مصالي الحاج يصافح هولاند و”الحريرة التلمسانية” مطالبة بزحزحة “الجبنة” التي يعشقها رئيس فرنسا
لم يجد السفير الفرنسي بالجزائر أندري بارانت، من وسيلة لإشباع رغبته في التعرف على كل كبيرة وصغيرة عن عاصمة الزيانيين لدى تواجده أول أمس، بمدينة الولي الصالح سيدي بومدين شعيب، تحضيرا للزيارة المرتقبة يوم 20 ديسمبر القادم، للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، سوى طرح أسئلة عديدة عن تاريخها وماضيها الثقافي والتراثي، وهو تحت تأثير حالة من الانبهار جعلته يصغي بكثير من الاهتمام لما تحتويه تلمسان من معالم وآثار ومواقع وشواهد تعكس حقيقة الهوية الجزائرية الضاربة في عمق التاريخ.. لمدينة ولدت ما قبل التاريخ ولم تنجبها الحقبة الاستعمارية الفرنسية التي كانت عنوانا لميلاد مدن كولونيالية.
تلمسان أو جوهرة المغرب العربي هذه المدينة الحدودية، المدينة التي أنجبت أكثر من 2500 عالم والتي لا تزال تحافظ على ماضيها المجيد وحضارتها وما أفرزته من إشعاع علمي، والتي احتضنت السنة الماضية أكبر حدث ثقافي تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، والتي تعد فوق كل هذا مدينة روحية بامتياز تتزين هذه الأيام لاستقبال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، في زيارة سياحية تاريخية ستمنح للرئيس الفرنسي فرصة التعرف عن قرب عن بهاء عاصمة الزيانيين وما تختزنه من حضارات تعاقبت على حيزها الجغرافي ومساراتها التاريخية، التي جعلت منها مركز إشعاع علمي وفضاء للتعايش الحضاري وجسرا لحوار الأديان والتعايش السلمي والإنساني بين مختلف العقائد والديانات السماوية، وأنها ليست وليدة سلطة استعمارية فرنسية بقدر ما كانت واحدة من المدن الجزائرية التي سعت السلطات الاستعمارية بكل ما تملك من عدة وعتاد طمس معالمها والقضاء على حضارتها وتحويلها إلى كيانات تحمل هوية مزيفة.
.
.. على طريق القصر الملكي الزياني
فمدينة أولياء الله الصالحين تعيش هذه الأيام في أجواء استثنائية تصنعها الزيارة المرتقبة للرئيس الفرنسي، الذي سيجد نفسه أمام مدينة تعرف جيدا كيف تستقبل ضيوفها، مستعرضة هويتها ووطنيتها من خلال أهم المواقع والإنجازات والتحف المعمارية، وتلك الرايات الوطنية التي أخذت مكانها في كل شوارع والأزقة وعبر ذلك الاستقبال الشعبي الذي سيحضى به فرنسوا هولاند، عندما تطأ قدماه مطار ميصالي الحاج، أبي الحركة الوطنية الجزائرية متجها إلى وسط المدينة وتحديدا إلى شارع باب وهران، أين سيترجل ماشيا على الأقدام وسط مواطني تلمسان مرورا بساحة الأمير عبد القادر، ووصولا إلى القصر الملكي الزياني داخل قلعة المشور الأثرية، قبل أن يتوجه إلى القطب الجامعي بجامعة أبي بكر بلقايد، أين ستمنح له شهادة دكتوراه فخرية بعد مراسيم استقبال رسمي وشعبي وطلابي لن تتخلف عنه الثقافة التلمسانية بتراثها المادي واللامادي، والذي يعد جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية للجزائريين عبر لباس العروس التلمسانية، التي ستكون حاضرة ضمن باقة طويلة من العروض والاستعراضات الفنية وما تزخر به عاصمة الزيانيين من عادات وتقاليد.
.
العلاوي.. نساء الصف والفنتازية ستكون في الموعد
هذه العادات التي سيترجمها الزي التلمساني النسوي عبر تلك الألبسة التقليدية التي سترتديها فتيات تلمسانيات، لدى استقبالهن للرئيس هولاند، لن تكون إلا إحدى الرسائل من ضمن عشرات الرسائل التي تعكس أصالة وتحضر المدينة وساكنيها، من خلال “الشدة” و”القفطان” المرصع باللؤلؤ والمرجان والحلي الذهبية، مترجمة بذلك الذوق الجمالي والبعد الحضاري والثقافي لأهالي المدينة عبر لباس تقليدي للعروس التلمسانية التي تمكنت الجزائر في الأيام القليلة الماضية، من افتكاك بكثير من الفخر والاعتزاز من منظمة اليونسكو، الموافقة لإدراجه ضمن التراث العالمي اللامادي، وهي إحدى الإنجازات الثقافية المهمة المكتسبة مؤخرا على المستوى العالمي، أجواء الاستقبال هذه ستكون أكثر فرجة وإمتاعا أيضا من خلال فرق الفانتازية وإطلاق البارود من بنادق يحملها فرسان يمتطون الجياد مرتدين لباسا تقليديا بلمسة تلمسانية جزائرية أصيلة، مترجمة بذلك إحدى أهم العادات والتقاليد التي ستختزلها مشاهد فرجوية تحمل أكثر من دلالة ورمزية. هولاند الذي سيكون محاطا برسميات وبروتوكولات، سيجد نفسه محاطا أيضا بفرق فلكلورية في الرقص الشعبي والغناء، إذ لن تتخلف رقصة “العلاوي” عن الموعد بكل ما تحمله هذه الرقصة من إيحاءات لرفض الخنوع والإذلال والتمسك بالأرض، وتشبت به وفرقة العرفة الشعبية القادمة من أقصى الساحل التلمساني، ورقصة الصف لنساء بني سنوس وغيرها من الاستعراضات الفلكلورية الأخرى.
.
في حضرة “لالة ستي”
وإن كانت متاحف تلمسان بوسط المدينة، ستكون إحدى المحطات التي سينزل بها ضيف مدينة سيدي بومدين شعيب، فإن أجنحة القصر الملكي ستعرف عرض أهم الألبسة التقليدية، فيما سيعرف قصر الثقافة تنظيم معرضين معرض “النوبة” ومعرض الصورة الجزائرية بكل ما يحمله هذان المعرضان من تفاصيل وزوايا تخلد أهم الشخصيات الموسيقية، وتعكس أهم مظاهر الحياة الجزائرية عبر صور تؤرخ للنبض الجزائري وحبه للوطن، قبل أن يتوجه إلى مركب البحوث الأندلسية بحي إمامة والذي يعد تحفة فنية جمالية تستحضر عبق التاريخ الأندلسي، متوجها بعد ذلك إلى المنتجع السياحي بأعالي تلمسان، أين تنام الولية الصالحة “لالة ستي”، أين يتواجدالمتحف التاريخي للناحية العسكرية الخامسة، حيث سيطوف عبر أجنحته التي لا تزال تحتضن بطولات الرجال لتحرير البلاد والعباد من قبضة السلطة الاستعمارية الاستدمارية الفرنسية.
.
هل سيفسح الجبن مكانه للحريرة التلمسانية والكسكس المعسل؟
وإن كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، من عشّاق أكل “الجبنة” فأكيد أنها ستكون حاضرة في أطباق المأدبة الغذائية الرئاسية التي ستقام على شرفه بفندق الرونيسونس، وهي الأطباق التي ستكون متنوعة تعكس تقاليد سكان تلمسان وعاداتهم، وأهم المأكولات والأطباق التي تتميز بها تلمسان دون غيرها من المدن الجزائرية، بداية بطبق الحريرة التلمسانية و طجين الحلو وطجين المحمر وصولا إلى طبق الكسكسى الممزوج بالعسل وحلوة الترك والمزين بالمكسرات وأطباق الحلوة المتنوعة من القريوش، والمقروط والكعك التلمساني وغيرها من الأطباق الأخرى التي سيكتفي الرئيس الفرنسي فرونسوا هولاند، بالتذوق منها فقط للحفاظ على لياقته البدنية التي تعتبر من أهم الأمور الذي يحرص على الحفاظ عليها.