الرأي

مسيرة الإعلام غير اليسيرة  

عمار يزلي
  • 453
  • 0

حقل الإعلام والصحافة عندنا، لا يزال يبحث عن طريق آمن خارج حقل الألغام الذي مر به عبر سنوات، قبل وبعد الاستقلال.

فقبل الاستقلال الكل يعلم كيف كانت فرنسا تَسير العناوين الفرنسية وكيف كانت تدار وتسيّر وتُقمع وتُمنع وتُراقَب عن كثب، خاصة صحف جمعية العلماء والعناوين المقربة منها ومن الحركة الوطنية بما فيها المكتوبة بالفرنسية والساخرة.

ما بعد الاستقلال، عرفنا إعلاما موجها حكوميا وحزبيا، مع ذلك كان هناك هامش كبير من النقد والانتقاد وحرية الرأي، خاصة في المجال الفكري والأدبي والثقافي بشكل عام.

أهم نقلة وتجربة لم تعمر طويلا، كانت تلك التجربة التي عرفها حقل الإعلام والصحافة والاتصال مع احتجاجات 5 أكتوبر 88 وما تبعها من تغيرات على المشهد السياسي ودخول البلاد عبر دستور 89 مجال التعددية الحزبية النقابية والإعلامية، فكانت نشأة الصحف والأسبوعيات والمجلات المسماة “مستقلة”، مستقلة عن الحكومة والحزب، لكنها في الواقع كانت عناوين وصحافة “خاصة” ولو كانت مدعمة في البداية من المال العام من خلال دعم مشاريع صحف مستقلة عن الأم بتسهيل حصول الصحفيين المنخرطين في مجال تأسيس هذه العناوين “المستقلة” على راتبها لمدة عامين بغية تأسيس رأسمال “الشركات ذات المسؤولية المحدودة”، فكانت تلك الهبة وتلك القفزة التي عرفناها في بداية الـ90 وإلى غاية 92، ثم ما لبثت أن بدأت حملة التضييق من جديد على هذه العناوين التي كانت قد بدأت تتعلم معنى الصحافة المستقلة والحرة والخاصة، لكن ذلك لم يكن بدون أخطاء، أوعزه الكثيرون إلى التجربة القصيرة للصحافة المستقلة عندنا، وحماسة زائدة عن اللزوم .

تجربة  قوبلت بحصاد ودرس أتى على التجربة السياسية برمتها أودت في النهاية إلى تصحر في الحقل السياسي ككل والإعلامي بشكل عام.

كان على مجال الصحافة أن ينتظر طويلا لعودة الاستقرار والأمن والخروج من دوامة العنف التي راح ضحيتها صفوة من الإعلاميين قدموا قربانا على مذبح حرية الرأي والعمل الصحفي، مثلما كان الحال مع آلاف الجزائريين مدنيين وعسكريين، الذين سقطوا خلال هذه المرحلة الدموية.

مع بداية الاستقرار الأمني والسياسي، عادت الصحف وعاد الإعلام إلى واجهة الأحداث لإحداث الفارق والتغيير، لكن الفساد عاد هو الآخر لينخر جسد البلد شبه المنهار، ودخل الإعلام فيما بعد مرحلة الفساد المالي والأخلاقي والتضييق على الحقيقة والنقد ودخل المال الفاسد إدارة التحرير عبر إدارة الإشهار ودخل من كل باب. بدأت تظهر عناوين داعمة لسلطة سياسية وطغم مالية لا رقيب لها ولا حسيب، بل صارت القوى المالية الفاسدة المتوسطة في كل حقل هي الخصم وهي الحكم.. فكانت النهاية مع انفجار الحراك الاجتماعي الذي أعاد للبلد رشده وهيبته وسيادته وحريته.. أو على الأقل هذا ما كان ولا يزال مأمولا منه اليوم بعد أن قرر رئيس الجمهورية وضع قانون للصحافة المكتوبة ولكن أيضا للصحافة الرقمية، وهو ما لم يكن قد تضمنته قوانين الإعلام السابقة التي ينبغي العمل عليها اليوم وتطويرها ليشمل مستجدات الجديد مع كل رهانات اللحظة الزمنية ومستقبلها. إعادة نظر تأخذ بعين الاعتبار نضال 60 سنة والتضحيات الجسام لرجال الإعلام والصحافة من أجل إعلام نزيه احترافي غير شائن ولا منحاز ولا انتهازي وصولي. إعلام يهدف إلى إيصال الحقيقة كما هي بعيدا عن الذاتية والمكائد والتوجيه، إعلام يخضع وفقط للقواعد المتفق عليها في أدبيات الإعلام المحترف.

مقالات ذات صلة