه اليوم من اشتباكات بين المناصرين والأمن، فكيف سنذهب للمونديال في وقت لازلنا فيه نموت من أجل تذكرة؟”.