الرأي

مصر.. لحظة ما قبل البداية

صالح عوض
  • 3495
  • 0

في مصر كل شيء تغير.. وفي مصر تعلو قيم جديدة، وتسمو روح جديدة، وتنتشر ثقافة جديدة، ووفق ذلك كله يولد مجتمع جديد.. ورغم شراسة فترة المخاض وعنفها إلا أن الأفق القريب يفتح أبوابه على واقع لم يتسن لمصر منذ آلاف السنين.. واقع لم يعشه العرب منذ مئات السنين.. فمن كان يعتقد أن يصبح كل مصري يمتلك الجرأة الكافية لكي يعبر بصوته الحر الواضح القوي عما يريد وعما يعتقد بل ويصل به الأمر إلى أن يتجاوز على رئيسه بلا خوف ولا وجل.. ولعله كان مثيرا للاستغراب ذلك المشهد الذي احتوى حوارا بين مراسل تلفزيوني وأحد المواطنين عندما سأله: هل أنت مع الدستور أم لا؟ ولماذا؟ أجابه المواطن: أنا لست مع الدستور. ولا أعرف لماذا أنا لست معه المهم أنا لست معه.

مصر تتغير تغيرا عميقا على الصعيد النفسي والثقافي.. ولم يدرك سياسيون مصريون كبار أن الذي يجري في مصر إنما هو استبدال حقيقي في صميم الأفكار والتطلعات.. ولم يستوعب صحفيون وإعلاميون ومثقفون أن المرحلة هي مرحلة الاستبدال الكبير التي ستلفظ حتما ثقافة المراحل السابقة وقيم المراحل السابقة لا سيما تلك التي تتعلق بالإحساس بحقوق الإنسان وكرامته وممارستها. ومن هنا بالضبط جاءت الصدمة لكل أصحاب الرؤى التقليدية الذين لم يستوعبوا التفاعلات العميقة في المجتمع المصري واستندوا إلى بطش النظام السابق كعامل مساعد ضروري لهم لكي يكبت احتمال التحول الثقافي والنفسي والاجتماعي.

في مصر الآن رئيس منتخب شرعيا وتسنده قوة التيار الشعبي الواسع ورغم ذلك فإن احتمال تحوله إلى فرعون، كما كانت تجري الأمور في مصر دوما، غير وارد البتة.. لأن في مصر اليوم قوى معارضة ومراقبة لكل تصرف مهما صغر شأنه والرئيس والمناخ العام يدفعان بحق المراقبة الشعبية إلى الامام، ويوفران لها كل الضمانات.. وهكذا تكسرت قوالب العمل السياسي القديم الذي كان ديكورا في مشهد الفرعون. وهكذا انزاحت نماذج سياسية وثقافية كانت بمثابة أركان للوضع الفاسد الطاغي.. كانت أدوات الفرعون.

رغم هذا.. إلا أن عنفا مبالغا فيه يمارسه الخائبون في انتخابات الرئاسة، وبعد أن فشل كل واحد منهم أن يكون رئيسا، اجتمع ثلاثتهم علهم يسقطون من فاز عليهم وهم لا يدركون أنهم إنما يصارعون طواحين هواء لأنهم يمثلون الماضي المرتبط بالطاغوت المحلي أو الدولي.. أما الرجل الذي أمامهم فهو المناضل ضد الطاغوت وهو الصاعد من أنات المستضعفين المقهورين ومع هذا فهو قامة علمية عالية وصاحب مناقب أخلاقية سامية ومُسند بقوة اجتماعية فعالة وحيوية وواسعة.. إنهم فحصوا أمرهم وأنبأتهم السفيرة الأمريكية في لقاء لها بهم أنهم أضعف من أن يكونوا أصحاب تيار شعبي. إلا أن فشلهم هذا قادهم إلى مزيد من الحقد الأعمى فاتجهوا إلى التهيئة لعملية الانقلاب على الأوضاع القائمة بكل الوسائل الممكنة، كما صرح البرادعي.. وهذا خطأ سياسي كبير ارتكبه سياسيون بارعون يتباهون بتجاربهم السياسية.. لأنهم لم يدركوا أن الشعب المصري مكن أن يتحمل كل شيء إلا أن يمس في دينه.. ثم إن الشعب المصري خرج من طوق الاستعباد وليس كما قال الأسواني الأ ديب المشهور والثوري الكبير بأن الشعب المصري متخلف وجاهل وإنه ليس من حق “الأميين” التصويت بمعنى من المعاني إنهم يريدون تفصيل شعب على المقاس اليساري والليبرالي.. وهكذا تتعرى شعاراتهم الديمقراطية الزائفة.

إنها لحظات ما قبل البداية.. إنها بداية مرحلة جديدة في البناء السياسي الداخلي وفي التنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي وبداية مرحلة جديدة في دور مصر العربي والإسلامي والإقليمي.. إنها لحظات دامية وقاسية ومؤلمة ولكنها لن تكون إلا لحظات لتنطلق مصر الكبيرة والتاريخية من عقالها ولتكون حصن الأمة المنيع تعيد التوازن إلى الأمة وتمنحها فرصة التحرر.

مقالات ذات صلة