الجزائر
حلم الحاج لخضر تجسّد في حياته

مشروع حضاري أقيم في مكان ارتبط بقتل الثوار

الطاهر حليسي
  • 834
  • 0
أرشيف

لم يكن أحد يتخيل أن يصبح ذلك المكان الذي كانت تنطلق منه طائرات الاستعمار لقنبلة الثوار بجبال الشلعلع والأوراس مكانا تنطلق من مآذنه الأربع نداء الصلوات على مدار اليوم ثم يصبح معهدا إسلاميا فجامعة إسلامية تندرج في إطار العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وما كان مجرد فكرة حملها العقيد محمد الطاهر عبيدي الشهير بكنية الحاج لخضر، صار حقيقة ماثلة، تطوّرت من حلم شخصي، لذلك الرجل الذي تولى قيادة الولاية التاريخية الأولى لفترة من الفترات، وبدافع غريب هو ما كان يسره لبعض رفقائه من قبيل: “سأنشئ في المكان الذي كان سببا في استشهاد عدد كبير من الرفاق مسجدا كبيرا، سيصبح منارة ترى مآذنها من جبال الشلعلع وسيحمل اسم قلعة الإسلام”.

كان هذا هو الحلم الذي عاش مع العقيد الحاج لخضر وثلة من رفاقه حتى إذا جاءت سنوات الثمانينيات بدأ في التجسيد من خلال حملة جمع تبرعات في جميع مساجد ولاية باتنة، بالإضافة إلى حصص تبرعت بها مؤسسات الدولة التي تبنت المشروع الذي رعته لجنة دينية ترأسها الحاج لخضر لتسهيل الإجراءات الإدارية والمالية نظرا للعلاقات التي كان يتمتع بها داخل دواليب السلطة، ومما يروى في هذا الصدد أن الحاج لخضر الذي تحصل على قرض بنكي استغله في إنشاء مصنع لتحويل الطماطم لمصبرات، قبل أن يتخلى عنه تلقى إشعارا من الضرائب لدفع مستحقات بعد سنوات من التخلي عن المشروع رد في دعابة، “لقد دفعت كل أموالي في أساسات بناء قلعة الإسلام”.

انطلقت الأشغال بالمسجد العام 1982 لكن ورشاته استغرقت وقتا طويلا نظرا لضخامة المشروع المتربع على مساحة تفوق 42.200 متر مربع، ويتسع لـ 30.000 مصل ما يجعله واحدا من أكبر مساجد البلاد، ويعود سبب تعثر الأشغال لعامل رئيس هو توقف التبرعات لأسباب أمنية بحتة خاصة بعد سنوات الإرهاب، حيث كان من العادة جمع التبرعات بيسر، غير أن تلك الظروف ساهمت في تسجيل التأخير، بيد أن المشروع كبر مع مرور الوقت حيث أنشئ في سنة 1988 بجوار المسجد معهد إسلامي نهاية الثمانينيات ليستقبل أولى الدفعات الجامعية بعد الحاقه بجامعة قسنطينة للعلوم الإسلامية، وقد أشرف عليه الدكتور طاهر حليس خريج الجامعة المصرية، لسنوات عدة تمكن خلالها من ترسيخه وتطويره، من خلال مرافق عدة بينها قاعات المحاضرات وقاعات دروس التطبيق و مقر إداري، وقاعة مؤتمرات كبرى، و سكنات وظيفية للأساتذة والمدرسين المستقدمين، حتى يكون مكملا لأشغال المسجد الذي دشن بصفة رسمية في العام 2003 فأقيمت به صلاة الجمعة كما صار قبلة الباتنيين لأداء الصلوات الخمسة والتراويح خاصة، كما تحول المسجد خلال سنوات عدة لمركز إلقاء ندوات فكرية نشطتها شخصيات دينية معروفة مثل الشيخ محمد الغزالي والبروفيسور رشيد بن عيسى.

وكان المشروع اكتمل تجسيده النهائي بإنهاء انجاز مئذنتيه المتبقيتين بعدما تبرع مقاولون ورجال أعمال بمبلغ 5.7 مليار سنتيم، لتنتهي الدورة الكاملة للمشروع الذي استمر رغم وفاة العقيد الحاج لخضر العام 1998 حيث أديت صلاة الجنازة عليه في المسجد الذي كان يشرف على تنفيذه، كما حمل المعهد اسم الدكتور طاهر حليس الذي اغتالته أيادي الغدر والإرهاب العام منتصف التسعينيات.

لا تزال قلعة الإسلام تلعب دورا اجتماعيا مهما حيث يتضمن دار افتاء ومجلس لإصلاح ذات البين يساهم في نقل الآراء الشرعية لمذهب أهل البلد للناس كما يساهم في عقد جلسات الصلح وحل الخلافات، ما يمنحه دورا اجتماعيا بارزا.
العجيب أن كل هذا الصرح كان فكرة وحلما لرجل جاهد في الثورة ورغب في إنشاء قلعة لتعليم الناس ردا على سياسة التجهيل التي زرعها الاستعمار وكان ذلك البطل ضحية لها.

مقالات ذات صلة