الجزائر
يبيعون خواتم وعطور "روحانية" وطلاسم وحروز

مشعوذون يصطادون ضحاياهم عبر منصات التواصل

نادية سليماني
  • 2876
  • 0
أرشيف

رغم التطوّر والانفتاح الحاصل في المجتمع الجزائري على غرار المجتمعات الأخرى، في زمن “الرقمنة”، لا تزال فئة متمسكة بالسحر والشعوذة والتنجيم، فالأغرب من ذلك، أن أتباع هذه المنكرات والمحرمات في تزايد رهيب، وخير دليل أنّ الصفحات الإلكترونية المخصصة للشعوذة يتابعها الآلاف، بل ويطلبون المساعدة من هذا المشعوذ الذي يدّعي حل جميع المشاكل المستعصية!
وكثيرة هي الصفحات الإلكترونية المختصة في السحر والشعوذة والمنتشرة على موقع “الفايس بوك” خصوصا، ويتابعها عدد معتبر من رواد الأنترنت، ويختار أصحاب هذه الصفحات تسمية أنفسهم بـ”الشيخ فلان” و”الشيخة فلانة”، وآخرون يذكرون ما يبرعون فيه من نشاطات غيبية، على غرار فك السحر، المساعدة على الإنجاب، جلب الحبيب ورد المطلقة.. بل ويؤكدون أنهم بإمكانهم إعداد حرز تحت الطلب لمن يريد إخضاع شخص معين، أو لأجل التفريق أو الربط.. وغيرها من الأمور الشركية الخطيرة.
والمؤسف أن هؤلاء المشعوذون أو النصابون يختبئون وراء الغطاء الديني، لإعطاء مصداقية لنشاطهم، ولجلب أكبر عدد من المتابعين لصفحاتهم، بحيث يضع أغلبهم “بروفايل” يضم آيات قرآنية، ويضيفون دائما عبارة “ممارسة الرقية الشرعية” عند التعريف بشخصياتهم.

يختبئون تحت صفة راق شرعي
وخطر مثل هذه الصفحات “الفايسبوكية”، كبير جدا، لأنها عبارة عن ابتزاز وإدخال الشخص لعالم الروحانيات والشرك بالله، فجميعهم يعرضون خدماتهم عن الطريق التحدث مع الشخص على الخاص، والبعض يبيع طلاسم غريبة، وآخرون يعرضون للبيع خواتم وعطور يقولون إنها “روحانية” مهمتها إخضاع الأشخاص وجلب الرزق والمال والحبيب.
والطريف أنهم عندما يقدمون وصفات وطرق “السحر والشعوذة”، يتوسلون لمتابعيهم أن لا يستعملونها إلا في الخير والحلال!
وأكد الإمام والراقي الشرعي، إسماعيل بوزيان لـ”الشروق”، أن أغلب هذه الصفحات يديرها نصابون ولصوص، يتخفون تحت غطاء فك السحر والرقية الشرعية، ويتواصلون مع الأشخاص عبر “الواتساب”، مثلا، ثم يدخلونهم في دوامة من الأفكار السلبية، ثم يطلبون منهم المال لغرض علاجهم من السحر.
النساء أكثر ضحايا الرقاة الوهميين
وفئة أخرى عبارة عن رجال متحرشين، يصطادون ضحاياهم من النساء بادعاء الرقية الشرعية، بعدما يشترطون على الضحية فتح الكاميرا لإخضاعها لرقية، وهنا يتحول الموضوع الى ابتزاز وتشهير بالضحية بعد التقاط صور لها، في حال رفضت الانصياع لرغباتهم.
وقال إسماعيل بوزيان: “إن نساء كثيرات يقعن ضحية الصفحات المشبوهة المختصة في الرقية وفك السحر والعلاج الروحاني، بحيث يأتين الى المرشدات الدينيات بالمساجد بحثا عن حلول، بعدما وجدن أنفسهن يتخبطن في دوامة الابتزاز، بعضهن أقدمن على الانتحار هربا من الفضيحة”.
وحذر ذات المتحدث، الفتيات والنساء من وضع ثقتهن في تواصلهن على الخاص مع بعض الصفحات الإلكترونية التي يدّعي أصحابها أنهم نساء، خاصة صفحات طب النساء والتوليد، الرقية التدليك والحجامة، و”لأن أغلبهم رجال متخفون وراء أسماء أو هويات نسوية”.
ومن الصفحات المشهورة عبر “الفايس بوك” صفحة تسميها صاحبتها “أسرار قراءة الكف من الألف إلى الياء”، والتي تطلب من متابعاتها صورة لليد ومناطق أخرى بالجسم تساعدها على قراء مستقبل المتصلات بها، ويقول الرقي بوزيان: “أكيد هي رجل وليست امرأة”.

السحر عن بعد.. يمكن أن يكون حقيقة
وفئة ثالثة هم سحرة ومشعوذون حقيقيّون، بإمكانهم سحر الشخص الذي يتحدث معهم ولو عن بعد، بعدما يطلبون منه اسمه واسم والده، أو تاريخ ميلاده بحجة علاجه من السحر، أو يرسلون له تسجيلا صوتيا عبارة عن تعاويذ سحر، أو يبيعون للأشخاص مثلا عطورا روحانية تفك السحر، وهي في حد ذاتها سحر معمول لهذا الشخص.
وذكر محدثنا، أنه عالج أشخاصا مصابين بسحر قوي، أصيبوا به إثر شرائهم أشياء غريبة عبر “الفايس بوك”، وقال بوزيان في هذا الشأن، إنه رصد بعض الصفحات على “الفايس بوك” تدّعي الرقية الشرعية وفك السحر، يطلب صاحبها من متابعيه كتابة تاريخ ميلادهم أو اسم والدتهم ليتمكّن من كشف جميع تفاصيل حياتهم في الحاضر والمستقبل..! وعندما ينشر متابع تاريخ ميلاده في التعليقات التي يراها الجميع، يطلب منه صاحب الصفحة الحديث على الخاص بحجة ضمان الخصوصية، وهنا يكمن الخطر.

المشعوذون يؤثرون على ضعاف الشخصية فقط
وعن أسباب تغلغل ظاهرة الشعوذة والسحر بمجتمعنا، وانتشارها مؤخرا رغم التقدم الذي تعرفه المجتمعات، أوضح البروفيسور في علم النفس، أحمد قوراية، أن ظاهرة السحر والشعوذة قديمة قدم التاريخ، وظهرت في عهد الرسول، عليه الصلاة والسلام، حينما تعرض للسحر، وأنزل الله سورا بالقرآن الكريم ومنها المعوذتين لإبطال السحر.
واعتبر قوراية السحر آفة اجتماعية تنعكس علي الشخص المسحور فيصبح منزوع الإرادة، وهو ما يعتبر “انتهاكا جسيما لحقوق الناس”.
وأما ضحايا السحر فهم، حسبه، أشخاصا ذوي نفسية طماعة محبون للأمور الدنياوية وباحثون عن السلطة، وبينهم آخرون لا يؤمنون بالقضاء والقدر في مواضيع الزواج والإنجاب والرزق.

الشعوذة تحولت إلى تجارة رقمية
ويرى البروفيسور، أحمد قوراية، أن السحر يتغلغل في جسد الشخص الضعيف نفسيا، وهو ما استغله الكثير من السحرة والمشعوذين، الذين وجدوا في رسائل التواصل الاجتماعي أفضل وسيلة لاصطياد ضحاياهم، فباتوا يمارسون طقوس السحر كتجارة رقمية لربح المال مقابل تقديم خدمات وتلاعبات ببعض الناس ضعاف النفوس والشخصية.
وذكر المختص في علم النفس، أن ضحايا السحر هم “ضعاف العقل والنفس، الفاشلون اجتماعيا ويحملون الشخصية السلبية الاتكالية، الباحثون عن تحقيق نجاح بدون مجهود، لكنهم في الأخير يندمون ويخسرون، بل ويصابون بأمراض نفسية وعقلية جراء انغماسهم في عالم السحر”.
ومن أكثر الأمراض النفسية التي يصاب بها من يتبع السحرة والمشعوذين، حسب قوراية، مرض “السكيزوفرينيا” والذهان والهلوسة، فهؤلاء يصبحون أشخاصا سلبيين في المجتمع.
ويتأسف قوراية، لقلة الشكاوى المقدمة ضد ممارسة السحر والشعوذة في مجتمعنا، بسبب صعوبة وجود الحجة والدليل، أو ربما بسبب الخوف من انتقام المشعوذ.
وهو ما جعل هذه الظاهرة السلبية في تزايد مستمر، متزامنة مع كثرة الحسد والغيرة والمشاكل والعداوات بين الناس، وسهولة الوصول لأكبر عدد من الضحايا في ظل التطور التكنولوجي الحاصل.
وينصح المختص النفساني، بضرورة تجنّد الأئمة والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني ومصالح الأمن، للتوعية والتحسيس ومحاربة ظاهرة الشعوذة.

مقالات ذات صلة