الرأي

مسيرة الألف ميل لطرق أبواب التغيير

حبيب راشدين
  • 2850
  • 9

بعد متابعة ما حصل في مصر، كنت أعتقد أن النخبة السياسية عندنا قد أحاطت خبرا بأصول اللعبة في الدولة الحديثة، وعلمت أخيرا أن الديموقراطية ومساراتها الانتخابية هي ـ منذ أن وجدت ـ مسارات للتداول الداخلي على السلطة بين مكونات نخبة واحدة متناغمة مع نظام الحكم القائم، ومع القوى المهيمنة في الاقتصاد، وفي المركب العسكري الأمني، ولم تكن ولن تكون أبدا أدوات لتغيير الأنظمة بأي حال من الأحول.

قلة قليلة أدركت أن ما سمي بثورات الشعوب في شرق أوروبا، لم تكن سوى معركة من معارك نهاية الحرب الباردة، أدارتها المجموعة الغربية بنجاح، كما جربت أدواتها في إدارة الربيع العربي، ولا نعلم في التاريخ الحديث ثورات عنيفة نجحت في تغيير أنظمة الحكم سوى الثورة الفرنسية، والثورات الشيوعية البلشفية والماوية، وما سوى ذلك من تغيير إنما جاء عن طريق الانقلابات، أو ثورات التحرير، أو الثورات المضادة.

هذا التشخيص التاريخي الذي لا ينكره عاقل مطلع، هو الذي قادني قبل اندلاع ثورات الربيع العربي إلى استبعاد إنجاز تغيير الأنظمة، سواء عبر المسارات الانتخابية، أم عبر الثورات المخملية المدارة عن بعد، وقلت وقتها إن تغيير الأنظمة يمر عبر أحد الطريقين:

الأول: الثورة العنيفة التي تدار بهدف إسقاط جميع مؤسسات الدولة القائمة، وبناء دولة جديدة بولاءات جديدة، وهو ما حصل في الثورة الفرنسية والثورات الشيوعية، وإلى حد ما في ثورة الملالي في إيران، لتجتث النخب المهيمنة في الاقتصاد وفي المؤسسات الأمنية العسكرية.

الثاني: التغيير المتحكم فيه من الداخل، تتولاه النخب المهيمنة في الدولة والنظام، إما بالتوافق بين النخب، أو بمغالبة داخلية تنتج تغييرا في نظام الحكم دون الحاجة إلى إسقاط الدولة، كما حصل عندنا على هامش أحداث أكتوبر، أو ما حصل في الصين.

لأجل ذلك أرى أن النخبة السياسية التي تدخل عشية كل استحقاق انتخابي في ما يشبه رقصة الدراويش، بخطاب أسطوري مبتذل، يعد بالتغيير وهو فاقد لمنهج وأدوات التغيير، هو دجل آخر محبط للشعوب، مثله مثل ادعاءات أرباب النظام القائم بالتغيير مع تعطيلهم الدائم لجميع أدواته، وسد مسالكه.

وما لم ندرك أن الديموقراطية ومساراتها الانتخابية هي فقط أدوات لتنظيم داخلي للتداول على السلطة، لتأمين استمرار مصالح ونفوذ القوى الغالبة المهيمنة، فإننا سنصاب قبل وبعد كل استحقاق انتخابي بخيبة أمل، وأن الدعوات إلى المقاطعة لن تغير من الأمر شيئا، كما لن يغير الواقع ببعض الاحتجاجات النخبوية الفلكلورية، التي يحبطها الإعلام المهيمن، قبل أن تقمعها قوى مكافحة الشغب، وأن الطريق إلى التغيير يتطلب من القوى المؤمنة به النزول إلى الأحياء والقرى، وإقناع الأغلبية بالتغيير والإصلاح، إما عبر تغيير موازين القوة وأدوات المغالبة، التي لا تختزل بالضرورة في احتلال الشوارع وإدارة الفوضى، أو عبر البحث عن توافقات ومساومات مع القوى المهيمنة لإحداث التغيير السلس الذي يؤمن لها مصالحها، حتى لا تضطر إلى ما اضطر إليه الانقلابيون عندنا في 1991 وقاد إلى الثورة المضادة في مصر. 

مقالات ذات صلة