الجزائر
استحقت عن جدارة لقب "جوهرة المتوسط"

مستغانم.. وجهة سياحية بامتياز رغم نقص هياكل الاستقبال

ع. رحامنية
  • 1958
  • 0
أرشيف

مستغانم الولاية الساحلية الساحرة التي عرفت عاصمتها بجوهرة البحر الأبيض المتوسط تحتل موقعا حيويا بأبعاده الجغرافية والفلكية، إذ يعبرها مدار خط غرينتش عند بوابتها الغربية بقرية استيديا كأول نقطة بقارة إفريقيا، وتبقى مغارات الفراشيح أين ارتكبت فرنسا أبشع جرائمها بمغارة أولاد رياح عند بوابتها الشرقية معلما ماثلا عن جهاد أهلها التاريخي إبان الغزو الاستعماري، حيث تمتد على رقعة تبلغ مساحتها 2269 كلم مربع مع امتدادها على شريط ساحلي يناهز 154 كلم من بحارة شرقا إلى المقطع غربا، وتتوسط عدة ولايات بالجهة الغربية من البلاد على غرار وهران، معسكر، غليزان، الشلف، فضلا عن مؤهلاتها المتنوعة المعالم، وتراثها الثقافي الضارب جذوره في عمق التاريخ.

مناخ معتدل وتضاريس منبسطة
كما تمتاز الولاية بطبيعة مناخها المعتدل وتضاريسها المنبسطة في الغالب، إلى جانب ما تتوفر عليه من مساحات غابية بمناظرها الخلابة، حيث غالبا ما يمتزج طيف اللونين الأخضر الغابي بالأزرق البحري، مشكّلين مشاهد بانورامية على امتداد الواجهة المتوسطية، كما هو حال المناطق الداخلية، أين تنتشر المواقع التراثية من مقامات ومراقد لأضرحة أولياء الله الصالحين، كما هو الحال بالنسبة لمقرات الزوايا التي يناهز تعدادها إجمالا 39 موقعا، ناهيك عن فضاءات الترفيه على غرار حظيرة التسلية “موستالاند”، حيث الألعاب ومضارب الحيوانات متعدّدة الألوان والأنواع والأشكال بالضاحية الجنوبية من لؤلؤة البحر المتوسط، كما هو حال عدد مهم من الحدائق العمومية بعاصمة الولاية، على غرار ربوة “العرصة” وحديقة “الأمير عبد القادر” بقلب المدينة، إضافة إلى القرية السياحية بصابلات، التي بها عدد معتبر من المنتجعات والمركبات السياحية ذات الجودة العالية، الأمر ذلك جعلها قبلة سياحية بامتياز، ووجهة تستقطب كل موسم اصطياف عشرات الآلاف من الزوار القاصدين لها من كل حدب و صوب.
بالموازاة مع ذلك، فإن إقليم الولاية تتخلله شبكة طرقية واسعة، منها 3 طرق وطنية وازدواجية تربط الميناء التجاري ومحطة المسافرين البحرية بالطريق السيار شرق – غرب، ناهيك عن قربها الجغرافي من مطار وهران الدولي، واحتوائها على خط للسكك الحديدية يربطها بمدينة المحمدية بولاية معسكر، في انتظار تجسيد مشروعين آخرين هامين بغية ربط مستغانم بحاسي مفسوخ بوهران وغليزان، بالخطين الهامين لنقل المسافرين، لتظل بموجب ذلك منصة عبور حيوية باتجاه العالم الخارجي، بحكم قربها من الضفة الشمالية للبحر المتوسط وتحديدا السواحل الاسبانية بما لا يزيد عن 140 كلم فقط.
يومية “الشروق” من خلال تواصلها مع مختلف الجهات الوصية ذات الصلة بالقطاع السياحي ومؤهلاته، فإنها قد حاولت الإحاطة بكل الجوانب المهمة لخلق المنتج المثمر، فيما سجلت في الإطار نفسه، جملة من المصاعب والتحديات التي غالبا ما تقف حجر عثرة أمام الارتقاء بذات النشاط الخدماتي الاجتماعي، كما أنها تبقى تشكل عقبات أمام التحولات التي يعيشها القطاع الحيوي الذي تراهن عليه السلطات العليا، ليكون أحد الركائز المستحدثة للاقتصاد الوطني كرهان مستقبلي لخلق الثروة وفرص الشغل، مع اعتماده كعنصر من عناصر تجاوز الاعتماد على الريع البترولي للتخلص من التبعية بتبعاتها السلبية.

30 ألف دينار تكلفة ليلة في الفندق
وفرت السلطات الموسم الجاري، الذي أشرف على افتتاحه وفد وزاري قاده وزير الداخلية يوم 22 من شهر جوان المنصرم، مزيدا من الشواطئ المحروسة على طول الشريط الساحلي الممتد على مسافة تقارب 154 كلم، بلغ تعدادها 59 شاطئا، بإضافة 14 محطة استجمامية جديدة مقارنة بالموسم المنصرم، بها كل ظروف الاستراحة، الأمن والأمان، ليظل أشدها جذبا وفق ما وقفت عليه يومية الشروق بحر الأسبوع الجاري بعد جولة استطلاعية عبرنا من خلالها ما يناهز 10 شواطئ بالجهتين الشرقية والغربية، شاطئ “صابلات” أو “الرمال الذهبية”، التابع إقليميا لبلدية مزغران المتاخمة لعاصمة الولاية مستغانم، حيث تتواجد به أوسع قرية سياحية، التي تتوفر على مجموعة من المركبات والفنادق والبانقالوهات المتراصة، لتشكّل، حسب مصادرنا، من مصالح مديرية السياحة، ما يتجاوز 90 بالمائة من المرافق التي تتوفر عليها الولاية، باعتبارها أقدم منطقة استثمارية سجلت بها عدة عمليات لإنجاز مشاريع جعلت منها قطبا جهويا ووطنيا يقصده خصوصا الأثرياء، بفعل غلاء أسعار الكراء بها، إذ تسجل على مستواها الأرقام القياسية، بما لا يقل عن 30 ألف دينار للغرفة الواحدة خلال 24 ساعة فقط مقابل خدمات متفاوتة.
ذات الشاطئ المترامي الأطراف بخصوصياته الطبيعية وبحكم توفره على مرائب لركن السيارات بمساحات شاسعة فضلا موقعه المحاذي للطريق الوطني رقم 11 الساحلي، بات وعلى مدار الأيام والساعات مقصدا لتدفق الأمواج البشرية من كل جهات الوطن، حيث رصدت “الشروق” بالمناسبة، آراء العديد من الزوار الذين أجمعوا على مدى جمالية المكان، الذي به كافة سبل الراحة والاحترام، فضلا عن الأمن والسكينة، رغم الأعداد الهائلة من المصطافين المتوافدين، وأعرب الضيف “عبد الرحمان” من ولاية المنيعة، الذي كان رفقة مجموعة من الشباب من أبناء تلك الولاية الصحراوية، عن السعادة التي تغمره طوال أيام مكوثه بذات الشاطئ الذي يكتشفه لأول مرة، وكله انبهار بالمناظر الطبيعية الجذابة.
فيما عبّرت السيدة “حليمة” من ولاية معسكر، كانت رفقة أفراد عائلتها، عن سرورها وغبطتها بفعل توفر أجواء الراحة والاستمتاع خصوصا للأبناء الصغار حسبها كما هو حال الكبار، مشيرة في ذلك، كما أوضح لنا سائق العائلة، وهو الابن البكر، إلى قضاء جل أيام العطلة تحديدا خلال شهر أوت بذات المنتجع الصيفي المأهول طوال النهار في الاستجمام والسباحة، والرجوع مساء إلى الديار بحكم قرب المسافة التي لا تتجاوز، حسبه، 180 كلم بين الرواح والمجيء، مع توفر السيارة العائلية التي تيسّر الحركة، في ظل الارتفاع الفاحش، حسبه، لأسعار شتى الخدمات والمتطلبات اليومية، مثل ما هو الحال على مستوى الفنادق وكراء المنازل من أهلها.
ما جمعناه من آراء للمصطافين بذات الشاطئ، على غرار بقية الشواطئ الأخرى التي ذاع صيتها على غرار أوريعة، عين إبراهيم، الميناء الصغير، الشلف، بحارة كلوفيس وغيرها، هو اتساع دائرة الطلب على كراء الشقق من أصحابها، في خضم توافد العدد الهائل للزوار، مما أضحى يصعب المأمورية ويحدث اختلالات في ذات المجال، في ظرف باتت فيه السكنات وشتى أنواع المحلات عبر مختلف الأحياء، القرى والتجمعات السكانية المحاذية للشواطئ، تتحول صيفا إلى مراقد وفضاءات، تلجأ إليها العائلات المتدفقة من مختلف الولايات الداخلية والصحراوية هربا من لفح الحرارة ومعدلاتها القياسية، إلى حد تحول فيه كل ركن وبيت صغير أو مرآب، وحتى الباحات والساحات إلى محطات للإقامة، يتم كراؤها خارج كل القواعد المقبولة، لتتكدس بها أعداد مضاعفة من شتى الفئات العمرية.

شقة لأربع عائلات؟!
هذه الظاهرة عاينتها “الشروق” بحي صلامندر بالضاحية الشمالية من مستغانم المدينة، أين أضحت الشقة الواحدة على سبيل الحصر المتكونة من 3 غرف قابلة لاستقبال 4 عائلات من عدد مرتفع من الأفراد، تؤجر مقابل سعر يتجاوز 15 ألف دينار لليلة الواحدة، كما هو الحال بقرية أوريعة وغيرها من المواقع الأخرى، حيث تستغل كل المساحات وتركن بها المركبات من مختلف ولايات الوطن، بالموازاة مع ذلك، فإن النشاطات الموسمية، على غرار خدمات المقاهي والمطاعم، فإنها لا تتوقف على مدار الساعات، فيما يسجل المصطافون بخصوصها تضاعف أسعار المأكولات والمشروبات، كما هو أمر الخضر والفواكه المتنوعة، أمام اتساع رقعة الطلب، فيما رغيف الخبز يصعب أمر الحصول عليه، في وقت يتزاحم فيه الجميع على مستوى المخابز بشكل غير مألوف خلال مواسم الاصطياف، ومع غياب كافة المعايير المنظمة لها وبدون شفقة من الباعة على المستهلكين الذي لا مفر لهم غير الخضوع لمنطق الجشع وتحين الفرص. وفي ذات الصدد ووفق مصالح مديرية السياحة، فإنه سجل خلال الموسم المنقضي توافد ما يزيد عن 15 مليون مصطاف، زاروا الشواطئ المحروسة، كما أنها تتوقع أن يرتفع العدد الموسم الجاري.

آفاق واعدة
رغم نقص الهياكل الفندقية وحظيرة الأسرّة، إلا أن الآفاق المستقبلة باتت واعدة، حيث أضحت الولاية اليوم تتوفر على 16 منطقة للتوسع السياحي، تتربع على مساحة تناهز 4300 هكتار، بالموازاة مع تسجيل تواجد 41 مؤسسة فندقية مشغلة، تسهم في توفير طاقة استيعابية تقدر بـ4800 سرير، فيما يتواجد 13 مشروعا قيد الإنجاز سوف تسهم في إضافة 1500 سرير في الآفاق المستقبلية القريبة، مثل ما أكدت عليه المصالح الوصية، بالموازاة مع توفر حوالي 19 مخيما صيفيا بطاقة استيعابية تناهز خلال موسم الاصطياف 5 آلاف سرير، منتشرة على طول الشريط الساحلي.
ويرتقب بفعل التسهيلات التي ما فتئت تعتمدها السلطات الولائية، أن تشهد الأشهر المقبلة تضاعفا لعدد المشاريع الاستثمارية في ذات القطاع على مستوى مناطق التوسع السياحي 16 بمختلف جهات إقليم الولاية.

السياحة الدينية لا تعترف بالموسمية
على عكس السياحة الشاطئية التي تنشط صيفا فقط، حيث تغيب الحركة بالمركبات والمنتجعات التي غالبا ما تغلق أبوابها طوال المواسم المتبقية، فإن السياحة الدينية بمستغانم غالبا ما يستمر نشاطها على مدار أغلبية أشهر السنة، بفعل ما تتوفر عليه الولاية من معالم تراثية ذات طابع ديني، على غرار الزوايا ومقامات أضرحة أولياء الله الصالحين، حيث يتواجد عبر الإقليم حوالي 39 موقعا تظل محجا للزائرين، الموردين، الأحفاد، المحبين والأتباع، على غرار مجموعة الزوايا القادرية بفروعها، البوزيدية، العلاوية، الهبرية، البوتشيشية، حيث تشتمل مستغانم على 10 زوايا، منها 5 أصلية، أقدمها زاوية الشيخ بلحول بمنطقة وادي الخير، التي لها أتباع من مختلف ولايات الوطن، يتوافدون على مشايخها باستمرار، كما هو الحال بشأن جمع الزاوية البوتشيشية للشيخ سي بلقاسم الشليلي.
إلى جانب ذلك، تظل مستغانم تشتهر بوعداتها أو ما يسمى بـ”الطَّعْم” التي تنتظم على مدار مواسم الربيع والصيف والخريف، والتي تستقطب عشرات الآلاف من الزوار يأتونها من كل ربوع الوطن، وخارجه من أبناء الجالية، حيث تقام على مشارف مقامات الأولياء حفلات تدوم عدة أيام متواصلة، تلتقي فيه العروش للتزاور وتبادل المشورة، مع توثيق أواصر التعارف وقيم المحبة، إذ نذكر في هذا المضمار، البعض من نماذجها، على غرار وعدة العلامة الشيخ المرابط سيدي عبد الله الخطاب الإدريسي الحسني، ومناسبات أخرى مماثلة، تجذب إليها هواة سباقات الخيل وألعاب الفروسية، حيث تنتظم مجالس الذكر والتلاوات القرآنية الجماعية، ويلتئم فيها شمل حفاظ كتاب الله، إضافة إلى الاستماع لدروس الوعظ والإرشاد والدعاء للأمة في سبيل رشدها ووحدتها، وكذا إحياء المواعيد التراثية والفكرية حفاظا على مقومات الأمة وثوابتها .كما اعتادت مستغانم كل سنة، على احتضان مهرجان المجاهد سيدي لخضر بن خلوف ومآثره الشعرية.
في وقت تبقى فيه عاصمة الولاية زاخرة بمعالمها الأثرية على شاكلة أحيائها العتيقة، التي تشمل مواقع تراثية تظل ماثلة إلى حد الآن، على غرار حي الطبانة الذي يتواجد به المسجد العتيق، الذي يرجع تاريخه إلى 7 قرون مضت، فضلا عن تجمعات كل من تيجديت والمطمر الذي به ضريح مؤسس مستغانم الحديثة سيدي عبدالله الخطابي العالم الجليل، إضافة إلى “دار القايد” البناية التي ترجع إلى العهد العثماني، ناهيك عن مواقع أخرى بكل من بلدية السور التي تحمل اسم الحصن الموحدي الذي يعود إلى القرن 11 ميلادي، وبرج الترك، ومنارة أيفي، وغيرها من المواقع التي يبقى العديد منها خارج مجال الانتفاع السياحي، كما أشارت إلى ذلك قيادة جمعية كنوز مستغانم للبحث التاريخي، التراث وحفظ الذاكرة الوطنية، على لسان نائب رئيسها الأستاذ عبد القادر فاضل، الذي دعا السلطات إلى ضرورة الاستثمار الحقيقي في ذات المواقع، مع العمل لغرض إنشاء متحف للآثار بالمدينة، ليكون فضاء حيويا للتأريخ لمختلف الحقب وكذا صون الذاكرة الجماعية.

زخم ثقافي
وفي ذات الصدد، استضافت مستغانم خلال شهر جويلية المنقضي، المهرجان الوطني لمسرح الهواة، الذي يعد أقدم تظاهرة ثقافية بالوطن، يرجع تاريخ انطلاق أول طبعة له إلى سنة 1966 ميلادية، إلى جانب المسرح المدرسي، وعديد التظاهرات، التي غالبا ما تكون محل جذب للسياح، في ظرف تبقى فيه حظيرة التسلية والترفيه العائلي بدورها محطة لاستضافة آلاف الزائرين من العائلات المتوافدة، حيث يشتد التدفق على ذات الموقع خلال ساعات الليل المتواصلة إلى غاية ساعات الفجر بدون ملل أو كلل، في خضم الأجواء المنعشة، بفضل نسائم البحر والهواء العليل، بحكم محاذاة الفضاء لساحل البحر، كما عايشت تلك الأجواء يومية “الشروق”، أين صادفت عائلات من شتى جهات الوطن، اختارت مستغانم وجهة لها لقضاء عطلة الصيف، أين تستشعر ترحاب أهلها وما يتميزون به من حسن الضيافة، الجود والكرم، فيما سجل الموسم الجاري إحداث تغييرات على عدة مواقع سياحية، سجلت بها تحسينات وترميمات، على شاكلة الواجهة البحرية لصلامندر، وحديقة 20 اوت بتلة العرصة وغيرها.

مقالات ذات صلة