منوعات
"عبد الحليم بوشراكي" لـ "الشروق أون لاين":

مسرحنا لابس للسياسة .. مستقيل من الشعب!

الشروق أونلاين
  • 3811
  • 0
ح.م
عبد الحليم بوشراكي

شدّد الأكاديمي “عبد الحليم بوشراكي” لـ “الشروق أون لاين”، الاثنين، على أنّ المسرح الجزائري “لابس للسياسة”، لكنّه بالتزامن “مستقيل من الشعب” (…)

في حديث خاص بـ “الشروق أون لاين”، لاحظ الأستاذ بجامعة قسنطينة أنّ كل الحراك الركحي في الجزائر يتسم بطابع “سياسي”، لكنه قدّر أنّ هذا المسرح “يلبس فقط ثوب السياسة دون أن يعيها كفعل يقرّر به مصير الشعب”. 

تابعوا نص الحوار: 

أطلقتم الأيام الوطنية الأولى للمسرح التجريبي بحاضرة العلمة بين 27 و31 من الشهر الجاري، لماذا ابتعثتم التظاهرة في هذه المرحلة تحديدا؟

منذ زمن بعيد ونحن نفكّر في إعادة بعث أيام المسرح التجريبي باعتبارها تجربة سبقت وقد خضناها في ثلاث طبعات سابقة بولاية ميلة بين 2008 و2010 بإشراف دار الثقافة بميلة، لكن المشروع توقف ولم يستمر، فارتأينا أن نعيده مجددا لما في المسرح التجريبي كفكر وكممارسة من فضاء للعمل والبحث الجاد الذي يمكن أن يعطي دفعة قوية لاستيعاب المضامين والأشكال المسرحية المعاصرة، خاصة وأننا في ظلّ متغيرات مسرحية عربية ودولية متسارعة جدا.

 

يرى مراقبون أنّ قوام وروح المسرح هو التجريب، فلماذا الإصرار على توصيف “المسرح التجريبي”؟ 

لا أتفق مع سيادتكم، في أنّ المسرح منذ بدأ هو تجريب بأفق ضيق لأنّ إعادة النظر في سيرورة المسرح قد توحي على أنّه تجريب استنادا إلى واقع المتغير الحاصل في الحقب التاريخية التي عاشها، إلاّ أنّ الحقيقة التي لا تخفى أنّه ميزة لكل حقبة، فاليونان والرومان وغيرهم من الكلاسيكيين الأوروبيين عايشوا زمنهم بمنطقهم الواقعي، وحتى استلهامهم لأساطيرهم لن يكن سوى واقعا عايشوه.

بيد أنّ تطور الحياة وتعقيدها لزم عنه مسايرة أشكال التعبير برمتها، وخاصة لما بلغت تطلعات الانسان المعاصر إلى معايشة تطور تقني رهيب اختصر المسافات والأزمنة بشكل لم يكن قادر عقل على تصورها، فوُلد الفكر التجريبي باعتباره حاجة ملّحة أوجدها الانسان لبلوغ الحقيقة، كانت بادئا ذي بدء مرتبطة بنشأة العلوم لفهم الحقيقة وبلوغ الحقيقة.   

 

هل التجريب محض خروج عن السائد والمألوف، أم بحث عن المجهول واستشراف القادم الحامل لعدة معان وقراءات للقضايا التي يثيرها؟

قد يكون للبعض من القائمين على الفعل المسرحي فهم على أنّ التجريب هو خروج عن السائد، بل وقد يبدو لهم هو تمرّد عن كل ما هو موجود، غير أنّ التجريب في حقيقة الأمر ليس هو التمرد بذاته بقدر ما هو البحث عن الصيغ الجديدة بكل أشكالها وسط حشود من المتلقين يصعب التعامل معهم والمحافظة عليهم كمتذوقين لما يقدمه المسرحيون.

لقد أصبح التجريب في عصرنا اليوم حاجة ملّحة لاستمرارية الفعل المسرحي في ذاته، نظرا لما تعيشه البشرية من تقدّم باهر، وقد يبدو من الصعب الخوض في عملية التجريب بمعزل عن استيعاب السياقات الفكرية للمتلقين، ومن جهة أخرى فإنّ التجريب قد ينتج باعتباره بحثا وتنقيبا وتقصيا، تجديدا شكليا ومضامينيا يبني مستقبلا جمهورا له من الخصوصية ما يجعله دائما قابلا لأي جديد.  

 

 

يمثل المسرح التجريبي، فنا متغاير الأدوات والمضامين والفلسفة، فما تصوركم لسبل استثمار تراكمات المسرح الجزائري؟ 

مسيرة استثمار التراكمات المسرحية الجزائرية تبدو عسيرة جدا لأنّ تجربة علولة وكاكي مثلا، لم تكتمل بالصورة التي أرادها لها أصحابها، وقد أثبتت تجارب العودة إلى تراث المسرح العربي فشلا ذريعا في مسايرة التجارب الغربية، إذ انحرفت عن هدفها الأصلي وهو البحث عن الجماهير وإرضائها فنيا إلى مستوى الموضة وفقط، باستثناء بعض التجارب التي كتب لها نجاحها الظروف التي أحاطت بها، لذلك فإنّ من المهم جدا التعامل مع الفعل التجريبي في المسرح بمعطيات ما تفرزه المتغيرات الخاصة لكل البيئة.  

 

ما آفاق التجريب المسرحي في ظلّ تداول خطابات تتجاوز المؤلف وتخرج عن المتداول، وهل يمكن التجريب عبر ما هو تراثي تقليدي، أم بمعانقة الحداثة المسرحية فحسب؟

طرح الغرب فكرة تجاوز المؤلف، لكن التعاطي العربي مع هذا الطرح لم يكن بالمستوى ذاته الذي طرحه الغرب عموما.

إنّ فكرة موت المؤلف التي طرحها الراحل “جاك دريدا” هي فتح لفضاء حرية الابداع لبقية الفاعلين في المسرح بدءً بالمخرج مرورا بالممثلين، وصولا إلى السينوغرافيين ويُفهم هذا بمنطقه البسيط على أنّه شكل من أشكال احترام حرية الإبداع للعناصر المؤسسة للعمل الفني، فتفكير كاتب النص بمنطق ما لا يُفرض وجوبا على المخرج ولا على السينوغراف، على نقيض الاستيعاب العربي لفكرة موت المؤلف والتي أصبحت حجة للتلاعب بالمضامين الفكرية والمرجعيات الاجتماعية والفنية للمؤلف، وما الجدال الحاصل في الأوساط الفنية العربية بين سلطة المؤلف والسينوغراف على عدم الاستيعاب الصحيح لفكرة موت المؤلف أو تجاوز النص.

 

طرح الباحث والكاتب والمخرج السوري “فرحان بلبل” إشكالية تدمير المسرح التجريبي أو ما يُعرف بـ “مسرح الرؤى” للعلاقة بين الجمهور وخشبة المسرح والممثلين؟ من حيث انبنائه على تمزيق أصول الدراما لبناء عروض جديدة؟

إذا كان المتلقي مستعدا لفعل التجريب بهدف صناعة ذوق جديد ومهيّئا لهذا الظرف بتاريخ نقدي جيد، فإنّ العمل الفني سيكون في المتناول بأي منطق يبنيه غير أّنّ الخوض في مثل هذه المقولات لجمهور بالأساس لا يمتلك هذه المعطيات، فإنّ التواصل سيكون عسيرا. 

 

كيف يتسنى للمجرّبين في الجزائر أن يستعيدوا الجماهير المسروقة؟ وهل التجريب مقصور فقط على النخب أم بوسعه الانفتاح على عامة الناس؟

باستطاعة التجريب في المسرح أن يحقق أكبر هدف يرجى له وهو صناعة جمهور للمسرح، وأورد لفظة “صناعة” متعمدا، لأنّها مسيرة شاقة ينبغي أن يخوضها المبدع المسرحي بمنطلقات صحيحة بلوغا للهدف. 

إنّ التراكمات المسرحية التي يستند عليها اللا شعور الجمعي للمتلقين هي التي تحدد طبيعة تلاقيه مع مسرح تجريبي بثوب جديد والمعيار الأصل في النجاح هو الاقتراب من الجمهور في كل المستويات اجتماعيا، سياسيا وثقافيا.

 

انتهاء، ماهي الحدود الممكنة بين المسرح والسياسة في الجزائر؟

كل مسرحنا سياسي ولكنه للأسف الشديد يلبس فقط ثوب السياسة دون أن يعيها كفعل يقرّر به مصير الشعب. 

مقالات ذات صلة