الرأي

مشروع القدس ومشروع الفوضى الخلاقة: من ينتصر؟

صالح عوض
  • 1859
  • 0

يلوك البعض جملا لا مستندَ علمياً لها: أن الفوضى الخلاقة غطت على القضية الفلسطينية وينساق البعض إلى الترديد بأن الاشتباك في المنطقة العربية دفع بالقضية الفلسطينية إلى الخلف ولم تعد بذات الأولوية.. لا نريد أن نطيل الحديث بهذا الخصوص، فقط نقول إن هذا الكلام إنما ينسحب على الإعلام الرسمي وإعلام القوى المتقاتلة، أما ضمير الأمة وهمّها فهو يدرك أن فلسطين والقدس هي الأولى دوما.. وأن كل التحديات المطروحة إنما تقصد القدس وفلسطين في صميمها.. فعلى هذا الاعتبار تكون المعارك الدائرة على الأرض العربية إنما هي تقديمٌ للموضوع الفلسطيني وليس تأخيرا.

مشروع القدس هو النقيض التام الكامل لمشروع الفوضى الخلاقة؛ فمشروع القدس بعناوينه النهضة والوحدة والتحرير هو نقيض التخلف والجهل والتفتّت والتنازل للعدو.. ومشروع القدس يعتمد المرجعية الحضارية للأمة كما يتساوق مع حركة التاريخ واستشراف المستقبل على ضوء التطورات العميقة الحاصلة في الخريطة السياسية الدولية والإقليمية، كما أنه المنتظر الطبيعي للخروج من هيمنة الحضارة الغربية في شقها القيمي، الذي استعبد الناس وأفقدهم هوياتهم في سبيل تضخم أرباح رأس المال وعصاباته الدولية التي عادت هي المهيمن على السياسة والثقافة والإعلام.. في هذه الصيرورات يصبح همّ البشرية مكثفا حول عناوين يكون التمسك بها داعيا لميلاد معطيات حقيقية لصناعة واقع جديد هو واقع الإنعتاق من هيمنة نفوذ رأس المال والسياسات الاستحواذية، وهو واقع القيم الإنسانية والإنصاف والعدل.. من هنا يأتي مشروع القدس بكل ما فيه من بُعد إنساني بارز وحيوية، وأن أي تقدم في أحدهما يعني تراجعاً في الآخر، كما أن الانتصار لأحدهما يعني بوضوح التخلي عن الآخر بنفس القيمة والمقدار.

مشروع القدس هو المنطلق من دافع الأمة الحضاري والعقائدي والمتحرك على أرضها وبإمكاناتها فهو مشروع أصيل، ومن جهة أخرى هو مشروع استراتيجي لأنه يحقق لها وحدتها وتكاملها، وهو أمني لأنه يقضي على بؤر التوتر فيها، وهو مشروع طبيعي يجمع بين ضفتيه مكونات تنتمي جغرافيا إلى منطقة متجانسة ومتداخلة في ثقافتها.. مشروع القدس يقول باختصار ليس فقط الواجب يقتضي التحرك نحو القدس وفلسطين، ولكن أيضا المصلحة الوطنية والضرورية لأن القطر لا يستطيع الاكتفاء بنفسه وقدراته ولا يكون في استقرار دون استقرار الاقليم ولا يكون في طمأنينة من مستقبله إلا بعلاقات بينية مع جيرانه.. مشروع القدس يقول بأن الاستقلال والاستقرار والتعاون الاقليمي العربي والاسلامي هو الطريق الوحيد الذي يحررنا من الجري في المتاهات خلف دعايات الغرب واستشاراتهم.

مشروع القدس هو من يشعرنا بأهمية التكنولوجيا والتصنيع العسكري وضرورة الاستفادة من الذرة والمعادن والثروات جميعا، وهو يفتح لنا باب الاستفادة من الخبرات والطاقات، باختصار هو من يدفعنا إلى الاعتماد على العلم والعزيمة والتفتُّح، فيعود ذلك كله على المواطن العادي بالرفاه والكرامة فتغدو البطالة لا وجود لها والتعطل عن تنفيذ المبتكرات لا حضور له ويكون للجامعة خطوطٌ مفتوحة مع المصانع.. 

إن مشروع القدس يقول بوضوح: لا قدس لكم إلا إذا كنتم أقوياء، ولن تكونوا أقوياء إلا بالتصنيع والوحدة والتكامل وبجيوش قوية وبمجتمعات قوية للانسان فيها كرامة وعزة، وهذا كله يتأتى من خلال بناء استراتيجيات تستشعر الحرب الحقيقية الدائرة مع الغرب وأهدافها.

ليس عبثا أو ترفا ما نراه من انحياز مفكرين ونشطاء غربيين مسيحيين وغير مسيحيين إلى القضية الفلسطينية بل هو تعبير واع عن حاجة إنسانية قائمة على الوعي والبصيرة بالتخلص من منهج شرير يتم تنفيذه ببرامج متوالية لتحطيم ما تبقى للإنسانية من قيم روحية يكتنزها الشرق، بعد أن حوَّل الغرب الرأسمالي كل القيم إلى تعليب مادي أفقدها كل ما لها من مثاليات وروحانيات.. عندما يقف مفكرون ومثقفون وسياسيون إلى جانب فلسطين إنما يقولون بملء الفم إن الجريمة العنصرية التي يتم تنفيذها ضد العرب والمسلمين والتي تجد رواجها الآن على لسان ترمب وسواه من اليمين المتصهين في أوروبا إنما تعمل على حرمان البشرية من أبعادها الانسانية وتحويلها إلى غابة بأبشع الحيوانات المفترسة المتوحشة.

في أمريكا وأوروبا يكاد يكون الضمير الانساني في حالة يقظة متكاملة، وهو يواجه الثقافة العنصرية والسياسات الاستعمارية، فيعلن ثلثا الرأي العام الأوربي أن سياسات الادارة الأمريكية والكيان الصهيوني هي التي تمثل الخطر على أمن العالم، وفي هذا الصدد لا يمكن نسيان ما قام به ملايين البريطانيين والاسبان والأوربيين عموما من مظاهرات تنديد بمشروع الحرب الأمريكية على العراق.. وحتى الأن يمكن النظر بعين الاحترام البالغ لما يقوم به الأمريكان في كنائسهم ومحلاتهم برفع شأن التعاطف مع المسلمين في مواجهة الميز العنصري الأمريكي.. حتى إن كبار الساسة الأمريكان مثل وزيرة العدل وموظفي وزارة الهجرة وسياسيين كمدلين أولبرايت وزير الخارجية الأمريكية السابقة سواهم وهم يضحون بكل شيء وهم يتصدون للعملية العنصرية التي يقودها ترمب.

الغرب الاستعماري العنصري الامبريالي لا يعرف إلا سياسة إلغاء الآخر، سواء كان الأخر شعوبا أو ثقافات، وأرادوا تنميط كل شيء ومن يخرج عن السياق المرسوم له، فهو إرهابي ومتخلف ومتطرف يستوجب النفي من الأرض – كما فسر ذلك المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق- وتحرك هذا الغرب بآلته الإعلامية لتسويق مصطلحات فيها مفاهيم خاصة يتم تعميمها بشتى الوسائل وينهض الجميع في بلدان العالم المتخلفة بترديد المصطلحات التي لا تعني إلا تحطيم خصائص الشعوب وثقافاتها ومرجعياتها.

الغرب الاستعماري لا يقبل بتعددية على وجه الأرض، فهو ليس فقط يعمل على تكريس نماذج سياسية وثقافية معينة في البلدان، ولكن أيضا على تغيير المزاج والذوق وكل من خرج عن السياق فله الموت، كما حصل في شأن الهنود الحمر والفلسطينيين والجزائريين وسواهم في قارات الأرض.

من هنا يبرز مشروع القدس الباحث عن بعث الروح في أمة كبيرة، منطلقا من وعد الله للأمة بالانتصار ومن المكانة الروحية الاستثنائية للقدس وفي المركز فيها- العرب- وتكامل الإمكانات وتطوير الوسائل والأساليب وتكامل الأدوار والاحتياجات والتركيز على ما يفيد الشخص والمجموع وإبراز قيمها الإنسانية لأن ذلك فقط هو ما يمكن تحقيق نجاح مشروع القدس على مستوى الأمة.. وهو بعد ذلك ومعه يكون بمثابة الواقع البشري الكبير الذي يلجأ إليه الإنسان الشقي في الغرب.

ومن الواضح أنه ليس سوى المسلمين والعرب في جوهرهم من يمتلك بذور مشروع المستقبل، فها هو المشروع الغربي يتهاوى، كما أن المشروع الصيني عنصري مغلق على نفسه.. وواضح أن مشروع المستقبل هذا ليس له منطلق إلا القدس بسموها الإنساني.. تولانا الله برحمته.

* مشروع القدس هو المنطلق من دافع الأمة الحضاري والعقائدي والمتحرك على أرضها وبإمكاناتها فهو مشروع أصيل، ومن جهة أخرى هو مشروع استراتيجي لأنه يحقق لها وحدتها وتكاملها، وهو أمني لأنه يقضي على بؤر التوتر فيها، وهو مشروع طبيعي يجمع بين ضفتيه مكونات تنتمي جغرافيا إلى منطقة متجانسة ومتداخلة في ثقافتها.

مقالات ذات صلة