الجزائر
السفير الفرنسي بالجزائر أندريه باران في حوار لـ "الشروق":

مستقبل‮ ‬سوريا‮ ‬لن‮ ‬يكون‮ ‬في‮ ‬يد‮ ‬بشار‮ ‬ولا‮ ‬جبهة‮ ‬النصرة

الشروق أونلاين
  • 12055
  • 18
الشروق
سفير فرنسا بالجزائر أندريه باران

ينفي السفير الفرنسي في الجزائر، أندريه باران، تقدم بلاده بطلب إلى الجزائر لإلغاء قاعدة الاستثمار 51 /49. ويعتبرها مسألة ذات سيادة للدولة الجزائرية، ويدافع عن حضور الشركات الفرنسية في الجزائر والتي حققت بحسبه 40 ألف فرصة عمل مباشرة. ويذكر الدبلوماسي الفرنسي في هذا الحوار مع “الشروق”، أنه جرى تسليم 100 ألف تأشيرة للجزائريين لدخول التراب الفرنسي في النصف الأول من السنة، وقدر عدد الممتلكات العقارية للأقدام السوداء بـ 60 حالة.

في الشأن الدولي، يشرح أندريه باران، نظرة باريس إلى الضربة العسكرية المزمع القيام بها ضد نظام بشار الأسد، فيصنفها في خانة الضروري بعد “تعنت” بشار الأسد وإصراره على النهج العسكري في الأزمة. 

 

 يفضل العالم أكثر فأكثر المصالح الاقتصادية على التدخلات العسكرية في الوقت الذي تواصل فيه فرنسا حشد قواتها بالقرب من الحدود الجزائرية، في ليبيا والنيجر ومالي وكذلك في مصر. وها هي تؤجج الحشود لمهاجمة سورية. فلماذا هذا اللجوء إلى استخدام القوة بما أن الديبلوماسية قادرة على وضع حد للأزمات في كل أنحاء العالم؟ 

أندريه باران: بما أنني ديبلوماسي، سأكون سعيدا جدا بأن تكون الديبلوماسية قادرة لوحدها “على وضع حد للأزمات في كل أنحاء العالم”! ولكن كما تعرفون فإن الواقع مختلف، ففي مواجهة الأنظمة الشرسة، ثمة عناصر قسرية تكون ضرورية بعض الأحيان للسماح بشكل محدد للديبلوماسية ببلوغ أهدافها. ولقد بين لنا التاريخ ذلك في مناسبات مختلفة. 

  فالحالة السورية، من وجهة النظر هذه، هي بمثابة رمز، إذ يعني الحل السياسي بأن يفهم بشار الأسد بأنه لن يتمكن من الغلبة عبر استخدامه الأسلحة. فالنظام الواثق من قدرته على كسب المعركة عسكريا لن يكون لديه أي سبب للانخراط في عملية انتقال سياسية. لكن النظام السوري رفض حتى الآن أي حل سياسي للأزمة.

 أما نحن فأكدنا دائما بأن حل الأزمة سياسي، ولقد تحركنا في هذا الاتجاه، سواء في إطار مجموعة أصدقاء سورية أم في الأمم المتحدة. وللأسف، بقي مجلس الأمن معاقا منذ أكثر من سنتين حول هذا الموضوع بفعل الفيتو الروسي والصيني. نحن نعتزم مواصلة جهودنا لصالح الانتقال السياسي.

 

اعتمدت باريس موقفا مخالفا لمواقف العديد من الدول في ما يتعلق بالتدخل العسكري في سورية، فما هي الأسباب التي تبرر الهجوم، في الوقت الذي نخشى فيه تكرار السيناريو الليبي، ناهيك عن الرأي العام الفرنسي الذي يعارض مثل هذا العمل؟

أندريه باران: شقت فرنسا الطريق منذ بداية الأزمة السورية، ودفعت المجتمع الدولي للحاق بها، ليس لدينا ما نخجل منه لأننا كنا سباقين حين يتعلق الأمر بالدفاع عن شعب يُذبح. فغالبية الدول تساند مبدأ رد الفعل المتناسب. وأدانت جميعها، ومن دون استثناء، استخدام الأسلحة الكيماوية.

 فالاتحاد الأوروبي ولكن أيضا بلدان كأستراليا والعربية السعودية وتركيا وبلدان مجلس تعاون دول الخليج العربية قد أعلنوا بوضوح مساندتهم لرد حازم. والاتحاد الأوروبي أدان بشكل حازم المذبحة واشترط تحميل المسؤولين وزر جرائمهم. وسنواصل التشاور حول آفاق التحرك مع شركائنا الأوروبيين. ودعت الجامعة العربية مرتين المجتمع الدولي “لاعتماد تدابير ردع ضرورية ضد المسؤولين عن هذه الجريمة، ومن المفهوم أن المقصود هو النظام السوري”. وانضمت منظمة التعاون الإسلامي إلى هذا الصوت الإقليمي القوي للمطالبة برد فعل.

 أما بالنسبة إلى سؤالكم عن تكرار السيناريو الليبي، فلا يجوز الوقوع في الخطإ حيث إن زعزعة استقرار المنطقة هي حقيقة واقعة بالفعل بسبب النظام السوري. إذ ينشر النظام العنف ويصدر حربه إلى لبنان، مع تورط حزب الله في ساحة المعركة السورية. فالاعتداءات التفجيرية التي ضربت لبنان مؤخرا، في بيروت وطرابلس هي انعكاسات مباشرة للأزمة السورية. والنظام انتهك مرارا سيادة تركيا ولبنان، عبر لجوئه إلى أعمال عنف عابرة للحدود. إن موجات اللاجئين ـ يبلغ عددهم الآن مليونين- الذين يجدون ملاذا لهم في البلدان المجاورة يرمون بثقلهم على توازنات هذه الدول. إذ بات اللاجئون السوريون يشكلون ربع سكان الأردن أو لبنان.

هدف تحركنا بالضبط هو تجنب زعزعة استقرار المنطقة بشكل متزايد. فترك العنان لبشار الأسد يعني غض الطرف عما يخيم من تهديد بوقوع اعتداءات تفجيرية من هذا النوع، ليس ضد الشعب السوري فحسب بل أيضاً ضد البلدان المجاورة. فكل يوم يمر، يعزز الرئيس السوري قدرته على إلحاق الضرر بكل المنطقة. يجب وقفه عند حده.

 بطبيعة الحال، لو كان النظام السوري مستعدا، كما يقول، لوضع برنامج الأسلحة الكيماوية لديه تحت الإشراف الدولي وتفكيكه، فقد يستحق هذا الدرب أن يتم استكشافه.

ولهذا السبب اقترحت فرنسا مشروع قرار في مجلس الأمن يدين المجزرة التي ارتكبها النظام السوري، مشترطاً على هذا النظام بأن يضع برنامج الأسلحة الكيماوية لديه تحت إشراف دولي ويفككه، ووضع آلية كاملة للتفتيش والمراقبة، وتحديد تبعات جدية للغاية في حال خرق سورية لالتزاماتها، ومعاقبة مرتكبي المذبحة الكيماوية التي جرت في 21 أوت أمام العدالة الجنائية الدولية.

 

 فرنسا أكدت أن العملية العسكرية في مالي كانت تهدف إلى استئصال المنظمات الإرهابية. ألا يفتح سقوط الأسد الطريق أمام المجموعات المسلحة المتطرفة في سورية؟

أندريه باران: على العكس، إذا تُركت هذه المجزرة من دون رد فإننا نترك المجال مفتوحاً للمتطرفين. فالفوضى واليأس يغذيان الإرهاب والتطرف في سورية كما في غيرها من البلدان. الوقت يلعب لصالح المتطرفين وأعداء السلام.

لا يقوم مستقبل سورية على الخيار بين بشار وجبهة النصرة، بين الدبابات والإرهابيين. تقوم سياستنا على مساندة وتقوية المعارضة المعتدلة التي يقودها الرئيس الجربا الذي نبذ بطريقة واضحة جدا الإرهاب واستخدام الأسلحة الكيماوية، والذي يريد بناء سورية جديدة ديموقراطية تحترم الأقليات.

أما بالنسبة إلى تدخلنا في مالي، فإن الماليين أنفسهم طلبوه، ثم أشاد به المجتمع الدولي كنموذج لتكريس عودة النظام الدستوري إلى بلد تهدده المجموعات الإرهابية. واليوم تنتشر قوة تابعة للأمم المتحدة في مالي ويستقر الوضع شيئاً فشيئاً. لقد انتخب الماليون رئيساً جديدا ولديهم حكومة جديدة. وتم إضعاف المجموعات الإرهابية في شمال البلاد وفُتح الطريق مجددا للمصالحة بين مختلف الجماعات.

 

ألا تتخوفون من رد فعل النظام الذي يرى بأن لديه الحق المشروع للدفاع عن نفسه، حتى ولو كان كما تقولون، يمتلك أسلحة كيماوية، قد يستخدمها ضدكم أو ضد إسرائيل؟ وكيف سيكون رد فعلكم في حال قررت إيران الدخول في اللعبة؟

أندريه باران: من غير الوارد أن تخضع فرنسا للابتزاز مهما كان شكله. وهذا من شأنه إطلاق يد بشار الأسد لكي يواصل سياسته الإجرامية ويستمر بزعزعة استقرار المنطقة.

 

دائماً يشتكي العديد من الجزائريين من صعوبات الحصول على تأشيرة فرنسية. فما هي المعايير الضرورية لكي يتم قبول ملف ما؟ وما هو عدد التأشيرات الصادرة هذا العام، وهل هناك تسهيلات في الأفق؟

أندريه باران: تم إصدار أكثر من 100000 تأشيرة في النصف الأول من عام 2013، وهذا ما يعادل زيادة بنحو 30 في المئة في غضون عامين، وبمعدل سنوي. وزاد عدد التأشيرات التي تم إصدارها بسرعة أكبر، أكثر من الطلب، الذي زاد بـ 40 في المئة في المرحلة ذاتها. بالإضافة إلى ذلك، طورنا بشكل ملحوظ إعطاء تأشيرات مرور وتنقل تمثل حالياً حوالي 40 في المئة من التأشيرات التي يتم إصدارها (50 في المئة في الجزائر العاصمة، وهذا رقم قياسي). إذا، إنه جهد ضخم قد بُذل، ونحن طبعاً سنستمر به.

عقارات “الأقدام السوداء” بالجزائر 60 حالة فقط معروفة لدى السفارة

وعليه، يتعين ألا يُنظر إلى إشكالية التأشيرات من اتجاه واحد. إنها نظرة جزئية جدا، كما سبق وقلت ذلك. إن قضية التأشيرات من الجزائر إلى فرنسا، ولكن أيضاً من فرنسا إلى الجزائر، هي موضع اهتمام قوي جدا لدى سلطات بلدينا، ونحن نتحاور باستمرار حول السبل الكفيلة بتسهيل التبادلات في كلا الاتجاهين.

 

تستفيد فرنسا غالبا من العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وتتجنب باريس دائماً نقل تكنولوجيتها إلى الجزائر عبر مشاريع مشتركة… فبنظركم لماذا تعمل الشركات الفرنسية الراغبة في الاستثمار في الجزائر على الفوز بمشاريع ضخمة جدا مع أنها تبذل حدا أدنى من الجهود، وتفضل الاستثمار في قطاعات تقتصر على النفط والخدمات بدل المغامرة في قطاعات قد تكون منتجة ومربحة بالنسبة إلى الطرفين؟ وهل ما زال طلبكم بإلغاء قاعدة 49/51 قائما؟

أندريه رابان: تبدو لي رؤيتكم قاسية جدا: فعلى العكس، إذ إن الأمثلة على الشراكات بين الشركات الفرنسية والجزائرية عديدة. فالوجود الفرنسي هنا متنوع جدا (المواد الغذائية والصناعة والصيدلة)، وليس متركزا بقطاع النفط. ثمة 450 شركة فرنسية موجودة وتساهم في خلق فرص عمل في الجزائر، يصل عددها إلى 40000 فرصة عمل مباشرة و100000 فرصة عمل غير مباشرة. ونقل التكنولوجيا والمهارات هو أمر واقع بالنسبة إلى غالبية هذه الشركات لأن لديها يدا عاملة جزائرية مؤهلة. وتتمنى فرنسا تطوير هذه الشراكات، ولهذا السبب نظمنا منتدى كبيرا للشراكة في ماي المنصرم. وكانت نتائجه واعدة جدا بالنسبة إلى الاستثمارات الجديدة.

وفي ما يتعلق بقاعدة 49/51، فإننا لم نطلب أبدا إلغاءها: إنها تتعلق بالسيادة الجزائرية الكاملة ولقد حققت الشركات الفرنسية وفق هذه القاعدة (ألستوم وأكسا ورينو على سبيل المثال لا الحصر) العديد من الاستثمارات المهمة.

 

جرى حديث عن طلب فرنسي من الجزائر، لاسترجاع 30 ألف ملكية عقارية، وتم الإشارة إلى وجود اختلاسات تتعلق بممتلكات الأقدام السوداء لإعادة ممتلكاتهم، هل من توضيح في المسألة؟

أندريه باران: المعلومات المنشورة حول هذا الموضوع لا أساس لها من الصحة. فالممتلكات العقارية المطروحة لا تمثل 30000 حالة بل 60 حالة معروفة من قبل السفارة. ولم يُعلن عن أنها شاغرة ولا مؤممة. إذ يملكها أشخاص لم يغادروا الجزائر أبدا ويبقون أصحابها الشرعيين. وفيما يتعلق بقضية جنسن التي تطرقتم إليها بشكل مطول في مقالكم، أرى أنه من المهم التذكير بأن القضاء الجزائري سوف يحسم قريباً القضية بالعمق وبالتالي ينبغي ترك القضاء ليقول كلمته. نحن نأسف لعمليات الخلط التي لا يمكنها إلا المساهمة في وضع عقبة أمام حل هذه الحالات، التي هي موضع مناقشات دورية بين السلطات الجزائرية والسلطات الفرنسية. ونحن نشجع جريدتكم في المستقبل على التحقق من هذه الأخبار قبل النشر.

مقالات ذات صلة