مسلخ “مقطع خيرة”… القذارة للبيع!
في طريقك إلى “مقطع خيرة” ببلدية دواودة تصدمك مشاهد القذارة والأوساخ اللصيقة بالمكان.. مرتفعات يكسوها البياض تحسبها ثلوجا لولا أننا في فصل الصيف. وعندما تقترب منها تكتشف أنّها ريش يتطاير هنا وهناك.. روائح كريهة تسدّ الأنوف وسكاكين تتقاطر منها الدماء.. فضلات الديك الرومي تعم الأرجاء ورغم هذا يتزاحم الجميع في الطوابير لتوفير دنانير معدودة.. والمثير في الأمر أن الزبائن ليسوا مواطنين عاديين فقط، بل أصحاب محلات الجزارة وبعض المطاعم ومحلات الشواء والشاورما وحتى جمعيات لمساعدة الفقراء والمحتاجين… يتنقلون من العاصمة وضواحيها لاقتنائها لزبائنهم.
المفارقة الغريبة أنّ كثيرا من المستهلكين الذين يقتنون سلعهم من المحلات بحجة رفض اللحوم غير الخاضعة للرقابة يجهلون أنهم يتناولون ديكا روميا مصدره “مقطع خيرة” لم يخضع للفحص البيطري ولا لظروف الحفظ المتعارف عليها فالتبريد مصطلح محذوف من قاموس هؤلاء الباعة..
توسيع نقاط البيع العشوائية ومذابح ومسالخ على الهواء الطلق
“من المزرعة إلى المستهلك”. هذا هو شعار تجار مقطع خيرة الذي يحرصون على تطبيقه بحذافيره.. مئات الديوك الرومية أو “الداند” المصطفة في الخم تنتظر دورها للالتحاق بنظيرتها المريشة أو المذبوحة لتلقى مصيرها بعد ساعات في قفة المستهلك.
وأمام الانتشار الرهيب والإقبال المكثف للمواطنين لم تعد تلبي النقطة الأولى احتياجات الزبائن فظهرت نقاط عشوائية أخرى بعد أن حاولت السلطات المحلية العام الفارط محاصرة التجار وتجميعهم في مكان مغطى يزوالون فيه نشاطهم.
أمتار قليلة بعيدا عن النقطة الأولى تجذبك صور اللحوم والديك الرومي المعلقة تحت درجة حرارة مرتفعة في انتظار من يشتريها بعد أن تكون مرعى “رائعا” للذباب والنمل وبقية الحشرات. وغير بعيد عن المكان، يتردد بعضهم على مرتفع في وسط الغابة والأشجار بعيدا عن الأعين حاملا سكينه لذبح ذبيحته “خروف أو نعجة أو ديك رومي أو جدي”، وبعدها يهم بسلخها وتعليقها..
بورصة مفتوحة على كل أنواع اللحوم
كل ما يخطر على بالك من أنواع اللّحوم الحلال تجده في مقطع خيرة الذي لم يعد حكرا فقط على الديك الرومي، بل إنك تجد أيضا لحم الجمل والماعز والجدي والحصان. تظاهرنا بالبحث عن لحم الجمل وشحمه وكنا نعتقد أننا بهذا سنعجز هؤلاء التجار، لكن أحدهم طلب منّا منحه قليلا من الوقت لجلبه.. وهنا كانت مفاجأتنا كبيرة، حيث كشف لنا محمد أحد الباعة أن المكان فيه كل أنواع اللّحوم الحلال من جمل وجدي وحصان، ويضيف: “نحن نعمل مع معارف لنا في ولايات أخرى خاصة في الجنوب أين نجلب الجمال بدرجة أخص” وكلما كانت لدينا طلبات نتصل لتلبيتها”.
وأكثر من هذا يحضر في مقطع خيرة أيضا “الزليف والدوارة” والهيدورة وشحم الجمل ولبن الناقة وغيرها من الأمور التي يصعب الحصول عليها في أسواق أخرى.
10 ملايين شهريا لـ “ترييش” الديك الرومي في رمضان
يجني الشباب العامل في ترييش الديك الرومي يومية معتبرة تناهز ثلاثة آلاف دج وأحيانا تزيد وهو ما يناهز 10 ملايين سنتيم خلال الشهر الفضيل، وتتراوح أعمار العاملين في الترييش بين سن 18 عاما و25 عاما.
وحسب ما أكده لنا أحد التجار، فإن “ترييش” الديك الرومي الواحد يقدر بنحو 70 دج حيث يتم غالبية الشباب 40 رأسا على الأقل في اليوم، وهو ما يضمن لهم أجرة محترمة تسد احتياجاتهم.
مخاطر وعنف قد يكلّف الحياة..
لم يكن سهلا الحصول على معلومات دقيقة دون الكشف عن هويتنا، لذا اختلقنا عذرا يتمثل في البحث عن عمل لأحد الشباب العاطل عن العمل وهنا وقع على مسامعنا العجب حيث حذرنا من المغامرة، فالمبلغ الذي يحققه قد يفقده حياته إن لم يكن شديدا وصعب المراس، لذا فعادة لا يقبل كثير من الشباب خاصة إن لم تكن لديهم الخبرة.
“مظاهر العنف وحجم الخطر المنتشر في المكان يجعل الشخص مهددا بفقد حياته في أي لحظة”.. هذا ما أكده لنا أحد البائعين فيوميا يشهد السوق مشادة بين التجار لأتفه الأسباب والخطر يرتفع كثيرا في حضرة الأسلحة البيضاء، اللغة الوحيدة التي يتقنها الغاضبون..
13 ساعة عمل يوميا تمتد إلى السحور
عمال مقطع خيرة أشبه بخلية نحل لا تكل ولا تمل من العمل. يبدأ يومهم في ساعات مبكرة جدا ولا ينتهي إلا بعد الواحدة صباحا قبيل السحور. ما يعني أنهم يقضون 13 ساعة عمل يوميا.
يقول سمير، كما أراد أن نرمز لاسمه، أنا أعمل في مجال اللّحوم الحمراء أبدأ يومي على الساعة السابعة صباحا ولا أنتهي إلا في حدود الواحدة صباحا”. ويضيف: “أذبح يوميا 3 عجول ونحو 40 خروفا.. أتعاون مع أبناء عمومتي وإخواني على سلخها وتعليقها وبعد الإفطار نعكف على تقطيعها ليسهل علينا الأمر مع الزبون”.
دعونا نعمل فنحن لسنا لصوصا ولا بارونات مخدرات..
بمجرد أن لمحنا أحدهم نلتقط صورا عن المكان انتفض وبادر إلينا بالتهديد والوعيد إن لم نمسح الصور من الذاكرة خوفا من استغلالها لأغراض مسيئة إليهم وبدردشة خفيفة كسبنا فيها ثقة محدثنا. قال محمد: “الجميع ينعتنا بأبشع الأوصاف ويلقي علينا بالتهم وأننا نذبح الحمير والخنزير لكننا بريئون من كل هذا.. نحن شباب جزائري يحاول كسب عيشه بعرق جبينه دعونا نعمل فنحن لسنا لصوصا ولا بارونات مخدرات”.
وأضاف محمد: لو أننا مسمّمون أو فاسدون لما تردد علينا آلاف المواطنين يوميا ولما جددوا فينا الثقة على مدار العام.