مصيبة خسارة رمضان
لو تأمّل الواحد منّا وقْعَ مصيبة “خسارة رمضان” على حياته، لكان حريا أن يتقطّع قلبه حسرة وحزنا على إضاعة خير الليالي والأيام، ولكان حريا به أن يبكي بدل الدّمع دما، لأنّه لا يدري لعلّه سيكون آخرَ رمضان له في هذه الدّنيا. يقول نبيّ الهدى صلّى الله عليه وآله وسلّم: (رغم أنف رجل دخل عليه رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له).
أخي المؤمن. لعلّك إلى الآن، وبعد تصرّم 27 يوما من رمضان، لم تتخلّص من ذنوبك ولم تعتق من النّار؛ أُعتِق حولك في هذا العالم الآلاف بل ربّما الملايين، وأنت لا تزال رهينة لنفسك الأمّارة بالسّوء.
أخي المؤمن.. تخيّل لو دخلت المسجد صبيحة العيد فوجدت قائمتين: إحداهما للفائزين في رمضان وأخرى للخاسرين. تنظر في قائمة الخاسرين فتجد اسمك بينهم، ثمّ تنظر في قائمة الفائزين فتجد فلانا وفلانا وفلانا، من أقاربك وجيرانك. تخيّل أخي هذا الموقف ثمّ ارجع إلى حالك واسأل نفسك ماذا قدّمت في رمضان وماذا أخّرت؟ هل تحسّنت حالك مع الصّلاة ؟ هل أصبحتَ تجد الرّاحة والطّمأنينة في حثّ الخطى إلى المسجد لصلاة الفجر؟ هل أصبحت تجد لذّة لقراءة القرآن قبل وبعد كلّ صلاة؟ هل أصبحت تجد حلاوة وأنسا للدّعاء والتذلّل لخالق الأرض والسّماء؟.. اسأل نفسك وفتّش في قلبك وروحك، وحاول أن تصحّح مسارك ما دام في العمر بقية، وما دامت الأنفاس تخرج وتعود.
أسباب الانتكاس بعد رمضان
الانتكاس بعد رمضان، أصبح ظاهرة تؤرّق كلّ مهتمّ لواقع ومستقبل هذا الدّين، الذي هو في أمسّ الحاجة إلى كلّ فرد من أفراد هذه الأمّة الجريحة لسدّ الثّغور الكثيرة التي فتحت عليها وتسلّل منها الأعداء لإذلال خير أمّة أخرجت للنّاس.. طبيعيّ ومفهوم أن يشعر العبد المؤمن بشيء من الفتور في عبادته، لكن أن يتحوّل من النّقيض إلى النّقيض، ويخلع ثوب العبودية والالتزام، ويترك الطّاعات والقربات ويعود إلى الغفلة والمعاصي مع أوّل يوم من شوال، فهذا ما لا يمكن أن يركن إليه ويرضى به عبد يخشى الله والدّار الآخرة، ويعلم أنّ الله مطّلع عليه ويحصي عليه أعماله ويحاسبه في رمضان وفي غير رمضان، وأنّ الزّائر الأخير ملك الموت يمكن أن يحلّ بساحته في أيّ لحظة من لحظات عمره من غير سابق إنذار.
الانتكاس بعد رمضان له أسباب كثيرة، لعلّ من أبرزها:
1. التّوبة الكاذبة الخادعة
كثير من المنتكسين بعد رمضان، إنّما يفعلون هذا عمدا وعن سبق إصرار، لأنّهم مع بداية رمضان، يضمرون في أنفسهم أنّهم سيعودون إلى ما كانوا عليه في شعبان مع أوّل يوم من أيام شوال، فهم لا يعرفون عن رمضان إلا أنّه موسم مسايرة للواقع، يصلّون فيه مع المصلين ويجلسون لقراءة القرآن مع الجالسين، دفعا للّوم والعتاب الذي يمكن أن يلحقهم من جيرانهم وخلانهم وذويهم إن هم تخلّفوا عن الرّكب!
وهؤلاء الذين وصفنا حالهم على خطر عظيم، ويُخشى عليهم أن يكونوا ممّن قال الله فيهم: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138))) سورة النّساء.
2. اتّباع الهوى والإخلاد إلى الرّاحة
اتّباع أهواء النّفس، والرّكون إلى رغباتها، من أعظم أسباب الانتكاس في رمضان وفي غير رمضان، لأنّ النّفس بطبعها أمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي، وتحبّ الدّعة والرّاحة، وتهوى النّوم والاستراحة، وتكره كلّ عمل يقطع عليها ما تشتهيه وتهواه، لذلك فهي تطلب بعد شهر رمضان أن تخلد إلى الرّاحة بعد شهرٍ من النّصب في طاعة الله، فإذا لم يتنبّه العبد المؤمن إلى وساوسها وخلجاتها، وراح يذعن لطلباتها، فإنّه سيجد نفسه بعد أيام قلائل من رحيل رمضان، قد ترك الصّلاة في المسجد، وأصبح يؤخّر صلاة الفجر إلى ما بعد شروق الشّمس، ويجد ثقلا وصعوبة لفتح المصحف.
لأجل هذا ينبغي للعبد المؤمن أن يخالف هوى نفسه، مستحضرا أنّ الرّاحة الحقيقية في طاعة الله وعبادته وطلب رضاه، ومخالفة أهواء النّفس وكبح جماحها، يقول الله تبارك وتعالى: ((وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41))) النّازعات.
يقول الشّاعر:
ومِن البلاء وللبلاء علامة – أن لا يُرى لك عن هواك نزوع
والعبد عبد النّفس في شهواتها – والحرّ يشبع تارة ويجوع.