الرأي

مزيّة “الراشي” وسعادة “المرتشي”

رقم خمسة عشر ألف احتجاج في السنة، الذي تعيشه الجزائر في مختلف مناطقها وقطاعاتها الحيوية والثانوية، الذي تفضل به السيد حسان زهوان رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، من المفروض أن يوقف سياسة ما صار يسمّيه المواطن وتعترف به السلطة، شراء السلم الاجتماعي، لأجل العودة، على الأقل إلى نقطة الصفر التي كنا فيها، حتى لا نبقى في مرحلة التيهان، التي طال أمدها. ويكفي الجزائري، تصفّح أي موقع عالمي، ليرى بأن أي احتجاج في أي بلد، هو عبارة عن حالة استثنائية لا تقع سوى مرة في السنة، بينما أصبح الإستثناء عندنا، هو الهدوء والعمل من دون إضرابات، والعيش من دون احتجاجات، والمسؤول الأول على هذه الفوضى التي يسمّيها بعض المعارضين ربيعا على الطريقة الجزائرية، وتسميها السلطة ممارسة الديمقراطية والتعبير عن الرأي، هو الدولة، التي صارت تعترف بأنها ترتكب الجرائم في حق المواطنين، بسبب إهمال غالبية مسئوليها وعدم كفاءتهم، لأجل ذلك لا تحاسبهم، على جرائم غلق الطرقات، ومنع حركة المواطنين ومشاهد حمل البنزين والتهديد بالانتحار وما شابه ذلك من أعمال، هي في حقيقتها جرائم، تعاقب عليها كل الدول في العالم، إلا الجزائر.

وإذا كان السيد حسان زهوان قد وصف شراء السلم الاجتماعي، بالرشوة الاجتماعية، التي صارت تقدمها الدولة لكل من يهدّد بحرق نفسه أو يعطل مصالح المواطنين أو يُرعب الأطفال والشيوخ والمرضى، بمسكن تارة، أو بمنصب عمل أخرى، فإن المجتمع أيضا إرتضى بأن يكون مرتشيا، يقبل هاتهالمزيّاتعلى حساب بقية المواطنين المسالمين، وفي الغالب على حساب المبادئ والقيم والأخلاق. والذين يقولون بأن النظام في الجزائر يتشبث بالحكم، ولن يتركه أبدا، عليهم الاعتراف بأن المواطن أيضا يتشبث، بأن يبقى هو أيضا بعيدا عن المواطنة، ويتشبث ببقاء هذا النظام، الذي يعتبر الوحيد في العالم الذي يقرّ بأن للمواطنين حقوقا من دون واجبات، مادامت مطالبه اجتماعية ومادية، ومادام شعب يحتج ولا يعمل، ويقبل بأن يكون الطرف الثاني في جريمة الرشوة التيتُسرقمن آبار نفط الأجيال القادمة، وتعطى في شكل إسمنت ووثيقة عمل ورقية، وقروض بنكية، أمام الملأ وفي العلن، بتسميات زائفة مثل إنجازات الدولة العظيمة وحقوق الشعب العظيم.

 

لو فرضنا بأن ألف مواطن أو عامل أو بطال، يشارك في كل احتجاج أو إضراب من هاته الخمسة عشر ألف احتجاج التي تشل الجزائر في السنة، فمعنى ذلك أن نصف الجزائريين قد خرجوا إلى الشارع ورفضوا العمل، وهو أمر خطير لا نقول بأنه لم يحدث في أي بلد في العالم، وإنما لم يحدث في التاريخ مثيلا له، وجعلوا البلاد أشبه بالمريض، الذي يقبع لعدة سنوات في قاعة الانتظار، فلا العملية الجراحية أجريت، ولا المريض اقتنع بأنه سليم معافى، وبأنه أخطأ في طلب الصحة من العليل، والمداواة بالتي كانت دائما هي الداء

مقالات ذات صلة