الجزائر
"الشروق" تنقل الوجه الآخر لمجازر الطرقات

مرضى وعجزة يقودون سياراتهم حتى الموت!

الشروق أونلاين
  • 5685
  • 14
الأرشيف

رغم كبر سنّهم، وضعف النظر عندهم، وإصابتهم بعدد من الأمراض بعد تجاوزهم الثمانين، إلاّ أنهم يصرون على قيادة مركباتهم بأنفسهم إلى آخر نفس في حياتهم، إنهم الشيوخ وكبار السن الذين يصرون على مواقفهم ويتصرفون بكل حرية وطلاقة من دون الأخذ بنصائح الأطباء ولا القوانين المعمول بها، والمهم عندهم هو الظهور بصورة قوية أمام أقاربهم وعائلاتهم وأولادهم وأحفادهم..

أكثر من 3500 قتيل وعشرات الألاف من الجرحى في حوادث مرور متفرقة وقعت في مناطق مختلفة عبر الوطن خلال سنة 2017 المنصرمة، غالبيتها تورط بالعامل البشري والسرعة المفرطة، وتؤكد مصالح الأمن أن الحوادث التي يتورط فيها كبار السن والمرضى في تصاعد مستمر وتقترب نسبتها من 15 بالمائة، بسبب عدم قدرتهم على التحكم الجيد  في السيارة، ويرتكبون الكثير من الأخطاء أثناء القيادة بسبب ضعف الرؤية والنعاس وقلة السمع، فيقعون في حوادث مرور تكون في العديد من الأحيان مميتة، ناهيك عن الشجارات والخلافات التي يدخلون فيها وسط الطريق، حيث يجدون أنّ الأولوية لهم باعتبارهم كبار في السنّ.. خاصة إذا نظر لهم البعض بغرابة، إذ يعتقدون أنهم يتعجّبون من قدرته على السياقة خاصة في مرحلة الشيخوخة التي تحتاج إلى بذل مجهود إضافي قد يثقل كاهل كبار السنّ، الذين يرون أن الشيخوخة لا تقف عائقا أمامهم في قيادة السيارة، على الرغم من أن هذه المرحلة العمرية قد تجلب لأجسادهم بعض التغيرات التي قد تؤثر على مهارة القيادة لديهم. 

 

“الشروق” ترافق مسنا في  الثمانين يقود في الليل والنهار وبين الولايات والبلدان 

التقينا بالمجاهد محمد توامي محافظ الشرطة المتقاعد لدى ولاية العاصمة، والذي سيدخل عمر الثمانين، الأخير الذي تحصل على رخصة سياقته أول مرة سنة 1957م في الجزائر العاصمة، أي قبل استقلال الجزائر بخمس سنوات، وكان حينها لا يقود، لكنه بعد استقلال الجزائر كما روى لنا عمي محمد صار يقود شاحنات الوزن الثقيل، قبل أن يدخل إلى سلك الشرطة، ومنذ ذلك الحين كما حكى لنا المجاهد توامي، وقع في حادثي مرور فقط، الأول كان في طريقه إلى ولاية الشلف والثاني وقع له في العاصمة، ومرّا كليهما بسلام.

وصرّح لنا عمي محمد أن رخصة سياقته انتهت صلاحياتها العام المنصرم، لكنه ما زال يداوم على السياقة ويتنقل حتى إلى تونس رفقة عائلته بواسطة سيارته.

كما يزور العديد من الولايات كقسنطينة التي تقطن فيها شقيقته ووهران وتلمسان في الليل والنهار، من دون أن يُحس بتعب، ويراهن عمي محمد أن يقود الشباب مثله، حيث قال “الذين تحصلوا على شاحنات الأنساج هم أصحاب الحوادث المرورية”، وأكد محافظ الشرطة السابق توامي، أن قصته مع السياقة هي قصة عشق أبدية لن تنتهي بشهادات طبية تُثبت ضعف رؤيته ولا بشيء آخر إلاّ الموت.

وأضاف قائلا “أتنفس السياقة وأعشق السياق وتجري في عروقي السياقة، ولا أستطيع أن أتقبل فكرة أن أي شخص يقود بي”، وأكد محدثنا أنه وحده كفيل بتقرير ما إذا يستطيع أن يقود أو لا، مؤكدا أنه لا يبالي بكلام الأطباء ولا يعترف بشهاداتهم.

بعدما قدم لنا المجاهد توامي، تقريرا مفصلا عن قصته مع القيادة، أخذنا في جولة عبر مختلف أرجاء العاصمة من القبة إلى مقام الشهيد ومنتزه “الصابلات” وبرج الكيفان ومناطق أخرى بوسط العاصمة، ودامت الرحلة أكثر من 4 ساعات قبل أن تشير الساعة إلى التاسعة ليلا، ويغادر عمي محمد إلى بيته.

وصادفنا العديد من الحالات من أمثال عمي محمد الذين رفضوا وضع صورهم في الجريدة، لكنهم مازالوا يقودون سياراتهم رغم تجاوزهم سن التسعين وليس الثمانين فقط..

 

بهلولي: نطالب بتحديد أطباء لمراقبة قدرة العينين على النظر عند الكبار 

وللاستفسار عن القوانين المطبقة على كبار السن أثناء السياقة، اتصلنا بالمحامي ابراهيم بهلولي، الذي أكد أن الشيوخ وكبار السنّ هم من بين الأشخاص الذين يتسببون ويتعرضون لحوادث مرورية، ليس لأنهم لا يجيدون السياقة وإنما لظروف وأسباب محتمة كضعف الرؤية عندهم، ونقص الإرادة وحتى ردود أفعالهم كما صرّح بهلولي، مضيفا أنه لا يوجد نظام يحدد العمر، إلاّ أنّ هناك بعض الحالات التي تحتاج إلى تقرير طبي عن صحّة وسلامة كبار السنّ، وأفاد المتحدث أنه وفقا لدراسة حديثة تشير أن كبار السن حتى ولو كانوا بصحة جيدة ومعروف عنهم السياقة الآمنة ولا يعانون من الخرف أو العجز قد يرتكبون أخطاء أثناء السياقة أكثر من صغار السن، وقد تكون هذه الأخطاء خطيرة، ولا يستطيعون التحكم فيها، لهذا يكون كبار السن أكثر فئة عرضة لحوادث المرور، وأكد بهلولي أن غياب المراقبة الدورية التي من المفروض أن تكون كل 6 أشهر وإعطاء الحرية لكبار السن في إجراء فحوصاتهم الطبية الخاصة بمختلف الأمراض المزمنة وبالعيون أيضا في اختيار الطبيب المناسب من أكبر الأخطاء التي دفعت بكبار السن نحو منح الحق الكامل لأنفسهم في قيادة المركبات متى وحيث ما شاؤوا، والأكثر من هذا كما قال بهلولي، هناك من يرفضون وضع نظارات أثناء ممارسة السياقة، رغم أن الأطباء طلبوا منهم ذلك، وهذا راجع إلى عدم وجود رقابة حقيقية تمنع هذه التجاوزات..

وطالب بهلولي في سياق ذي صلة بضرورة تكفل وزارة النقل بالتعاون مع وزارة الصحة بتخصيص أطباء مختصين عبر مختلف مناطق الوطن، لتحديد الحالة المرضية لكبار السن قبل إعادة رخص السياق لهم، كما طالب بتخصيص لجان مراقبة على مدارس السياقة التي تتغاضى عن بعض التجاوزات.

 

علي شقيان: يجب إعادة رخصة السياقة كل سنة لكبار السن

من جهته رئيس الجمعية الوطنية للسلامة المرورية علي شقيان صرّح في اتصال بـ”الشروق”، أنّ غالبية كبار السن والشيوخ يعانون من أمراض مزمنة، ناهيك عن الرعاش وضعف الرؤية والنظر، وهذه أكثر الدوافع التي تحتم على وزارة النقل وضع قانون صارم، حسب المتحدث لمنع منح رخصة السياقة لكبار السن، وإلا إعادتها كل سنة، مع وجوب تخصيص لجان مراقبة، لضمان أنهم في حالة صحية جيدة تسمح لهم بالقيادة، وأضاف شقيان، أنهم طالبوا أكثر من مرة بإعادة النظر في قانون المرور خاصة ببعض الفئات كالشباب الذين يتحصلون على رخص سياقة حديثة ويتوجهون لقيادة المركبات مباشرة من دون إجراء تدريب، ناهيك عن بعض الحالات الأخرى التي فاقمت من حصيلة حوادث المرور.

 

أخصائي طب عيون بالعاصمة: السياقة ممنوعة للذين ينظرون بنسبة 6 على 10

ومن جهته صرّح أخصائي في طبّ العيون بالعاصمة، في اتصال “بالشروق” أنّ قيادة المركبات الصغيرة لا تشترط الرؤية والنظر بنسبة 10 على 10، إذ بإمكانها أن تكون 7 أو 8 أو 9، فعندما تسقط الرؤية إلى هذه الأرقام تُمنح شهادة طبية تحدد الرقم الذي تحصل عليه الحالة، وصاحب مدرسة السياقة هو الذي يستطيع أن يقرّر منح الرخصة للحالة إذا كانت تتعلق برخصة سياقة السيارات العادية، أو عدم منحها إذا كانت تتعلق بالشاحنات الكبيرة والتي تشترط نسبة الرؤية 10 على 10 غير أن المتحدث أكد أن السياقة تكون خطيرة للذين تقل رؤيتهم عن 7 من عشرة بسبب عدم تمييزهم الجيد بين الأشياء ونظرهم المنعدم في الليل خاصة مع الأضواء الكاشفة التي تعرقل الرؤية.

وأكّد الدكتور صياد أنّ الأقلية فقط من الأطباء الذين تخلوا عن ضمائرهم حيث يمنحون شهادات طبية لا تتماشى مع واقع المرضى مقابل تقاضي مبالغ مالية، مضيفا أنه من البديهي أن أي شخص تنقص عنده الرؤية يمنع من السياقة، خاصة إذا كان ضعف الرؤية وصل أدنى درجاته.

وأضاف نفس المصدر، أنّ الأمراض التي تمنع الإنسان عن السياقة، أو التحكم في سير السيارات، تتعلق بالجلطات الصدرية باعتبارهم من الممكن أن يتعرضوا لسكتة قلبية في أي وقت ممكن، كما أنّ هناك بعض الحالات الأخرى مثل الأشخاص الذين يعانون من الصرع والرعاش، أيضا يمنعون منعا باتا من السياقة، لأن ذلك يعد خطرا على حياتهم، فضلا عن الحالات التي يعاني  أصحابها من الخرف والذين يتناولون الأدوية المهدئة وأدوية الحساسية التي تسبب الغثيان وتُنقص القدرة على التركيز وتجعل الإنسان يفقد توازنه أحيانا، مؤكدا أنّ كل مرض أو حالة من الممكن أن تؤثر سلبا على التركيز تمنع من السياقة ولا تمنح لها شهادة تؤهلهم لقيادة المركبات.

مقالات ذات صلة