مصر وسورية
ليس سهلا دخول هذا الموضوع، ذلك لأن له مائة باب وباب.. باب التاريخ والجغرافيا والمصالح والاقتصاد والواقع.. كل شيء يوحد البلدين، رأس الحسين الذي انتقل من دمشق إلى القاهرة وكره اسرائيل وفرنسا وامريكا والتتار والصليبيين وحربهم وطموحات محمد علي وابراهيم باشا وجهاد صلاح الدين الأيوبي وقطز ونهضة ابن تيمية ومشروع نابليون وخنجر سليمان الحلبي الشامي الذي قتل قائد الحملة الفرنسية بالقاهرة وتجديد رشيد رضا الشامي الذي قاد نهضة مصر المعاصرة ونكبة فلسطين التي ضربت الأمن القومي في الصميم واحلام الوحدة بين الإقليمين وعبد الناصر وتداعيات نكسة حزيران وروح حرب اكتوبر.. تاريخ مشترك في السراء والضراء وجغرافيا متصلة توحدها فلسطين التي كانت الحاضر المركزي في كل نبضات اللقاء المصري الشامي في انتكاساته وانتصاراته.. تضفي عليه بركة ورونقا.. فمن أي الأبواب يمكن الدخول لهذا الموضوع؟
من الملفت العجيب أن مصر لا تخرج لحرب إلا اذا اشارت عليها الشام بذلك، أو إن وجدت مصر ضرورة لنجدة الشام.. لا يوجد بلد عربي يهز وجدان مصر كما تفعل الشام.. مصر ترى في الشام الأخ الحبيب الجميل الأنيق اللطيف الذويق في مأكله وملبسه والأنيق الرائع حتى عادت كلمة شامي عند المصري تعني رفعة الذوق ولكنه ايضا المستهدف من قبل الأعداء دوما، لأن جغرافيا الشام رخوة تسيل اللعاب لا تستطيع وحدها مقاومة الحملات الكبيرة.. وترى الشام في مصر الأمان العربي والركن الركين والمنجد.. ترى في مصر الطيبة والأخ الكبير الذي لا ينبغي ان يبتعد عن إخوته.
علماء الجغرافيا السياسية والتاريخ وعلماء النفس الاجتماعي لهم كلام كثير في موضوع مصر والشام.. فهل يدركها الحكام الجدد في مصر والشام..؟
الرئيس المصري دعا إلى لجنة رباعية من تركيا والسعودية وايران ومصر لمعالجة الملف السوري.. كان يمكن ان يكون لمثل هذه المبادرة اثر ايجابي في الساحة لجهة فض الاشتباك الدامي ونقل البلاد إلى مرحلة اخرى من الوفاق والحريات.. وكان من المفترض ان يدعو الرئيس المصري دولا عربية وازنة ومتزتة في الموقف من الاقتتال في سوريا.. لأن اللجنة تضم اطرافا تتخذ موقفا حادا من الأزمة السورية ولن يكون لها قبول لدى الأطراف.. فكان غياب تلك الدول منذ البداية يعني فشل اللجنة.. ثم ان الرئيس المصري اتخذ موقفا يتناسب مع قناعاته وروحه وضميره بمطالبته برحيل الرئيس السوري، لكن هذا الموقف لا يتناسب مع ما يريد من دور اقليمي لمصر.. برغم ان الموقف المصري رفص التدخل الأجنبي في الشأن السوري وهذه مسألة غاية في الأهمية.
كان لا بد ان نفهم انهم اي الاستعماريون توجهوا لتحطيم سوريا عندما أيقنوا ان مصر على طريق التحرر، وهم يدركون ان سوريا ستجر مصر لحرب ضد اسرائيل فأسرعوا للإجهاز على سوريا.
لذا كان ينبغي على السوريين ان لا يتعجلوا بالهجوم على مرسي، وكان على المصريين ان يتأنوا في إصدار الأحكام وان يتحركوا بهدوء لفض الاشتباك.. الا ان الطرفين وقعا في خطإ تكتيكي ضيع فرصة ان يكون هناك حل عربي معقول للأزمة السورية.