اقتصاد
وزير الفلاحة الأسبق نور الدين بحبوح في حوار لـ"الشروق":

مسح ديون الفلاحين كرّس الفساد والدعم في فائدة السماسرة

الشروق أونلاين
  • 3447
  • 0
بشير زمري
وزير الفلاحة والصيد البحري سابقا نور الدين بحبوح

يقدّم وزير الفلاحة والصيد البحري سابقا نور الدين بحبوح صورة سوداوية عن واقع القطاع في الجزائر، ويؤكد في حوار لـ”الشروق”، أنّ الحكومة قد خسرت خلال السنوات الأخيرة أموالا طائلة في سياسة الدعم دون أن تجني منها شيئا، والسبب في اعتقاده، هو افتقادها لرؤية إستراتيجية طويلة المدى، ما جعل تلك المساعدات تدخل جيوب المضاربين الذين لا علاقة لهم بالفلاحة، وحتّى القرار السياسي بمسح ديون الفلاحين، يعتبره المتحدث من دون فائدة عمليّة، بل أكثر من ذلك، فاقم الأزمة بتكريس الاستغلال والفساد عن طريق المحسوبية والارتشاء.

مثلما ينتقد نور الدين بحبوح قانون الامتياز الفلاحي، لأنه مكّنالبزناسيّةمن السيطرة على العقار الفلاحي بصفة غير قانونية، هذا الأخير الذي يرى أن الدولة قد عجزت عن تسوية مشاكله، ليبقى من أهمّ عوائق القطاع في بلادنا، منبّها إلى أن الجزائر تنفق الملايير على أراض ضعيفة المردودية.

وللخروج من هذه الوضعية، يقترح الوزير الأسبق للقطاع، إنشاء مجلس أعلى للفلاحة والتغذية يتولّى رسم السياسة الفلاحية في الجزائر.

 

كيف تشخصون واقع قطاع الفلاحة اليوم في الجزائر؟ 

يعد قطاع الفلاحة ركيزة هامة من ركائز الاقتصاد الوطني إلى جانب الصناعة والسياحة، وإذا أردنا تشخيص قطاع الفلاحة بكل موضوعية اليوم، فلا بد أن نعترف بأن القطاع لم يعرف قفزة نوعية حقيقية، ومازال يعاني رغم كل الإمكانيات المسخرة له، وهذا راجع أساسا إلي الأسباب التالية:

– عدم وجود رؤية إستراتيجية طويلة المدى من طرف السلطة.

مشكل العقار الذي مازال يعاني من تعدد القوانين المتناقضة فيما بينها في بعض الأحيان.

سياسات الدعم غير الناجعة والتي تصب أساسا في فائدة المضاربين والوسطاء.

 

إذن تعثرت الدولة في النهوض بالقطاع رغم إنفاقها ملايير الدولارات؟

تعثر الدولة بنهوض بالقطاع راجع إلى ما أجبت به على سؤالكم الأول، وللمزيد من الشرح فمن الواجب علينا أن نتساءل:

 – هل سياسة الدعم المنتهجة إلى غاية اليوم تصب مباشرة لتحسين وتطوير الإنتاج؟

 – هل هذه السياسة أثّرت بصفة مباشرة على أسعار المنتجات الفلاحية ورجعت بالفائدة على المستهلك؟

 – هل تراجعت فاتورة استيراد المواد الفلاحية؟

الجواب: في الواقع، كلنا يعرف بأن المستفيدين الحقيقيين من سياسة الدعم معظمهم من المضاربين والأشخاص الذين لا علاقة  باشرة لهم في الميدان بالفلاحة وبالقطاع، وغالبا ما يتمّ ذلك بتواطؤ مع بعض المشرفين محليا، يستفيدونببطاقة الفلاح، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أرباب العمل يلتحقون بالقطاع هروبا من الجباية، وللاستفادة من الإعفاء الضريبي من خلال عملية شراء وكراء الأراضي الفلاحية من طرف المستفيدين.

أما فيما يخص تأثيرها على أسعار المنتج الفلاحي فحدث ولا حرج، لا استقرار في الأسعار و لا تنظيم، بل نتحدث عن عشوائية الأسعار، والدليل تعدد الأزمات في المنتجات واسعة الاستهلاك في عديد من المرات.

أما قضية الاستيراد باعتراف من الحكومة، فالفاتورة تعرف منذ أكثر من اثنتي عشرة سنة زيادة معتبرة، بحيث وصلت في السنة الأخيرة ما يقارب 10 ملايير دولار، هذا دليل واضح بأن سياسة الدعم المنتهجة إلى حد اليوم لم تأت بالنتائج المسطرة لها.

هذا يدفعني أن أقول بأن كل سياسات الدعم غير المباشرة للمنتج غير ناجعة، فمن المفروض أن يكون الدعم موجها مباشرة لعملية الإنتاج، وبصفة أوضح يدعم الفلاح حسب منتجه.

 

الجميع يتفّق على أن العقار الفلاحي من أهم مشاكل القطاع، فمن جهة يشتكي  المزارعون من نقص المساحات المسقية، ومن جهة أخرى تتحدث التقارير عن تحويل الأراضي الخضراء، ما هو تقييمكم لهذه الأزمة؟

العقار بصفة عامة والعقار الفلاحي خاصة يمثل لبّ المشكل، إلى حد الآن كل القوانين التي صدرت في هذا الشأن لم تسوه نهائيا، بحيث أن تسوية المشكل لم تطرح في إطار نظرة شاملة تأخذ بعين الاعتبار العقار الفلاحي ككل.

فعلا إنه يعد من العوائق الأساسية أمام تحرير القطاع، هناك مغالطة ألا وهي أن اهتمام المسؤولين متمركز على الأراضي المعنية في القانون 190/87، والتي كانت بحوزة المعمرين قبل 1962، وهي تقدر بحوالي 2.6 مليون هكتار فقط، في الوقت الذي تسجل شبه إهمال لباقي الأراضي الفلاحية.

تجدر الإشارة إلى أن المساحة الإجمالية تقدر بـ47 مليون هكتار منها 39 مليون هكتار رعوية، غابية وحلفاء.

وللوضوح أكثر أكتفي بذكر ثلاث محطات فيما يخص التشريع:

1 / حيازة الملكية العقارية عن طريق الاستصلاح: قانون رقم 38/18 بتاريخ 13 أوت 1983، الطبيعة القانونية مفصول فيها: ملك.

2 / إعادة تنظيم القطاع الفلاحي العمومي: قانون 87/19 بتاريخ 8/12/1987، الطبيعة القانونية: امتياز، وهي محل أخذ ورد، مما أدى إلى انفصال الفلاح عن الأرض التي لا يعتبرها ملكا له.

3 / قانون التوجيه العقاري: قانون رقم 90/25 بتاريخ 18/11/1990:  أثار نزاعات عديدة، لأنه لم يتكفل بالمسائل المتعلقة بأراضي العرش، وكذا التابعة للبلديات والتابعة للدولة.

وعليه اعتبر أن مشكل العقار مازال مطروحا، وأنه ساهم بقسط كبير في ركود القطاع، وأدى إلى عدم استقرار وفقدان الثقة داخل أوساط الشركاء الفلاحيين، وضف على هذا تحويل الأراضي الخصبة لمشاريع بناء، في الوقت الذي نجد أن السلطة تنفق مبالغ ضخمة من أجل إصلاح أراض ذات مردود ضعيف.

 

لكن الجزائر أقرّت قبل خمس سنوات قانون استغلال الأراضي الفلاحية التابعة للدولة، إلى أي حد ساهم ذلك في تحرير مبادرات الاستثمار في القطاع؟

هذا السؤال مرتبط بالسؤال الثالث، وللمزيد من التوضيح وبخصوص قانون الامتياز، والذي أتى من أجل تعديل وإتمام القانون 87/19، والذي جاء في مفهوم السلطة ليطمئن ويسهل كل العمليات الاقتصادية الخاصة بالقطاع الفلاحي، والملاحظ الآن أنه جاء بنتيجة عكسية، أين أصبحت الأراضي الفلاحية موضع مضاربة وبزنسة في سوق عقارية غير قانونية، في ظل الغياب الكامل للدولة، الشيء الذي يدل على فشل الرؤية  التي يتضمنها هذا القانون.  

 

البعض يشدد على ضرورة انسحاب الدولة من الإنتاج والاكتفاء بدور المراقب والمخطط، من خلال فتح مجال الاستثمار للخواص، هل تعتقدون بجدوى هذه المقاربة؟

إلى حدّ ما نعم، على السلطة أن تقوم بدور المراقب والمنظم للقطاع وترك الإنتاج للخواص، شريطة أن تقوم في نفس الوقت بتقوية الدواوين العمومية والمعاهد  المتخصصة في البحث وتطوير الإنتاج، وجعلها تلعب دورا استشرافيا في مجال عصرنة القطاع وإدماجه من أجل مواكبته للمستوى العالمي (بذور جديدة، تقنيات متطورة…) وهذا يمثل وسيلة من وسائل الدعم للقطاع.

الوزير الحالي أعلن عن التحضير لتصور جديد، يقوم على تشجيع الشراكة المحلية بين أصحاب المال والملاك بقاعدة (مالك ومستأجر)، إلى أي مدى يمكن تجسيد هذه الفكرة بالنظر للواقع؟

صراحة لم أفهم مقصد هذا الاقتراح، إذا كان المقصود هو تسهيل تمويل الفلاح، أنا أفضل أن تأتي عبر قروض بنكية، مثلا أن تعطي الدولة قروضا بدون فوائد أو بفوائد رمزية، وإذا كان فلاح مالك لديه نية الشراكة، فهو حر في ملكيته ولا داعي للدولة أن تقنن ذاك.

 

نقص اليد العاملة كذلك في المجال الفلاحي بات يمثل أهم مؤشر سلبي يعاني منه القطاع، لماذا تراكم هذا المشكل برأيكم وكيف نتخلص منه؟

إن سياسة التشغيل المنتهجة من طرف الدولة إلى حد الآن، هي السبب الأساسي لهذا العجز، فالشباب أصبحوا يفضلون الربح السهل من خلال كل التسهيلات المالية التي تعطى لهم من طرف الدولة، والتي لا تخدم هذا القطاع ولا الاقتصاد عموما. هذا ينعكس سلبا على الإنتاج والإنتاجية حتى أصبحت بعض الأراضي متروكةبور“. الملاحظ أن هذه الظاهرة أصبحت شبه عالمية مع الفرق بين بلدنا والبلدان المتطورة، فهم قد أدخلوا الآلات الميكانيكية المتطورة من أجل الحد من هذا المشكل

 

فيما يخص القرارات السياسية بمسح ديون الفلاحين، هل ساهمت برأيكم في دفع القطاع، أم أنها كرست الاستغلال والفشل وربما الفساد؟

الشيء المعروف هنا بأن مسح الديون للفلاحين تم عدة مرات دون جدوى، الأمر الذي يدفعني أن أتساءل عن المستفيد الحقيقي من هذه القرارات، هل هو الفلاح، أو شبه الفلاح والمتعامل في القطاع الفلاحي؟ لذلك لازلنا نسمع عن بعض الشكاوى للمطالبة  من طرف فلاحين لم يستفيدوا من هذه القرارات، وأبعد من هذا وما يروج في الأوساط  الفلاحية هو أن مسح هذه الديون يتم غالبا بطريقة غير شفافة وبالمحسوبية والارتشاء، الشيء الذي يجعلني أشاطركم الرؤية فيما جاء في سؤالكم أنها كرست الاستغلال والفشل والفساد.

 

قيمة الصادرات الجزائرية من الفلاحة لا تتجاوز 320 مليون دولار، في وقت يتحدث مختصون عن فائض في بعض الشعب الزراعية، ما هي الأسباب؟

أما فيما يخص الصادرات، فالجزائر لم تستطع أن تبني سياسة مشجعة للتصدير عامة والفلاحة خاصة، من خلال إعطاء آليات وتسهيلات ضرورية (نقل وجمارك)، وهذا ينعكس على قيمة 320 مليون دولار بالمقارنة مع الدول المجاورة، بالرغم من توفر بلادنا على قدرات معتبرة.

تستطيع أن تطرح علي السؤال لماذا؟ فأجيبك ببساطة أن اقتصاد تلك البلدان يعدّ منتجا للثروة، وكما لا يخفى عليكم بأن القطاع الفلاحي يحتل المكانة الهامة والأساسية، أما نحن ففضلنا سياسة مبنية على قدراتنا النفطية فقط، أي إنفاق الثروة عوض خلقها  متممة بسياسة ريعية.

 

في ذات السياق، هناك علاقة طردية بين  قطاعي الفلاحة والصناعة الغذائية، ألا ترون أن الأول يدفع ثمن تخلف الثاني، وهذا ما يؤثر سلبا على المردود العام والفلاح، ثم  المستهلك؟

إن العلاقة ما بين الفلاحة والصناعات الغذائية هي علاقة تكاملية، وأبعد من ذلك أستطيع أن أقول بأنها أصبحت في كل الدول تحظى باهتمام بالغ، وصحيح أن الصناعة الغذائية تعتبر قاطرة القطاع بحيث أنها توسع الاستثمار من أجل ديمومة الإنتاج الفلاحي الذي يمثل المادة الأولية لها، وفي نفس الوقت تشارك بطريقة تعاقدية في تمويل القطاع.

أما واقع بلادنا فهناك نقص فاضح للصناعات التحويلية، ماعدا شعبة الحليب واللحوم البيضاء رغم كثرة المنتجات القابلة للتحويل وإعطاء قيمة مضافة معتبرة.

 

يفترض في كافة المجالات أن يكون للشركاء الاجتماعيين دور بارز في إثراء القطاع، كيف تنظرون لحضور الاتحاد الوطني للفلاحين الجزائريين؟

بدأتم سؤالكم بافتراض، ومهما يكن فإنّ دور الشريك الاجتماعي هام وضروري في كل المجالات، لكن في غياب نصوص توضح صلاحيات كل طرف، أدى عندنا الأمر إلى أن كل شريك ينظر لمصلحة القطاع من زاويته الخاصة، وفي بعض الأحيان يتعدّى على صلاحيات الآخر، ضف إلى ذلك التسييس المفرط للشريك الاجتماعي، وكل هذا يعود بالسلب على القطاع الفلاحي، الذي يعتبر قطاعا اقتصاديا محضا.

 

الوصاية في قطاع الفلاحة تشمل أيضا ميدان المواشي، حيث تعرف أسعار اللحوم ارتفاعا في بلد يحصي أكثر من 20 مليون رأس، كيف تفسرون الظاهرة، وماذا تقترحون لحلها؟

إن تربية المواشي وربطها بالأسعار المرتفعة للحوم، فلا بد أن نعترف بأنها لن تعطي الأهمية اللازمة لهذه الثروة الحيوانية من حيث التنظيم والرقابة، وترك المجال للمضاربين والبارونات الذين أصبحوا يهيمنون على ثروة الماشية من العلف إلى المذابح، وزد على هذا التهريب المفرط عبر الحدود، أما بالنسبة لوضع حد لهذه الظاهرة، فلا بد من قرار سياسي

 

ما هيخارطة الطريقالتي ترونها كفيلة باستدراك عاجل للفلاحة، التي تعدّ من مخارج الأزمة المالية المرتقبة في الجزائر؟

إن قطاع الفلاحة يحتاج إلى إستراتيجية شاملة ومتجانسة، وكذا إعطاءه الأولوية القصوى، مترجمة عبر برامج واضحة وطويلة المدى من طرف الدولة، وهكذا نتفادى التجارب وكل التغيرات التي هي غالبا ما تكون آنية ومتناقضة، مع إنشاء مجلس أعلى للفلاحة والتغذية يمكن أن يلعب هذا الدور.

مقالات ذات صلة