مرض خبيث يشوه وجوه المرضى ويقتلع أعينهم
تتأذى شريحة من فئة الأطفال على مستوى الوطن من واقعهم المرير والمؤلم الذي قلب ليلهم نهارا وألزمهم اللعب فقط تحت سواد الليل أو نور القمر، بينما تتهدد حياتهم أشعة الشمس، لهذا سموا بأطفال القمر لأنهم مصابون بمرض جيني وراثي عضال يعرف لدى الأطباء “بالإكزيرودارما” أو “الإكس.بي” القاتل والذي خطف العديد من البراعم في سنّ مبكرة بمعدل 13 سنة، كما هو شأن “سماح” وسمية وآخرين شوهت أجسامهم ووجوههم كـ”عبد الرحيم” الذي اقتلعت عينه وهو واحد من أزيد من 30 طفلا اقتلعت عينه وأصيب بالعمى أحصاهم “أصدقاء أطفال القمر”.
-
“… لا نريد أن يحس أطفالنا بالنقص أو أنهم ليسوا بشرا عاديين، وأملنا معلق بحبل الله المتين، بإحداث معجزة طبية تسحب براعمنا من كفن الموت، أو على الأقل إحاطتهم بحياة سعيدة وألم خفيف وعيش كريم وضر طفيف، يحجب عنهم أشعة اليأس قبل الشمس، ويضمهم نور الأمل والبسمة قبل القمر…”، هكذا قال لنا أولياء أطفال القمر، وكانت هذه الكلمات عبارة عن إيماءات مبعثرة وبتعابير مختلفة صادرة من مكنونات أولياء 8 عائلات التقت بهم “الشروق” مجموعين في بيت العم “مصطفى مغوفل” ببلدية حجوط في ولاية تيبازة، أبى إلا أن يعزم الجميع على مأدبة فطور، ولقاء بين مبتلين بعلة واحدة طالت ما يفوق 22 طفلا على مستوى عدة بلديات بولاية تيبازة، ويتعلق الأمر بكل من هاديا وعلاء مغوفل وحشاد نادية ومجدوب يسرى ونيار أميمة ورودان شكيب وتيفورة عبد الرحيم ونسرين وشريفة بويزار، كذلك الأخوة زينب وإبراهيم ومحمد تيفورة وآخرون لم يكشف عنهم لحد الآن في ظل غياب رعاية اجتماعية وصحية ولا إحصاءات رسمية من طرف السلطات المعنية.
-
وفي اتصال مع “نور الدين العيد”، أحد الأعضاء المتطوعين في ما يعرف “أصدقاء أطفال القمر”، التي تضم أطباء مختصين، من بينهم الأستاذة محمودي خديجة رئيسة مصلحة طب العيون للأطفال بوهران ومعوش رابح دكتور جراح بالمستشفى الجامعي لعين تيموشنت، وبصفتها الجهة الوطنية الوحيدة المهتمة بهؤلاء، أكدوا أنهم يتعاملون حاليا مع أزيد من 200 طفل على مستوى الوطن بصفة مباشرة، من خلال مساعدتهم بتوفير مراهم ونظرات وملابس خاصة وحتى تنظيم رحلات ترفيهية تخفّف من وقع ضرهم، ولا يستبعدون أن هذا الرقم يمثل فقط نسبة قليلة ممن لا يعرف عن حالتهم أو يجهل تصنيفها بالمناطق الفقيرة والمعزولة بالوطن. بينما كانت مصالح استشفائية على مستوى العاصمة قد أكدت سنة 2006 أن عدد المرضى “بالإكس.بي” يفوق 500 مريض ممن تلقوا العلاج لديهم، وهذا في ظل دق ناقوس الخطر أمام نقص في التوعية والتحسيس بأعراض وأسباب هذا المرض الذي أكد فيه “أصدقاء أطفال القمر” بأنه ينتشر في أوساط الأطفال وبالدرجة الأولى على مستوى الوطن، خاصة المناطق الداخلية والجبلية، أين تنتشر بها ظاهرة التزاوج بين الأقارب وجهل أسبابه وأعراضه والوقاية بصفة عامة منه، هذا الأخير الذي يرفع من نسبة التعرض للإصابة “بالإكس.بي”.
-
وفي ذات السياق، حذرت ذات الجهة من الانتهازيين الذين طالما تسللوا من منافذ يأس المرضى وأوليائهم للاستحواذ على أموالهم بحجة أنهم يعرفون شيخا أو طالبا أو راقيا وعشّابا بين يديه سحر شفاء وبركة، ثم يستدرجونهم إلى متاهات الشعوذة والمشعوذين الذين حلقوا بأثيرهم، حيث تم تسجيل نشاط مشعوذين بمنطقة سبدو بولاية مستغانم وبولاية غرداية ومناطق أخرى بالبلاد وخارجها. والمرض، بحسب المختصين، طريقه مستقيمة عند توفر العناية والرعاية الصحية إذا تولتها وصاية حكومية، ما من شأنها أن تضيّق من فضاء التلاعب والتحايل على الضعفاء.
-
ويتساءل كل من خبر حياة طفل قمر أو صاحبه عن السر الذي يجعل طفلا ضعيفا متطلعا للحياة لا يبالي بتلك الآلام البدنية والنفسية ولتهديد الموت المتربص بهم إلى حين قريب. فيما ينساب صبر أوليائهم مع ظهور كل تورم سرطاني خبيث على جسدهم أو ضعف في النظر والإعاقة الحركية والذهنية وتبعات أخرى يفرضها المرض.
-
تجدر الإشارة إلى عائلة بولاية المدية التي يعاني أبناؤها 3 من إعاقة ذهنية، فضلا عن تشوهات في البدن يتألم منها الناظر، إلا أن هذه العائلة تؤلمها شماتة الآخرين الذين واجهوا أبناءهم بأقسى معاملة وهي التنابز بألقابهم والتعاطي معهم كوحوش من خلال رشقهم بالحجارة.
-
من جهة مقابلة يعيش هؤلاء الأطفال، حسبما أبدوه في حديثهم لنا، كبتا من حيث ما يتلقونه من تعاملات مع أطفال آخرين معافين، خاصة عند أولى أيامهم في صفوف الدراسة، حيث هناك من يسخر من لباسهم وقبعاتهم والقفزات الواقية من أشعة الشمس أو مراهمهم المطلية على جلودهم، الأمر الذي أحدث صدمة نفسية في ذاتهم وأشعرهم ذلك بأنهم أطفال حقا أتوا من كوكب القمر وغير عاديين بالمرة، ما حرمهم من التمتع بالدراسة وجوّها الضروري لطفل بروح بريئة لم يختر مرضه ولا شكله.
-
لهذا طالب أولياء أطفال القمر المساعدة من خلال توفير العناية والرعاية الطبية وتجنيبهم التعرض لأشعة الشمس بتوفير مراهم مركزة استعصى عليهم شراؤها، لاسيما وأن سعرها يصل إلى 1300دج ونظارات شمسية وأقنعة وملابس خاصة للوقاية من الأشعة فوق البنفسجية، لا يستطيع أرباب عائلة غير عاملين أن يوفروها، علاوة على مطالبتهم السلطات بتخصيص أقسام لدراسة أولادهم مجهزة بلفائف عازل لأشعة الشمس الذي تفوق تكلفته 30 أورو للمتر المربع، والاستفادة من سكن، خاصة وأن سكناتهم معظمها ريفية مفتوحة على أشعة الشمس، إضافة إلى إلحاحهم على توفير بطاقات التأمين الاجتماعي ليضمن ذلك تعويض الأموال المهدرة في الأدوية. كما طالبوا بإعطاء الأولوية لهم لدى زيارتهم الطبيب لتلقي الفحوصات الطبية لأطفالهم والعلاج دون انتظار مراعاة لحالاتهم التي لا تتحمل ذلك.
-
من جهتهم طالب “أصدقاء أطفال القمر” من السلطات العليا في البلاد، أن تشكل لجنة وزارية مشتركة تضم كلاّ من وزارة الصحة والضمان الاجتماعي والتربية الوطنية والتضامن الوطني والسكن، تكلف بالنظر في انشغالات ومشاكل ومتطلبات هذه الفئة وسعيها من أجل وضع حد لاتساع بؤرة هذا المرض بالوطن، كما يمكن من خلالها تخصيص أقسام للدراسة والمتابعة الصحية والسكن الملائم لمرضهم حسب ما يمليه الأخصائيون.