الجزائر
كيف تصبح إماما في بلد الـ 38 مليون إمام؟

مصلون يطالبون بانتخاب الأئمة كما يُنتخب الأميار

الشروق أونلاين
  • 5696
  • 22

سؤال يجد إجابات متعددة ومتباينة، ولكنها جميعا تشترط التحصيل العلمي في العلوم الشرعية والالتزام الأخلاقي، لأن مهنة أو مهمة الإمام تبقى تحت مجهر المجتمع، وتكاد تكون المهنة التي لا تغفر فيها الأخطاء نهائيا، حتى ولو كانت بسيطة، وكما خطف بعض المقرئين الإعجاب بتلاوتهم العطرة، خطف بعض الأئمة بطريقة خطاباتهم القلوبَ، وصارت تشدّ إليهم الرحال، في الوقت الذي صار لجمعيات المساجد الدينية يد في تثبيت وتحويل وإقالة، وحتى تعيين هذا الإمام أو ذاك.

 

ومازالت مهنة إمام غير مطلوبة مثل كل المهن، بسبب المرتبات التي برغم الزيادات الأخيرة، مازالت دون ما يحققه المعلمون والأستاذة في مختلف الأطوار التعليمية، في الوقت الذي يرى كثيرون أن الإمام لا يحق له المطالبة بالماديات والمرتبات المرتفعة، لأن الذي يخطب على الناس مرة في الأسبوع، ويؤمهم في الصلاة المفروضة التي سيؤديها بالتأكيد لو لم يكن إماما، سيكون حاله محرجا، وهو يطالب بمنح وعلاوات نظير تلاوته القرآن أو أدائه الصلاة.

وورشات تكوين الأئمة وطرق تعيينهم اختلفت في الجزائر من العهد الاستعماري إلى الزمن الحالي، مع اجتهادات مختلف الوزارات، ولم تكن خلال سنوات قليلة ماضية إلا ثمانية معاهد لتكوين الأئمة، أهمها المتواجدة في سعيدة وسيدي عقبة بولاية بسكرة وتلاغمة بولاية ميلة وتيزي وزو، ولكنها توسعت الآن باستحداث معاهد فرعية في مختلف ولايات الوطن، مكنت جميعها من تحقيق الكمّ، ولكن النوعية بقيت دون إجماع المصلين، خاصة مع ظهور جماعات مختلفة الاتجاهات، بين من يريد “الكاريزمة” الخاصة للإمام، وبين من يصرّ على سلفية الإمام واتباعه نهج ابن تيمية وشيوخ السلفية المعاصرين، من ناصر الدين الألباني وبن باز والعثيمين، وبين من يريد إماما معاصرا واجتماعيا، يخوض في الشأن الجزائري، ما جعل الأئمة في وضع لا يحسدون عليه، يفشلون برغم ما يبذلونه لإقناع عامة الناس. 

الدخول إلى هاته المعاهد الخاصة بتكوين الأئمة، يتطلب الآن حصول الطامح للإمامة على شهادة ليسانس في الشريعة، بعد أن كان باب الإمامة مفتوحا للحاصلين على شهادة ليسانس في الأدب العربي وعلم الاجتماع، ويتم تكوين الأئمة لمدة سنتين، وقبل دخوله معهد الأئمة يخوض اختبارا في أهم المعارف الشرعية، ويجب أن يكون حافظا لكتاب الله، وحتى بعد التخرج يدخل تربصا مع إمام خبير، حتى يدخل عالم الإمامة، كما يدخل الجراحون عالمهم الطبي، والجميل أن رتبتي إمام صلوات ومدرّس، تتطلبان الحفظ الكامل للقرآن الكريم، وهو ما مكّن الجزائر من كسب عشرات الآلاف من حفظة كتاب الله الجدد، أما من حيث الجانب الأخلاقي، فإن الإمام يخضع لإجراءات الوظيف العمومي من خلال ملف تكون فيه شهادة السوابق العدلية ناصعة البياض. 

 

باب الإمامة مازال مفتوحا للأطباء والمهندسين 

ولم تغلق باب وزارة الأوقاف الباب، في وجه الأطباء أو المهندسين أو غيرهم من الإطارات إن أرادوا دخول عالم الإمامة، ولكن كأئمة متطوعين فقط وليس كمُرسّمين، وعددهم حاليا بالمئات، وقد سألت الشروق اليومي، نهار أمس، أحد أقدم وأشهر الأئمة المتطوعين، وهو الأستاذ محمد سعيود الذي يمضي الآن قرابة ربع قرن إماما في مسجد عمر بن الخطاب ببلدية رغاية بالجزائر العاصمة، وهو أستاذ ثانوي يقدم العلوم الإسلامية، فقال: إنه يتعاون مع إمام المسجد المعيّن، ويتبادلان الأدوار من الدروس إلى الخطب، ومنحته نظارة الشؤون الدينية وثيقة كُتب عليها تكليف متطوع.

وبينما يؤكد الإمام السابق لجامع الأمير عبد القادر بقسنطينة، الدكتور عبد الكريم رقيق، أنه لم يحدث وأن أجبرته وزارة الأوقاف على تلاوة خطبة من تحريرها، وحتى من اقتراحها، يبصم الأستاذ محمد سعيود بالرغاية بالعاصمة، على أنه بالرغم من أنه متطوع لا يأخذ راتبا من الوزارة، يقوم باختيار المواضيع بنفسه، ففي خطبة الجمعة الماضية، اتصل بطبيب مختص حدّثه عن مرض السيدا، ونقل ما علمه طبيا للمصلين في خطبة جمعت الدين بالعلوم، وقال للشروق اليومي إن خطبة الجمعة لنهار اليوم 20 ديسمبر بجامع عمر بن الخطاب برغاية، ستتركز على موضوع اقتبسه من قراءته لموضوع في الشروق اليومي، عن الرافضين لحكم الإعدام في الجزائر ضد أصحاب جرائم اغتصاب وقتل الأطفال، ويقتصر دور وزارة الأوقاف في اقتراح بعض المواضيع التي تشغل الجزائريين، كما حدث في العدوان على غزة، ولم يحدث أبدا وأن زودت وزارة الأوقاف أي إمام بخطبة مكتوبة ليقرأها كما كان الحال في زمن الرئيس هواري بومدين.

وإذا كان التطوع قد انتعش في زمن الأزمة الأمنية التي عرفتها الجزائر، عندما خاف الكثير من الأئمة مواصلة عملهم، فإن التطوّع مازال لحد الآن، وكل إمام يريد الخطابة تطوعا عليه أن يأخذ التأشيرة من الهيئة العلمية في نظارة الشؤون الدينية للولاية المعنية.

في السنوات الأخيرة، تحوّل دور غالبية الجمعيات الدينية المتواجدة في المساجد، خاصة مع بداية العمل بالزكاة التي تجمع في المساجد، إلى شبه وزارة اقتصادية تكون في بعض الأحيان الآمر والناهي في المسجد، وكثرت المشاكل وكما قيّمت هذه الجمعيات، وقوّمت أيضا الكثير من الأئمة، ظلمت بعضهم، ولعبت دورا في توقيف الكثيرين، كما حدث على خلفية موضوع أثير في ورڤلة مثلا، عندما زل لسان الإمام بالقول “الشيطان رضي الله عنه” بدلا عن لعنه، فحوّلوه إلى السخرية عبر الفايسبوك، وسحبوا البساط من تحت أقدامه، أو كما طالب أحد أئمة ولاية قسنطينة المصلين بالدعاء لأحد الإطارات الجزائرية بالمغفرة، لأنه كان يتقاضى الرشوة في عمله طبقا لوصيته، حيث تدخلت أرملة المعني التي ترك لها “المرتشي” فيلا فاخرة، وعبر معارفها زعزعته عن كرسي الإمامة، أو كما حدث الأسبوع الماضي في بلدية بومقر بولاية باتنة، عندما تحوّل دعاء من إمام لبنتين من القرية لأجل الزواج إلى فتنة مازال لهيبها مشتعلا لحد الآن، حرمت مسجد عمر بن الخطاب ببومقر لأول مرة من صلاة الجمعة، إذ ثارت فتنة عروشية اعتبرت ما قام به الإمام هو مسّا بمشاعر أهل المنطقة المحافظة، ومنعت نظارة الشؤون الدينية الإمام من آداء خطبة الجمعة الأخيرة، واقترحت آخر لتعويضه، فرفض العرش التابع للإمام الأول وقاطع المصلون الصلاة، ثم أخذت الأحداث أبعادا أخرى، تارة اجتماعية وأخرى سياسية، تعود بداياتها الأولى إلى فترة سابقة في أعقاب الدرس الذي يسبق خطبتي الجمعة، إذ فتح الإمام بكل براءة رسالة دستها سيدة في جيبه، وقال بأنها وردت من شابتين تطلبان الدعاء لهما بالزواج والخروج من العنوسة، فدعا لهما الإمام، ولكن التأويلات والاتهامات طالته، بالقول إنه لم يهن المنطقة وبناتها فقط، وإنما أيضا الجزائر التي برغم ثرائها لا يمكنها مساعدة الشباب والشابات ماديا ومعنويا على الزواج.

الغاضبون من الإمام، راحوا يجمعون الإمضاءات لأجل سحب الثقة منه، والمدعمون له في هجوم معاكس جمعوا أيضا أكثر من ألف إمضاء، وهو ما جعل الكثير من المصلين يقترحون إجراء انتخابات داخل كل مسجد، لتعيين الإمام كما هو حادث في النقابات العمالية وفي المجالس البلدية، على قناعة كبرى بالدور الديني والاجتماعي الذي يلعبه الإمام في البلاد، حيث يشارك في قراءة فاتحة الكتاب في مناسبات الزواج الذي يبني المجتمع، وفي فض الخلافات العروشية الطاحنة، وفي فرائض الإسلام، من صلاة وزكاة وفي المآتم، ما يعني خطورة هذا المنصب في بلد كل الناس يفتون فيه ويخوضون في العلوم الشرعية.

 

 

مقالات ذات صلة