مصر نحو التصالح
ما يلوح في الأفق الأن أكثر من كونه خواطر وأمنيات، حيث تسير الأمور في القاهرة نحو مصالحات واسعة بين الإخوان المسلمين والنظام المصري.. وما التصريحات الرسمية الأخيرة من قبل الطرفين إلا تعبير عن الاقتناع بأنّ استمرار الاحتقان والصدام بينهما ليس فقط يحمل البلد خسائر كبيرة ناتجة عن الارتباك الكبير في المشهد السياسي وتعطيل طاقات مئات آلاف الكوادر المصرية النوعية وإحداث استقطابات حادة في المجتمع السياسي تنشئ مناخات الاحتقان التي تكون محضنا طبيعيا لتولد مجموعات العنف والتطرف.
هذا كله صحيح، لكن الأهم من ذلك أن المكوِّنين الرئيسيين للمجتمع السياسي المصري، وهما النظام السياسي والإخوان لا يمكن لهما الاستمرار في صراع دائم بينهما وبشكل مفتوح في ظروف استثنائية تمر بها مصر، كما انه أصبح واضحا أن أيا من الطرفين لا يمكن أن ينهي الآخر، وانها خسارة كبرى فيما لو تم الاتجاه نحو التخلص من أحد المكوّنين.
الجيش المصري قوة ليست فقط عسكرية وإنما أيضا اجتماعية وسياسية ولها الحظوة والقوة المعنوية في كل قرارات مصر منذ أمد طويل، والتفكير بمعزل عن وجوده وحساسية دوره في الحياة السياسية المصرية ينتهي إلى صدام حقيقي لن يكون الجيش هو الخاسر فيه.. وكان حكام مصر دوما يتكئون على رضا عسكرها ويستعينون بهم في كل أمر جلل ويأخذون برأيهم في كل القضايا الإستراتيجية.
لقد حصل الصدام بين الطرفين المكونين الكبيرين للمجتمع السياسي المصري عندما فقدا التوازن في العلاقة بينهما وأصاب الشك والارتياب كل طرف نحو الآخر ولم يمنح الفرصة كاملة للتفاهم والتقاطع والتحرك بمراعاة الحساسيات والحسابات الدقيقة بين المكوَّنين.
الآن وبعد تجربة مريرة في العلاقة بين النظام السياسي المدعوم من العسكر بشكل أساسي، بالإضافة إلى قوى ليبرالية والسلفيين من جهة، وجماعة الإخوان المسلمين وقوى ثورية عديدة، اصبحت المصالحة اكثر من ضرورة في مرحلة تتحالف فيها تحديات في مواجهة مصر وعلى رأسها التحدي الإثيوبي في بناء السدود، والتحدي الإسرائيلي في المؤسسات الدولية على حساب الدور المصري، والتمدد الإسرائيلي في ارتيريا وفي جنوب السودان، والتمزق الأمني في ليبيا، والتمزق العربي والتدخلات الأجنبية… كل ذلك يلقي بتحديات كبيرة على الدولة المصرية ودورها بالإضافة إلى التحديات الداخلية المرتبطة بالمعيشة والاستقرار.
المصالحة بين الإخوان ومعهم قيادات ثورية تقبع في السجون الآن من جهة، والنظام من جهة اخرى يوفر الفرصة الكبيرة للاستقرار وانجاز نظام قوي ومشاركة شعبية حقيقية يمكن لمصر ان تستعيد دورها الإقليمي والدولي والتصدي لجملة التحديات الأمنية والاقتصادية والإستراتيجية.
فهل النظام والإخوان جاهزان لهذه العملية الضرورية للطرفين؟ من المؤكد انه ليس امام الإخوان والنظام الا هذه الخطوة الكبيرة؛ فمن حيث المبدأ هي قناعة عميقة تسكن الضمير الجمعي والوعي الجمعي وهي المخرج الوحيد للكل المصري.. والمصالحة تعني بوضوح تنازلات من كلا الطرفين بما يحقق الوئام الوطني، ومشاركة الجميع في المؤسسات والقرار، ووضع خريطة طريق وبرنامج واضح للخروج من الانسداد إلى بناء الهياكل الدستورية من جديد..
ان مصر بأمسّ الحاجة إلى الإخوان وكوادرهم وروح الاعتدال التي يحملون، وبأمسّ الحاجة إلى جيشها القوي المؤسس بحِرفية عالية وصاحب الخبرات في الصراع مع العدو الصهيوني وأي صدام بينهما ليس لصالح مصر ولا الأمة.. فهل حان الوقت لسماع أخبار سارة من مصر؟ تولانا الله برحمته.