الرأي

مصر: من يجرؤ على رفض الاستفتاء؟

جوهر الصراع في مصر بين التيار الإسلامي والتيار الليبرالي ليس “الإعلان الدستوري” وإنما هو “الدستور الجديد” المقرر الاستفتاء عليه يوم 15 من الشهر الجاري، وتكمن قوة الإسلاميين في “التنظيم السري” بينما تكمن قوة التيار الليبرالي في “المجتمع المدني ووسائل الإعلام الخاصة”، فلصالح من سيكون الاستفتاء؟.

الصراع حول الدستور

استطاع الرئيس محمد مرسي أن يحدث تناغما بين مؤسستي العسكر والأمن، وانتزاع قرار الإشراف على الاستفتاء من مجلس القضاء الأعلى بالرغم من امتناع نادي القضاة وتعليق المجلس الدستوري نشاطه إلى “أجل غير مسمى”، إلى جانب تضامن نقابة الصحافيين معهما حيث احتجبت الصحف الخاصة وادعت القنوات الخاصة بتوقيف بعض البرامج تضامنا مع ما يسمى بـمليونية “الإنذار الأخير” والزحف نحو قصر الرئاسة بالاتحادية للضغط على الرئيس حتى يسحب إعلانه الدستوري والدستور المقرر الاستفتاء عليه الأسبوع القادم.

انقسام القضاء المصري ما بين مؤيد للإشراف على الاستفتاء ورافض له مؤشر على تفكك “المعارضة السياسية للقضاء المصري”، ويعيده البعض إلى تصريحات البيت الأبيض الأمريكي بالدعوة إلى إنشاء لجان مستقلة لمراقبة الاستفتاء ويرجعه البعض الآخر إلى موقف وزارتي الدفاع والداخلية المدعم لقرارات الرئيس.

وخلفية الصراع القائم حول “الدستور الجديد” أساسه خوف الإسلاميين من عودة فلول النظام السابق وخوف الليبراليين من هيمنة الإخوان يقوم على فكرة “أسلمة وأخلقة” الدستور لدى أنصار الرئيس.

وقد تصدى لها معارضوه على لسان عمرو موسى حين أطلق على لفظ “الشورى” كلمة “شوربة” أثناء جلسات الجمعية التأسيسية التي دامت ستة أشهر واختصر التصويت فيها في 24 ساعة.

الحقيقة الأولى التي لا تقال في وسائل الإعلام المصرية هي أن الإخوان يحظون بدعم سعودي – أمريكي وأنهم قد يحمون “مصالح أمريكا في الشرق الأوسط”، وأن نجاح الثورة المصرية قد يساعد أمريكا على تحسين صورتها في الشارع العربي، والحقيقة الثانية هي أن الاستفتاء على الدستور يجدد ثقة الشعب المصري في الرئيس مرسي بعد أن حاول غريمه أحمد شفيق أن يطعن في نتائج الانتخابات الرئاسية، والحقيقة الثالثة هي أن الإخوان عاشوا مضطهدين ما يزيد عن نصف قرن سواء في عهد الرئيس جمال عبد الناصر أو أنور السادات أو حسني مبارك وجاءت الفرصة لـ “عدالة الانتقام” مقابل “عدالة الانتقال” التي يطالب بها خصومهم.

ويبدو من خلال الاستعراضات المليونية لـ”الإخوة الأعداء” أن مصر مقبلة على هزات كبيرة فـ “الاستبداد الديني” في حق الفن والثقافة والإبداع والحريات الخاصة سيقابله حتما “استبداد سياسي” و”آخر إعلامي”، أما الحقيقة الرابعة هي أن الليبراليين ينتمون إلى فئتين مختلفتين إحداهما تتبنى “دستورا رئاسيا” على الطريقة الأمريكية والأخرى تتبنى “دستورا شبه رئاسي” على الطريقة الفرنسية وهما مشتركان في الدعوة إلى “دستور توافقي” دون مراعاة مشاعر الأغلبية .

.

الاحتكام إلى الشعب

إذا أرادت المعارضة أن تسقط الرئيس مرسي- ليس عن طريق الانقلاب وإنما عن طريق صناديق الاقتراع – فهي مطالبة بأن تعمل على توعية الشعب حتى يصوت بـ”لا” على الدستور الجديد، وإذا استطاعت أن تحصل على أغلبية 51 % فإن الرئيس سيقدم استقالته وبالتالي تحقق بإرادة الشعب ما تنشده وليس بإرادة “قضاة مبارك أو رجال إعلامه”.

أغلب من شتموا الرئيس المصري في وسائل الإعلام المصرية الخاصة هم ممن طعنوا في العلاقة ما بين الشعبين الجزائري والمصري خلال مباراة 2010م وهم فئة تطاولت على شهداء الثورة الجزائرية وهي تتطاول اليوم على إرادة الشعب المصري، فقد التقيت المدعو عمرو أديب في أبو ظبي ولم أصافحه أو أجلس معه بالرغم من أننا كنا مدعوين من طرف واحد نأكل وننام في فندق واحد، هو كان يتردد على أحمد شفيق بينما كنت أتردد على أعضاء من المقاومة الفلسطينية.

إن المتتبع للشأن المصري يجد أن كل طرف من أطراف الصراع “يخاطب نفسه فقط” لكن بوادر العنف اللفظي الذي يتفوه به مقدمو الكثير من برامج القنوات الخاصة يكشف عن مدى الاستخفاف بالرأي الآخر فقد وصل الأمر بأحد المذيعين بأن يقول عن الرئيس مرسي بأن له “صلاحيات الله ” (عزّ وجل) وعلينا رفضها.

لم يبق إلا أسبوع واحد على دفن “الإعلانات الدستورية” التي أصدرها المجلس العسكري والرئيس محمد مرسي والعودة إلى الشرعية الدستورية في حال تصويت الناخبين المصريين بـ”نعم” وإذا صوتوا بـ”لا” فإن الانتخابات الرئاسية ستعاد مرة أخرى.

وإذا كان التيار الإسلامي يملك فرصة واحدة وهي تزكية دستور محمد مرسي فإن التيار الليبرالي يملك فرصتين إذا استطاع أن ينزل إلى الشارع الحقيقي وهو هموم المواطنين ويقوم بتعبئة الناخبين لصالحه فإذا فشل في إسقاط هذا الدستور فإنه ربما ينجح في الفوز بالأغلبية في البرلمان القادم المنبثق عن الدستور الجديد، وبالتالي بإمكانه تغيير الدستور وكبح جماح الإخوان.

ومع ذلك فالتخوف من الدخول في دوامة عنف لا تعرف تداعياته تبقى قائمة إذا لم تتوقف الحرب الإعلامية بين الطرفين وحرب الاستعراضات الشعبية في الشوارع .

مقالات ذات صلة