الجزائر
عدد التجار الفوضويين أكبر من التجار الرسميين في الجزائر

مسؤولون يشترون أشياءهم من أسواق الشوارع

الشروق أونلاين
  • 11730
  • 12

هل يمكن تصور مدن وقرى الجزائر من دون أسواق فوضوية وطاولات خضر وفواكه وتبغ؟سؤال حملناه للشارع وبحثنا عن تاريخ هذه الظاهرة، والخارطة المحتملة بعد المحاولة الجادة التي لجأت إليها وزارتا الداخلية والتجارة لأجل منع التجارة الفوضوية من التحوّل إلى أمر واقع ومهنة حقيقية كما هو الحال بالنسبة للتهريب والفرود وحراسة السيارات بقوة العصا وغيرها من أساليب الحياة التي لجأ إليها الشباب، وهناك من صار يورّث لأبنائه ما صار يسمى بالمهن الحرة.

وإذا صح الرقم غير الرسمي الذي يتحدث عن وجود قرابة مليون تاجر غير شرعي، فمعنى ذلك أن ربع سكان الجزائر يعيشون من التجارة الفوضوية، ومعنى ذلك أن التجار الفوضويين أكثر عددا من التجار الشرعيين، وستحدث هزة اجتماعية وحتى تجارية عنيفة لأن هناك عائلات صارت لا تبتاع بضاعتها إلا من الطاولات المنتشرة في الشارع، على أساس أن هؤلاء الذين يُسمون بالتجار صاروا يمتلكون خبرة ومعروفين لدى عامة الناس ويقدمون أنفسهم بكونهم تجارا ومنهم من يتملك بطاقة زيارة.

التجار الفوضويون أنقذوا العائلات من الجوع في العيد

الفراغ هو الذي يسمح للظواهر لأن تكون، ففي غياب تجارة رسمية محترمة، وفي غياب تجار حقيقيين يحترمون مهنتهم ويحترمون الزبائن معنويا وماديا باعتراف حتى وزير التجارة، ظهر التجار الفوضويون الذين استغلوا الغياب الكامل للجماعات المحلية، التي عجزت عن التواجد في الأماكن الضرورية، حيث أن بعض الشواطئ والمنتجعات السياحية الطبيعية من غابات ومنتزهات لا توجد فيها محلات، ولولا التجار الفوضويين الذين احتلوا المكان لهجر السياح تلك الأماكن.

وإذا كان شهر رمضان المعظم قد عرف ظاهرة طاولات الشواء التي لم يعد زبائنها مقتصرين على الشباب بل تحوّلت نحوها العائلات بقوة، حتى أن وجبات السحور كانت في الكثير من الأحيان عبارة عن شواء تم اقتناؤه من طاولات الشباب التي كانت تسهر إلى غاية السحور في الوقت الذي أغلقت المحلات الرسمية أبوابها، وقرر الكثير من المطاعم ومحلات الأكلات الخفيف التي دخل الكثير منها في عطلة طوال أيام شهر رمضان، وتواصلت العطلة إلى غاية عيد الفطر وما بعده من أيام، ويُجمع الجزائريون أنه لولا التجار الفوضويين لأصيبوا بالمجاعة الحقيقية خلال عيد الفطر المبارك حيث وفر لهم الشارع الحليب والماء المعدني واللحم، وحتى العائلات التي تحتفل بالأعراس بزيارات العيد لم تجد محلات وأسواقا مفتوحة الأبواب خلال أيام العيد فلجأت إلى الشارع لاقتناء الفواكه لأجل أخذها ضمن الزيارات التقليدية التي تشتهر بها الأسرة الجزائرية، وتكاد تتحول موائد الأكل بالنسبة للجزائريين مواد استهلاكية مقتناة من الشارع، وتكاد كسوة العيد أيضا تكون مقتناة من التجار الفوضويين، مما يعني أن التجارة الفوضوية أصبحت الآن في الجزائر حقيقية ودخلت البيوت في الأعياد وفي الأعراس وملجأ أيضا للمهاجرين، وخاصة للفقراء الذين هم مقتنعون أن التاجر الفوضوي يبيعهم سلعة بثمن أقل، ليس رأفة بهم وإنما لأنه لا يدفع فاتورة الكهرباء ولا كراء المحل ولا يدفع ضرائب.

حتى في باريس ونيويورك توجد التجارة الفوضوية

مع أن المقارنة غير واردة إطلاقا بين ما هو موجود عندنا وما هو موجود في الدول المتطورة، إلا أن التجارة الفوضوية موجودة في كل دول العالم، ففي باريس وأمام برج إيفيل تجد شبابا مغاربيين وآسيويين وأفارقة وهم يسرقون الأماكن وغفلة رجال الأمن لأجل أن يبيعوا أشياءهم، لكن الذي يعاقب عليه القانون في أوروبا هو الجرأة على بيع الخبز والحليب والبيض والجبن أمام المجاري القذرة والمزابل العمومية، ولا توجد الآن بضاعة لم تتحول إلى الشارع وإلى الأرصفة، ولأن التاجر الفوضوي هو الذي يختار مكانه وهو الذي يفرض وجوده، فإن بعض الشباب والكهول من الذين لهم أعمال قارة أو من الحاصلين على تقاعدهم لجؤوا لهاته الحرف المربحة دون أن يفرطوا في مهنهم الحقيقية.

والتجارة الفوضوية لم تعد موجودة في الشوارع والتجمعات السكينة بل غزت حتى الطريق السيار شرق – غرب الذي لم يكتمل بعد، خاصة في منطقة الأخضرية حيث يباع كل شيء بما في ذلك شواء طائر السنونو، وهذا بسبب تماطل السلطات في بعث محلات الخدمات مما جعل الكثير من الشباب يقتحم حرمة الطريق السيار. وتعتبر الجزائر البلد الوحيد في العالم الذي تمارس فيه التجارة الفوضوية على حافة الطرق السريعة، حيث يتوقف المسافرون ليشتروا الهدايا والفواكه ويتناولون وجبات الغذاء والعشاء في قلب الطريق السيار الذي لم يعد سيّارا بمفهومه الحقيقي ما دام يعطل الحركة ويضع حياة المسافرين في خطر، وستجد الدولة الجزائرية صعوبة كبيرة في دحر هذا الجيش من التجار لأنهم الآن موجودون في كل مكان سواء في القرى أو في المدن، وسواء في الأحياء التي هي عبارة عن فيلات فاخرة أو في الأحياء القصديرية.

لا يوجد جزائري لا يلجأ للتجار الفوضويين؟

أقسم تجار فوضويون في حديثهم للشروق اليومي على أن زبائنهم من كل الفئات من نساء ورجال، وقال أحدهم إن رئيس البلدية شخصيا يقتني منه بضاعته، واعترف آخر يمتلك شاحنة يبيع فيها كل أنواع الفواكه، بأن رجال نافذين ورجال أمن أمضوا الشهر الفضيل يبتاعون من عنده الخضر والفواكه، وأحيانا تتوقف سيارة الأمن أمام بائع متجوّل ليس لأجل منعه عن ممارسة نشاطه وإنما لأجل أن يشتري راكبوه وكلهم من رجال الشرطة ما يبيعه من فواكه بالخصوص، وحتى ولاة سابقين ووزراء سابقين يبتاعون الملابس والمواد الغذائية والسجائر من الطاولات المنتشرة في كل مكان، مما يعني أن الشعب الجزائري بأكمله قد دخل دائرة التجارة غير الشرعية بين بائع وزبون، وهو ما يجعل الجميع متورطا، والجميع متضررا، وحتى الأجانب الموجودين في الجزائر دخلوا دائرة التجارة الفوضوية في غياب مساحات تجارية محترمة تبيع بأثمان مقبولة، والمشكلة أن التجار الفوضويين متواجدون حتى في المساحات الكبرى وداخل الأسواق حيث يبيعون كل شيء، وهم بعيدون عن عين الرقابة التجارية ومصالح الضرائب.

بيع لعب الأطفال والسجائر والخضر والفواكه والهدايا والأزهار والخبز والحليب ومشتقاته خلال أيام الأعياد والصيف الحار ونهاية الأسبوع على قارعة الشوارع هو المشهد الوحيد لجزائر خسرت الكثير من المعارك الاقتصادية وهي تحاول الآن إصلاح ما أفسده دهر كامل من سوء التسيير.

مقالات ذات صلة