منوعات
يدفعون الملايين مقابل وعود متبخرة

مرضى العقم بين أنياب المحتالين وبائعي الأحلام

الشروق أونلاين
  • 16869
  • 33
ح/م

لا يوجد علميا أمام الذين يعانون من العقم من النساء بالخصوص، سوى اللقاح الاصطناعي الذي يمنح بعض الأمل وليس كله، وكان من المفروض أن تدخل الجزائر هذا العالم الطبي منذ 15 سنة، ولكنها تأخرت ولم تبعث أول مستشفى سوى في الربيع الماضي وهو مستشفى بارني الكائن بحسين داي بالجزائر العاصمة الذي منح أملا “مفخخا” للكثير من الأزواج الذين هربوا إليه لأنه تابع للدولة، به عدد من الدكاترة المختصين المشهود لهم بالكفاءة، عكس العيادات الخاصة التي تصرّ على الدفع المسبق ولا تضمن نجاح التلقيح، وكان البروفيسور بوزركيني رئيس مصلحة أمراض النساء والتوليد بمستشفى بارني قد وعد منذ سنتين بثلاثة مراكز كاملة للتلقيح الاصطناعي قبل بداية عام 2012 ولكن فشل تجربة بارني لحد الآن يجعل من تجسيد مركزي قسنطينة ووهران مستبعدا، إذ منذ أن دشن وزير الصحة السابق ولد عباس مركز بارني في الـ 20 من شهر مارس الأخير ما زال الحالمون في الإنجاب يصطدمون بالنقائص المعروفة، حيث يطلب منهم القيام بالتحاليل منذ أن تطأ أقدامهم المستشفى في عيادات ومخابر خاصة لا تضمن تعويضهم المادي.

التحاليل بأسعار مرتفعة والنتائج غير مضمونة

يصل سعر بعض التحاليل إلى 5000 دج للزوج ونفس السعر بالنسبة للزوجة، وما زال المستشفى يفتقر لأي مخبر يقوم بالتحاليل اللازمة، كما أنه يفتقر للأدوية الضرورية لعمليات التخصيب بالنسبة لبويضات الزوجات ومعالجة الحيوانات المنوية وتفعيل حركيتها بالنسبة للأزواج التي لا يقل سعرها عن 80 ألف دج، ويقدم المستشفى مواعيد قد تصل إلى سنتين وهو ما يصيب الأزواج بالخيبة وبالانهيار المعنوي ويفقدون التركيز الضروري بالنسبة للذين لم يرزقهم الله بالبنين والبنات خاصة أن أهم شرط لنجاح العملية هو السن غير المتقدمة دون الأربعين، ورغم التجهيزات المتطورة جدا الموجودة في مستشفى بارني والتي جعلت وزارة الصحة تخصص لها جهازا أمنيا متطورا لمنع سرقتها، إلا أن انعدام الدواء أرجع الأزواج إلى الخيار المر والأصعب، وهو شراء الأوهام من المراكز العشرة الخاصة المتناثرة في مختلف أرجاء الوطن، وخاصة نحو عيادات تونس الخاصة التي برغم تطورها وانتدابها أحيانا لمختصين أجانب من فرنسا وألمانيا وروسيا إلا أنها بالتأكيد لا تضمن الخِلفة للذين طرقوا بابها.

ويروي زوج من بسكرة كيف جمع ثلاثين مليونا من أصحاب الخير وحمل أمانيه رفقة زوجته إلى عيادة خاصة بقسنطينة منحته جرعة أمل عندما لاحظ أنها تطالبه بالإسراع في حجز سرير لزوجته، ولكن في لحظة الحقيقة أخبره القائمون على العيادة الخاصة بأن اللقاح غير مضمون النتيجة، ولا تصل نسبة النجاح في أحسن الأحوال 10 بالمئة، وحتى لا يقتل الأمل في قلب زوجته صبّ كل أمواله في صندوق العيادة وأخذ الطبيب المختص مبلغ 10 ملايين وتم صرف البقية على الأدوية وعلى أيام الإقامة في العيادة، ولكن البويضة انطفأت بعد 15 يوما.

ونادرا ما يتحقق أمل زوج واحد من ضمن عشرة أزواج يلجؤون للقاح الاصطناعي الذي هو علميا الطريقة الوحيدة لإخصاب البويضة بالحيوان المنوي خارج الرحم في بيئة مناسبة، ثم يتم نقل البويضة المخصبة إلى رحم الأم الذي يحاول مع توفير الأدوية الحفاظ على البويضة وسط ترقب الزوجين لمدة تسعة أشهر كاملة في أجواء معنوية معقدة، وتبقى لحظة الحسم والانتظار بالنسبة للزوجين خلال ثلاثة أشهر، ويُجمع الأزواج المصابون بالعقم الذين تحدثت معهم الشروق اليومي على أن العيادات التونسية بسبب اتفاقياتها مع أشهر جامعة في العالم في أبحاث الإنجاب الاصطناعي وهي جامعة كامبريدج الانجليزية تسجل تطورا وتمنح أملا أكبر من العيادات الخاصة في الجزائر، ويبقى الأمل الوحيد في مستشفى بارني الذي ألحّ رئيس الجمهورية منذ خمس سنوات على جعله مفخرة للجزائر وباعث الأمل في قلوب المصابين بالمعقم، ولكن؟

وهناك دول أوروبية متقدمة مثل بلجيكا منحت لمواطنيها مجانية ست محاولات كاملة للإنجاب عبر اللقاح الاصطناعي، وهو ما جعل الوجهة البلجيكية الأكثر إقبالا من طرف الجزائريين الذين لهم أهل بجنسية أو بطاقة إقامة في بلجيكا، وتبقى المشكلة هي نقص الوعي أيضا بالنسبة للذين يعانون من العقم، إضافة إلى نقص السيولة المادية، حيث يصرفون مرة واحدة على اللقاح الاصطناعي، وبمجرد فشل الحمل يصابون بالقنوط رغم أن الأطباء ينصحون بتكرار العملية ولو عشر مرات، لأن الفشل الأول لا يعني فشل بقية المحاولات، والعملية منذ بدايتها تشبه إلى حد بعيد ضربة حظ، وتعترف بعض العيادات الخاصة في تونس خاصة في العاصمة بأن أكثر من 50 بالمئة من زبائنها من الجزائريين، وهو ما جعلها تخصص أسرّة وأجنحة بالكامل للجزائريات، ورغم أن العملية تكلف أكثر من 5000 أورو، إلا أن حلم إنجاب طفل أو طفلة واحدة يجعل المقامرة أحسن من انتظار وهم مستشفى بارني أو غيره في شرق وغرب البلاد.

وتبقى أقسى حالات الخيبة عندما تحقق المرأة الحمل وتتجاوز أصعب المنعرجات بعد ثلاثة أشهر لتُصدم بالخيبة في الشهر الثامن عندما يصدمها الأطباء بفشل العملية، ونادرا ما تمتلك المرأة القوة لمعاودة العملية حتى ولو امتلكت أموال قارون، وحتى اللائي تمكن من الإنجاب وعددهن قليل يعشن في خوف دائم على صحة الرضيع حتى ولو جاوز سنه الخامسة من العمر، وحسب مصادر طبية فإن عدد المواليد الذين أنجبوا بلقاحات اصطناعية جرت في الجزائر لا يتجاوز المئتين، وهو رقم مجهري قد يكون الأقل في العالم.

وللأسف فإن الجزائر مقارنة حتى بالجيران متخلفة، وعملية اللقاح الاصطناعي عكس العمليات الجراحية وزرع الأعضاء من الصعب السفر للقيام بها في ألمانيا أو الولايات المتحدة أو بلجيكا أو مصر التي تبلغ تكاليفها 20 ألف جنيه مصري أو غيرها من البلدان لأنها تتطلب المتابعة السريرية الدائمة، لأجل ذلك يجد الأزواج أنفسهم إما أمام نار العيادات الخاصة التي تأخذ الكثير من المال وتمنح القليل من الأمل أو اليأس نهائيا، ولجأ آخرون إلى العلاج بالأعشاب أو بالشعوذة تشبثا بأمل يتبخر بسرعة عندما تبلغ الزوجة سن الأربعين حيث ترفض كل العيادات خاصة مستشفى بارني المغامرة والمخاطرة بصحة المرأة التي يصبح رحمها غير قابل لاستقبال باكورة اللقاح الاصطناعي.

عينات كثيرة من أزواج اشتروا الوهم بثمن غال وجدناهم على باب عيادة خاصة يحاولون الثورة على أصحاب العيادة وعلى الأطباء، ويطالب البعض منهم الحصول على المال الذي دفعه للطبيب ولكنهم لا يلبثون أن يرضوا بقضاء الله وقدره فيعودون أدراجهم، ولم يحصل وأن كررت سيدة في الجزائر احتضان البويضة المخصّبة رغم أن الأمل في الإعادة أكبر من المحاولة الأولى، وما زاد الوضع تعقيدا أن الأدوية المقلدة أو التايوان كما يصفها الجزائريون طالت هذا النوع من العجز حيث دخلت الجزائر ومنحت الأمل بثمنها البخس الذي هو دون 40 ألف دج ولكنها من دون أي مفعول.

الوزير الأسبق ولد عباس كان قد منح الأمل لكل الجزائريين الذين يعانون من العقم في إحدى زياراته إلى وهران وقال إن العقم سيصيح مثل الأمراض البدائية منقرضا في الجزائر، ومرت الأشهر والسنوات وبصمت الجزائر على تخلفها في مجال حيوي سبّب الكثير من الأزمات الصحية والنفسية وحتى الاجتماعية، وبقي المواطن الجزائري بين خيارين أحلاهما مر، إما التوجه إلى الخارج حيث الدفع لا يضمن الولد، وإما انتظار معجزة إلهية تمنح البنين والبنات.

مقالات ذات صلة