الرأي

معوقات الاتفاق الأمريكي الإيراني

محمد بوالروايح
  • 58
  • 0

 يخطئ من يعتقد أن المفاوضات المباشرة وغير المباشرة بين أمريكا وإيران ستُثمر اتفاقا على المدى القريب، فهذه المفاوضات تعترضها معوقات كثيرة، يتعلق بعضها بطبيعة النظام الإيراني الحالي سليل نظام الخميني، ويتعلق بعضها الآخر بطبيعة الخلاف الحاصل بين أمريكا وإيران الذي يتجاوز كونه خلافا حول النووي أو الباليستي أو خلافا حول النفط أو مضيق هرمز بقدر ما هو خلافٌ عقدي بامتياز؛ فإيران الحالية لا تزال على خطى إيران الخالية في التمسُّك بمواقف الثورة الإسلامية في عدائها لما يسمى في الأدبيات الإيرانية “محور الشر” المتمثل في أمريكا وربيبتها “إسرائيل”، وكون الخلاف بهذا المستوى هذا يعني أن الاتفاق بين أمريكا وإيران ليس قريبا.

إن التعثر الذي عرفته الاتفاقات والهدنة المبرمة بين أمريكا وإيران مرده إلى الخلافات الجوهرية المتراكمة والمتوارثة بينهما، فالنظام الإيراني لا يزال متمسكا بموقفه التاريخي من أمريكا بأنها الدولة الراعية للكيان الصهيوني وبأن خطيئة أمريكا الكبرى هي في دعمها لهذا الكيان، فالعلاقات بين إيران وأمريكا ما كانت لتكون بهذه الحدة لولا هذا الدعم غير المحدود الذي تقدمه أمريكا للكيان المارق الذي يستهدف إيران بكونها درعا واقيا للأمة الإسلامية كما يذكر الإمام الخميني في وصاياه التي لا تزال تشكل مصدرا لإلهام النظام الإيراني رغم طول العهد على الثورة الإسلامية.

وهذه أهم المعوقات التي تحول دون اتفاق وشيك بين أمريكا وإيران:

1- عباءة الخميني:

رغم ما أذيع في بعض القنوات الأجنبية خاصة المعادية لإيران من أن النظام الإيراني الحالي يشهد تصدُّعات كثيرة قد تفضي إلى الانقسام، إلا أن العارف بطبيعة هذا النظام يفنِّد ذلك جملة وتفصيلا، فقد تعرَّض لهزات كثيرة قبل حربيه الأخيرتين مع أمريكا وإسرائيل، وأسفرت هذه الهزات عن بروز معارضة داخل إيران ولكنها بقيت في هذا المستوى ولم تتسلل إلى عمق النظام الإيراني المحصَّن كما ينبغي مما يتعذر معه تفكيكه بالسهولة التي يتصورها المعارضون لهذا النظام من الداخل ومن الخارج، فسرُّ صمود هذا النظام يكمن في تماسكه وتعامله الصارم مع أي محاولة لاختراقه أو إسقاطه، ولا يزال النظام الإيراني متمسكا بعباءة الخميني التي توفر له -حسب العارفين بالشأن الإيراني- الحصانة اللازمة التي تجعل كل محاولة لاستهدافه مغامرة ومقامرة غير معلومة العواقب، ولا تزال وصايا الخميني تهيمن على المشهد الإيراني وهي الوصايا التي يشير إليها المرشد الأعلى الحالي مجتبى خمينئي تصريحا أو تلميحا أو يضمّنها الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس مقرّ خاتم الأنبياء وقائد الحرس الثوري وغيرهما من قواعد النظام في خطاباتهم وتصريحاتهم الصِّحافية.

لا يُعرف عن المرشد الأعلى مجتبى خمينئي أنه من رجال الدين المرموقين ولكنه ينتمي إلى عائلة دينية بامتياز لها حضور في المشهد الديني في “مشهد” التي تُعرف بتوجُّهها الديني والتي تسِمها بعض الجهات العلمانية والموالية للصهيونية بأنها وريثة فكرة لا حوار مع أمريكا وإسرائيل رمزي العداء والاستعلاء والاستيلاء التي تبيح لهما فعل ما يريدان وكأنهما مركز الكون ودركي هذا العالم.

من يتابع تصريحات المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خمينئي، يجد أنها تخرج من مشكاة الخميني، فهو ليس متحمسا لعقد اتفاق مع إسرائيل وأمريكا وعملائهما تماما كما أوصى الخميني: ‘لا تعقدوا أحلاف المودة والأخوّة مع إسرائيل عدوة الإسلام والمسلمين والمشرِّدة لأكثر من مليون مسلم بريء، لا تجرحوا مشاعر المسلمين، لا تفتحوا الطريق أمام إسرائيل وأعوانها الخونة للدخول إلى أسواق المسلمين، لا تعرضوا اقتصاد البلاد إلى الخطر من أجل إسرائيل وعملائها”.

وصرح مجتبى في هذا السياق في وقت سابق بأنه وافق على المضيِّ في مسار الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية رغم أنه يملك رأيا مخالفا، محمِّلا مسؤولية نجاح هذا الاتفاق أو فشله للحكومة الإيرانية وعلى رأسها الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الذي تعهَّد -كما يضيف مجتبى- بحماية مصالح البلاد وعدم الرضوخ لأي ضغوط أمريكية.

2- مجتبى خمينئي والثأر:

لا أفضِّل استخدام مصطلح “الانتقام” الذي تتداوله بعض وسائل الإعلام في حديثها عن تهديدات مجتبى خمينئي بردِّ الصاع صاعين والثأر لمقتل والده علي خمينئي وبعض أفراد عائلته، وأفضِّل استخدام مصطلح “القصاص”، وفي هذا السياق وفي تصريح جديد قديم قال مجتبى بأن الثأر لوالده وعائلته وشهداء إيران أمرٌ مشروع توجزه كل الأديان والأعراف، ولهذا الأمر حسابه في أي مفاوضات مستقبلية محتملة مع أمريكا، فالثأر أولا ثم الحوار، وقد نقل عن مجتبى قوله: “نتعهد بالثأر للمرشد الأعلى ولكل دماء الشهداء في الحربين السابقتين”. ولم يخفِ الإيرانيون المشاركون في تشييع المرشد الأعلى الراحل علي خمينئي هذا الأمر بل أعلنوه في لافتات تحمل تهديدا مباشرا لدونالد ترامب، وقال المرشد الإيراني في بيان بمناسبة تشييع علي خامنئي في العراق وإيران، إن:”الانتقام والثأر لدماء المرشد الراحل وبقية الشهداء مطلبُ شعبنا ويجب أن يتحقق، وأن على قتلة المرشد الراحل أن يعلموا أنهم سيحاسَبون على جرائمهم”. وأضاف: ‘الانتقامُ لا يتوقف على وجودي أو وجود بقية المسؤولين، الانتقامُ سيتحقق حتما، أحرارٌ من أنحاء العالم سيؤدون قريبا جزءا من مهمة الانتقام من قتلة المرشد الراحل وبقية الشهداء”.

3- إسقاط النظام مقدَّم على نفط إيران:

لم يخفِ ترامب رغبته في إسقاط النظام الإيراني والبحث عن نظام بديل أكثر “تسامحا وانفتاحا” مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع العالم، وأضاف ترامب بأنه يفضِّل حدوث هذا الأمر من الداخل الإيراني وبضغط من الشارع الإيراني، وليس بتدخل مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية.

ويبدو أن الرهان على إسقاط النظام الإيراني بات أمرا متجاوَزا ومستبعَدا ولم يعد التركيز عليه واردا لدى الإدارة الأمريكية، فقد فضّل ترامب تجريب بدائل أخرى أو تأجيل الأمر إلى حين توفر شروطه. إن إيران على لسان المرشد الأعلى مجتبى خمينئي تعدُّ الدعوة والتحريض على إسقاط النظام الإيراني جريمة كاملة الأركان ونيَّة مبيَّتة تُفسد كل حوار وعلى ترامب أن يتحمَّل عواقب ذلك.

من يتابع تصريحات المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خمينئي، يجد أنها تخرج من مشكاة الخميني، فهو ليس متحمسا لعقد اتفاق مع إسرائيل وأمريكا وعملائهما تماما كما أوصى الخميني: ‘لا تعقدوا أحلاف المودة والأخوّة مع إسرائيل عدوة الإسلام والمسلمين والمشرِّدة لأكثر من مليون مسلم بريء، لا تجرحوا مشاعر المسلمين، لا تفتحوا الطريق أمام إسرائيل وأعوانها الخونة للدخول إلى أسواق المسلمين، لا تعرضوا اقتصاد البلاد إلى الخطر من أجل إسرائيل وعملائها”.

مقالات ذات صلة