مروى قدراوي … طالبة تُهدي والديها ختم القرآن ورحلة عمرة
لم يكن “مزامير داود” مجرد برنامج ديني يُبث عبر قناة الشروق، ويشد إليه آلاف المتابعين وهم يتابعون فرسان القرآن من حفظة الذكر الحكيم، لقد كان هذا البرنامج التلفزيوني لحظة تتجاوز تلك التجليات الروحية وهي تنثر عطرها الفواح في أرجاء المكان، بل كانت أكثر من هذا بكثير، فقد تضمن لحظات مؤثرة في عقول وقلوب الجزائريين، وكم من عائلة تمنت أن يكون أحد أبنائها ضمن تلك الوجوه المضيئة الحافظة لكتاب الله.
هذا ما حدث ذات ليلة من ليالي “مزامير داوود”، حين لم يتمالك والد مروى نفسه، لتنسكب دموعه من مقلتيه وهو يعيش بكل روحه وجسده وعقله تلك اللحظات المهيبة وهي تبث عبر ذلك البرنامج الديني. كانت لحظتها “مروى قدراوي” تراقب كيف تفاعل والدها مع تلك المشاهد المؤثرة، وهي تصغي في الآن نفسه لوالدتها التي كانت هي الأخرى تشاهد بتأثر كبير فرسان القرآن، حينها ترددت على لسان والدة مروى كلمات اختزلت كل شيء حين قالت: “يا سعدو اللي حفظ أولادو القرآن”.
كانت هذه العبارة التي استقرت في وجدان الطالبة قدراوي مروى بمثابة محطة الانطلاقة في سفر مروى نحو كتاب الله، إذ عاهدت نفسها سرًّا أن تبلغ مراد والدها وأمها.
من يومها كرست الطالبة مروى كل أوقاتها للوصول إلى غايتها، وأن تنتسب ذات يوم “لأهل القرآن”، واحدة من ملايين الناس المنتسبين لهذه الأسرة الجليلة، أسرة حفظة القرآن الكريم.
كان كل شيء مهيأ أمامها، فقد سبق لمروى وهي لا تزال في سن الطفولة أن كرست من وقتها ساعات لحفظ القرآن بالمسجد، وأن تمكنت من حفظ جزء عمّ وتبارك، إلا أن افتقادها لخطة تنظيمية حال دون مواصلة حفظها للقرآن لكنها بقيت قريبة من كتاب الله الذي أشعرها، وهي لا تزال طفلة صغيرة، بالسكينة والراحة، بل كان سببًا لعلاجها من حالة مرضية جعلتها لفترة من الزمن عاجزة عن المشي، إلا أن الاحتماء بكتاب الله هو أكبر علاج لأي مرض، وكيفما كان نوع هذا المرض، وهذا ما كانت الطالبة مروى متيقنة منه مع مرور الأيام والسنين.
ازداد حرصها أكثر على أن تحفظ القرآن كاملاً، لم تثنها عن ذلك مسيرتها العلمية كطالبة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ولا شغفها بالتنشيط وأن تصبح ذات يوم إعلامية، ولا ميولاتها واهتمامها بالطب البديل وغيرها من المواهب التي تعددت وتنوعت في شخصية مروى. لا شيء أوقفها، لتتمكن أخيرًا من ختم حفظ القرآن الكريم، مكرسة وقتها في ذلك، حيث لم تمنعها لا الظروف ولا المعيقات من بلوغ أمنيتها، بل قامت بتطويع تلك الظروف لصالح مبتغاها.
إذ كانت مثلًا تستغل طول المسافة من منزلها العائلي بمنطقة البويهي، بأقصى الحدود الجنوبية الغربية للولاية، نحو جامعة تلمسان، وهي المسافة التي غالبًا ما كانت تستغلها في حفظ كتاب الله، إلى أن تحقق الوعد الذي قطعته مع نفسها سرًا حين ذرف والدها الدموع وهو يعيش لحظة مهيبة من مشاهد “مزامير داود”.
اليوم، وقبل أيام قليلة، حظيت مروى في أجواء مهيبة، وبمناسبة الإفطار الجماعي المنظم من قبل مديرية الخدمات الجامعية منصورة، بتكريم خاص من قبل والي ولاية تلمسان، أين منحت عمرة للبقاع المقدسة، وألبست لباس الوقار في لحظة مهيبة اقشعرت لها الأبدان وذرفت فيها دموع الكثير من الحضور… دموع حملت نفس الطعم لدموع والدها ذات يوم.