مرضى مُزمنون “يتعنّتون” في صيام رمضان رغم الخطر الصّحّيّ
البروفيسور بوّاب: بعض مرضاي يُصرون على الصيام رغم حالتهم الصحية الخطيرة
مصالح الاستعجالات تستقبل حالات لصائمين بأمراض مزمنة
مع اقتراب شهر رمضان من كل عام، يتجدد مشهد مؤلم في عيادات الأطباء وأقسام الاستعجالات، مرضى مزمنون، أغلبهم من كبار السّن، يصرّون على الصيام رغم التحذيرات الطبية الصّريحة بأن الصوم قد يعرّض حياتهم لمضاعفات خطيرة. وتستقبل مصالح الاستعجالات طيلة الشهر الفضيل، حالات من هذا النوع، لأشخاص سقطوا في الشارع أو تعرّضوا للإغماء الفجائي بسبب صيامهم. والمؤسف، أن مرضى يُمنع عنهم الأكل “عمدا” في نهار رمضان، ما يجبرهم على الصّيام مُرغمين.
ورغم أن الشريعة الإسلامية منحت فئة من الأشخاص رخصة الإفطار في رمضان، صونًا للنفس والجسد، إلاّ أن كثيرين يرفضون الأخذ بها، مدفوعين بعوامل دينية ونفسية واجتماعية معقّدة، تجعل من قرار الإفطار عبئًا نفسيًا أكبر من عبء المرض نفسه، على حدّ قولهم.
وكشف طبيب من مصلحة الاستعجالات لمستشفى “لمين دبّاغين” بباب الوادي، بالجزائر العاصمة، في تصريح لـ “الشروق”، أنهم منذ دخول شهر رمضان، استقبلوا عدة حالات استعجالية، لأشخاص مصابين بأمراض مزمنة، وكانوا صائمين، وغالبيتهم يعانون من مرض السكري، وانخفاض الضغط الدموي، والأنيميا، وحتى من بينهم أطفال صغار، البعض يصوم خفية عن والديه، تقليدا لأصدقائه الصائمين.
وأكد محدثنا أن هذه الظاهرة تتكرر كل رمضان، لدرجة أخبرنا عن حادثة عاشها هو شخصيا منذ قرابة 5 سنوات، حين استقبلوا في يوم رمضاني، مُسنّة مصابة بالسّكري تعرضت لنوبة هبوط شديدة في الشارع، بسبب صيامها. والمفاجئ، استقبالهم لنفس السيدة بعد أسبوع، وهي تعاني من نفس الحالة الصحية، لإصرارها على الصيام..! رغم تحذيرها من طرف طبيب الاستعجالات.
مُصاب بجلطة دماغية ويصر على الصّوم.. !
وفي قصة أخرى، تقول إحدى السيدات إن قريبا لها في 70 من عمره من الجزائر العاصمة، أصيب قبل رمضان بأيام، بجلطة في الدماغ، أقعدته الفراش تماما، والغريب، أنه يُصرّ على صيام رمضان، رغم تناوله أدوية مختلفة خلال النهار، وهو ما جعل عائلته تشدد عليه بالإفطار.
وعجوز أخرى، مصابة بجفاف الكلية، ورغم تأكيد طبيبها على ضرورة الإفطار نهارا، وشرب كميات كبيرة من المياه، وإلا ستسوء حالتها وتضطر للاستعانة بجهاز تصفية الكلى، مع ذلك فهي تصوم في غفلة من أولادها..!
رفض رخصة الإفطار.. بين العقيدة وسوء الفهم
ومن جهته، اعترف رئيس الفدرالية الوطنية لأمراض السكري والغدد، البروفيسور بواب ضياء الدين، في تصريح لـ”الشروق”، بوجود فئة من مرضاه تتجاوز نصائحه الطبية، مصرين على الصيام مهما كلفهم الأمر من مخاطر صحية.
وكشف أن عددًا كبيرًا من المصابين بداء السكري، نساءً ورجالًا، يرفضون الإفطار رغم صعوبة حالتهم الصحية، بل ويُظهر بعضهم نوعًا من “التعنّت” في مواجهة نصائح الأطباء.
ويشرح المتحدث أن العامل الأول وراء هذا الإصرار هو الجانب العقائدي، إذ يرى بعض المرضى أن الصيام فرضٌ لا يسقط عنهم مهما كانت أوضاعهم الصحية، رغم وجود رخصة شرعية واضحة للمريض، وفتاوى متكررة من الأئمة خلال حملاتهم التحسيسية حول رخصة الإفطار في رمضان. ويصعب، أحيانًا، إقناعهم، بحسب قوله، بأن حفظ النفس مقصد شرعي لا يقل أهمية عن أداء العبادة.
ويبرر بعضهم للطبيب، قائلين: “طوال حياتي وأنا أصوم، كيف أفطر الآن، وأنا في هذا العمر؟”
ويقولون بأنه يتملكهم شعور داخلي بأنّ التراجع عن الصيام يفهَم كضعف، أو تقصير في حق الدين، حتى وإن كان العذر صحيًا مشروعًا.
الصّيام كتعويض عن “ذنوب” الماضي..
ومن القصص التي عايشها البروفيسور، بُوّاب، في عيادته، حول هذه الظاهرة، قصّة شيخٍ مغتربٍ سابقًا عاش سنوات في الخارج، وكان مُصممًا على الصّيام، رغم خطورة وضعه الصّحي. وقد برّر المريض إصراره برغبة عميقة في التّكفير عن أخطاء الماضي، قائلًا إن الصّيام هو العمل الوحيد الذي يستطيع تقديمه تعويضًا عمّا يعتبره تقصيرًا سابقًا.
وقال للطبيب: “الحجّ لم أعد قادرًا عليه، بسبب تقدمي في السن، والزكاة أؤديها، والصلاة أحاول تصحيحها، لكن الصيام، في نظري هو العبادة التي بقيت لي لأقترب بها من الله، مهما كان الثمن الصّحي”.
هذه الحالة، بحسب محدثنا، تعكس بعدًا نفسيًا وروحيًا عميقًا، حيث يتحوّل الصّيام لدى فئة من المرضى، إلى رمز للتوبة وتطهير النفس من المعاصي، رغم خطر الصيام على الصحة.
يصوم ليعيش “لمّة” حول مائدة الإفطار
العامل الثاني الذي يفسر الظاهرة، هو الجانب الاجتماعي، ويقول المختص، بأنه بالنسبة إلى كثير من كبار السّن، صيامهم هو ما يسمح لهم بالجلوس إلى مائدة الإفطار مع أبنائهم وأحفادهم.
الإفطار نهارًا، في نظرهم، يعني العزلة، وحرمانهم من “لمّة” العائلة التي تمنحهم شعورًا بالانتماء والدفء.
وفي قصّة أخرى، طلب الطبيب من شيخ أرمل الإفطار، بسبب وضعه الصحي، فكان جوابه صادمًا، بأنه يعيش مع أبنائه المتزوجين، لكنه لا يجد من يُحضّر له طعامًا صباحًا إذا أفطر، لا أحد يستيقظ ليعد له قهوته، وغالبا يقدمون له بقايا إفطار الليلة الماضية، خلال النهار، وهو ما جعله يقرر الصيام مرغما، رغم حالته الصحية التي تمنعه من ذلك.. فالصيام، بالنسبة إليه، وعلى حد تعبيره للطبيب، “أهون من الإحساس بالإهمال من طرف عائلته”.
ويروي الطبيب أيضًا حالة مسنٍّ آخر برّر صيامه بأنه لا يجد مكانًا يتناول فيه طعامه نهار رمضان، بخلاف ما كانت عليه الحال حين عاش في الخارج، حيث كانت المطاعم والمقاهي مفتوحة.
تقصير عائلي ومضاعفات صحية خطيرة
المؤسف، أن بعض المرضى المزمنين، صغارًا وكبارًا، لا يجدون فعلًا من يهتم بإعداد وجبات مناسبة لهم، خلال نهار رمضان، إذا كانوا مفطرين.
بحيث ينشغل أفراد العائلة بالنوم أو التحضير للإفطار مساء، ويُترك المريض أمام خيارين، إما أن يصوم رغم الخطر، أو يفطر دون رعاية غذائية مناسبة.
هذا الواقع لا يهدد الاستقرار النفسي للمريض فحسب، بل قد يؤدي إلى تعقيد وضعه الصحي، خاصة لدى مرضى السكري وأمراض القلب والضغط، حيث قد يتسبب الصيام غير المنضبط في انخفاض أو ارتفاع خطير في مستويات السكر، أو جفاف حادّ، أو مضاعفات قد تستدعي دخول المستشفى.
وهذه الظاهرة “الخطيرة” تستدعي وقفة جادة من مختلف الأطراف، عبر تكثيف الأطباء حملات التوعية ومن طرف الأئمة، من خلال التأكيد على أن رخصة الإفطار للمريض هي حكم شرعي ثابت لا ينتقص من إيمان المسلم. وأيضا من طرف المجتمع المدني، عبر التحسيس بخطورة إهمال بعض المرضى داخل الأسرة، وعلى العائلات تحمّل مسؤوليتها الأخلاقية في رعاية كبارها.
وخلاصة الموضوع، أن رمضان هو شهر رحمة وتيسير، لا شهر مشقة وتعذيب نفس، وحين تتحول العبادة إلى سبب في تدهور صحة المرضى، فإن جوهرها يفقد معناه. كما أن حماية حياة المريض لنفسه وصحته أولى من أي اجتهاد شخصي، وأخذ الرخصة الشرعية ليس ضعفًا في الإيمان.