مفهوم “الدولة الإسلامية” و”الدولة الأمة”؟
إن مفهوم الدولة الأمة في مقابل الدولة الإسلامية، وهو موضوع مقالنا هذا، لمن وضعهما متقابلين، خطأ منهجي؛ لأن مصطلح الدولة الأمة يعبر عن معنى، بينما مصطلح الدولة الإسلامية فمصطلح آخر له بعده الحضاري المختلف في الاتجاه الذي عليه مفهوم الدولة الأمة.
فمصطلح “الدولة الأمة”، يقصد به “الدولة القومية” في الغرب التي نشأت على أنقاض حرب الثلاثين سنة التي ختمت بتوافقات سياسية سميت بمعاهدة وستفاليا 1618 – – Treaty of Westphalia 1648، إثر حروب مدمرة كانت بين بعض الدول الغربية، كالنمسا وإسبانيا والدانمارك وفرنسا وسويد وألمانيا…، فتم القضاء على الحروب الدينية التي كانت بين المذهبين الرئيسيين في الغرب وهما: البروتستانت والكاثوليك خاصة، كما تم القضاء أيضا على المفهوم الأمبراطوري للدولة الموروثة، فأخذ مفهوم الأمة معنى جديدا، ينحصر في الدولة القطرية الوطنية، فكان نظام “الدولة الأمة”، الذي بني على احترام الخصوصيات الوطنية، كمرجع أساس وهوية للمجتمع والدولة، وفق عقد الاجتماعي، اشتغل عليه علماؤهم، ومنهم على وجه الخصوص: توماس هوبز، وجون لوك، وجون جاك روسو، ثم انتقل هذا المفهوم، إلى عالمنا الإسلامي عبر حركة الاستعمار التي قادها الفرنسيون والأنجليز وفق المخطط المعروف بالميثاق الاستعماري، الذي كان من مهامه التي اشتغل عليها بقوة ما يعرف الشريكان سايكس وبيكو، الذي كان بين الفرنسيين والأنجليز، فتم تقسيم البلاد العربية بموجبه.
والتقسيم الذي شهده العالم الإسلامي، خاصة بعد إلغاء نظام الخلافة على يد مصطفى كمال، الذي لم يكن فعله مجرد انفعال تركي تأثر بطروحات الغرب، أو مجرد فكرة أراد بها الغرب تقسيم العالم العربي والإسلامي وحسب، وإنما هو فكرة ناجمة عن تنظير سياسي جديد لمفهوم الدولة، بدأ في الغرب كما أسلفنا بمعاهدة أنهت حربا كانت بينهم دامت ثلاثين سنة، وحربا قبلها دامت ثمانين سنة، ثم انتقلت إلينا الفكرة عبر استعمار بلادنا والاستيلاء عليها، ثم توارثتها الأجيال في ظل الدولة الوطنية التي نشأت بعد الاستقلال…، وذلك تماشيا مع تحولات الفكر السياسي وطبيعة سياسة الغالب وسلطانها على واقع المغلوب.
وقد ترسخ مفهوم الدولة الأمة أكثر، لنجاح التجربة الأمريكية، في إنشاء دولة أمة، في ظل نظام سياسي جامع للأعراق والثقافات المتعددة والمختلفة، وبتجربة الاتحاد السوفييتي أيضا، التي جمعت بين جوانحها الكثير من الشعوب المختلفة والمتنوعة في إطار دولة واحدة بهوية واحدة جامعة بينهم.
ولكن هذا المفهوم الجديد الذي تبناه الغرب كدولة معبرة عن إرادة الشعوب وأهداف الأمة الواحدة، سرعان ما انتبه إلى فراغات في هذا النظام الجديد، الذي يفتقر إلى عمق ثقافي أكثر صلابة، وهو موجود ولكن مفهوم الدولة الوطنية، حال دون اللجوء إليه، فكانت فكرة العودة إلى البحث عن صيغ جامعة، أنتجت بعد ذلك في الإطار الأوروبي فكرة “السوق الأوروبية المشتركة” التي ظهرت في أول الأمر من أجل الوقوف في وجه النظام الاقتصادي الجديد، الذي لا تصمد في وجهه النظم الاقتصادية الوطنية الصغيرة، ثم تحولت السوق الأوروبية المشتركة إلى نشاط اندماجي أكثر فاعلية وتقريبا بين الشعوب الأوروبية في ظل “الاتحاد الأوروبي”، وقد تأكد ضعف الدولة الوطنية ومحدوديتها بتفكك الاتحاد السوفييتي، وقريبا تفكك النظام الأمريكي، الذي لا يمتلك مقومات الدولة صلبة النواة، المقررة في خبرة الإنسان الطويلة في ذلك، حسب إيمانويل تود.
فالتجربة الأمريكية كما عبر عنها محمد حسنين هيكل، شركة ذات أسهم في شكل امبراطوري، لا يجمع بين أفرادها إلا المصلحة الاقتصادية، وما عدا ذلك فهو ثمرة من ثمار هذه المصلحة، قابلة للتفكك متى شعر الأمريكي بتفكك المصلحة الجامعة.
ونظام الدولة الأمة الذي كان مجسدا في النظم الامبراطورية القديمة، الممتدة عبر الكثير من الشعوب، هو الممثل الحقيقي لمفهوم الأمة، بفضل ما يتمتع به النظام من قيم جامعة تتجاوز مجرد النظام السياسي، القائم على تحقيق المصلحة الآنية، لولا المظالم التي سادت تلك الأنظمة.
وأفضل من جسد مفهوم الدولة الأمة في تقديري، هو النظام السياسي الإسلامي ابتداء من نظام الدولة على منهاج النبوة، ثم الخلافة على منهاج النبوة، وما تلا ذلك من صور واجتهادات سياسية متتالية، استمرت إلى أن سقطت الخلافة، بسبب ما اعتراها من ضعف وانحرافات، نبه إلى خطرها علماء الأمة قبل ذلك بكثير.
ورغم أن نظام الخلافة قد اعتراه الكثير من الاختلالات التي طرأت على نظام الشورى الذي قرره القرآن (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [الشورى 38]، ابتداء من استبداله بنظام الملك والتوارث، فإن نظام الخلافة كان الأقل سوءا في التاريخ الإنساني.
ورغم أن مركزية الخلافة في مراحل كثيرة لم تستطع بسط نفوذها على كل بقاع الأمة الإسلامية كلها، بحيث كانت هناك ولايات إسلامية مستقلة عن مركز الخلافة، فإن ولاءها وارتباطها بالأمة ظل قائما إلى أن سقطت الخلافة؛ بل إن ولاء الأمة إلى العقيدة والثقافة لا يزال هو الجامع بين أطرافها المترامية، رغم غياب الخلافة بمفهومها التاريخي، وذلك بفضل ما حافظت عليه الأمة من مخزون عقدي ديني لا يزال هو المحرك، وهو قادر على إعادة بعث هذه الطاقة الكامنة بصورة معينة جامعة للأمة من جديد.
لا شك أن عودة الخلافة بصيغتها القديمة متعذر، فلا يمكن لدولة من هذه الدول الوطنية التي تشعر بالسيادة على نفسها وعلى شعبها، أن تندمج في غيرها بسهولة دون مثل أعلى أقوى وأقدر على تذويب المعوقات القائمة اليوم…، ولكن إعادة بعثها في صور أخرى ممكن، سواء ببرامج تنموية مشتركة أو بتحالفات معينة تمهد للاندماج الجزئي أو الكلي بين الشعوب والأنظمة السياسية القائمة.
لقد كانت هناك مبادرات كثيرة منذ فكرة الجامعة الإسلامية التي أطلقها رجال الإصلاح قبل أكثر من قرنين، ولكنها لم تنجح بسبب غياب الشعور بالحاجة الذي لم يبلغ المستوى المطلوب من التوتر النفسي للأمة؛ لأنها كانت يومها في انحدار، أما اليوم فالزمن مناسب أكثر، بعد تجربة قرنين من الزمان، جمعت بين الاستعمار و”القابلية للاستعمار”، وفشل التجربة السياسية الوطنية، في ظل الدولة القومية، والنظام الموروث عن الاستعمار، والوضع الآن في أمسِّ الحاجة لهذه القفزة التي تنتظر شرارة الانطلاق من بقعة من بقاع العالم الإسلامي.
وما بقي من الطروحات الصالحة والقابلة للبعث من جديد، مثل مشروع “فقه الخلافة” للدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي رأى فيه مشروع “عصبة أمم جديدة”، وهي فكرة جنينية متقدمة، لكل ما يمكن أن يبنى من مشاريع وحدوية في إطار إعادة بعث الأمة من جديد، وقد كانت هذه الفكرة سببا في بعث “منظمة العالم الإسلامي” و”رابطة العالم الإسلامي”، كما ذكر ذلك الدكتور توفيق الشاوي ، وغيرها من الهيئات العربية الإسلامية الجامعة لأطراف الأمة، ومنها “فكرة كومنويلث إسلامي” لمالك بن نبي، وهو كتاب أصدره وهو في منظمة المؤتمر الإسلامي، يصب في نفس الاتجاه الجامع، ومشاريع الوحدة الجهوية والإقليمية التي أنشأتها دول العالم الإسلامي لمواجهة التكتلات الغربية الاستعمارية مثل “جامعة الدول العربية”، و”اتحاد المغرب العربي”، و”منظمة التعاون الخليجي”، فهذه الطروحات وغيرها، مما يمكن الانطلاق منه كعناصر جامعة يوجد لها ما يدعمها في عمق الشعوب الإسلامية من قيم عقدية ثقافية جامعة.
ومفهوم الدولة الإسلامية الذي تبنته خطابات الحركة الإسلامية، لم يخرج عن هذا السياق؛ لأنه يعرض لتجربة منفصلة عن الطروحات الحداثية بجميع أبعادها الثقافية الاجتماعية، فمفهوم الدولة الإسلامية، لا ينكر العمل على تحقيق مفهوم “الدولة الأمة”، ولكن بمضامين أعمق وأرقى لمفهوم الدولة الوطنية القومية، وعلاقاتها الدولية الممتدة في مساحات الكون العريضة، بأبعادها الثقافية والاجتماعية، فمهوم الدولة الجزائرية في طروحات الإسلام السياسي بصيغ التيارات الإسلامية في الجزائر، لا يجادل في الشكل الذي تكون عليه الدولة وطبيعة الحكم في الجزائر، من حيث هو نظام جمهوري ديمقراطي اجتماعي، وإنما يجادل العلمانيين من الجزائريين في ضرورة المرجعية الدينية لهذه الدولة، وذلك مقرر ومثبت منذ نشأة الحركة الوطنية في الربع الأول من القرن العشرين، وسارت على نهجه الثورة الجزائرية المباركة، والتزمت بها مواثيق الدولة بعد الاستقلال، ولم يظهر شذوذ عن ذلك إلا ابتداء من الانفتاح السياسي 1989… وعندما كانت قيادات الأفلان تبحث في تكثير سواد مناضلين يومها، كان مهري وهو الأمين العام للحزب، ينسق مع من كل من يؤمن بمضامين نداء أول نوفمبر، وكان يقول لزملائه، كل من عمل على تحقيق هذه المبادئ هو من جبهة التحرير ولو لم يكن منخرطا في الحزب.