-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

مفهوم المرجعية في التجربتين السعودية والتركية

التهامي مجوري
  • 4431
  • 1
مفهوم المرجعية في التجربتين السعودية والتركية

عند الكلام عن المرجعية تنصرف الأذهان رأسا إلى المرجعيات الدينية، ولعلماء الشريعة، من الفقهاء والأصوليين والمفسرين وشيوخ الزوايا والطرق الصوفية، في حين أن المصطلح أوسع بكثير من هذا الذي تنصرف إليه الأذهان، حيث أن المجتمعات في العادة تحكمها منظومة ثقافية منبثقة عن منظومة مرجعية وممزوجة بها، متمثلة في كتل من القيم الإجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، وليس إلى مرجعيات ممزقة متناثرة إن وجدت..، فعلى المستوى الدولي مثلا نتكلم عن المرجعية الدولية المنبثقة عن القيم التي وضعتها الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية المعترف بها بعد الحرب العالمية الثانية، كتصفية الاستعمار وتقرير مصير الشعوب وحقوق الإنسان وحرية التعبير وحقوق المرأة…إلخ، أما على المستوى الإقليمي والمحلي فإننا نتحدث عن مرجعية دينية تربطنا بمساحة عريضة من العالم، وهي رقعة العالم الإسلامي، وأخرى ثقافية تربطنا بالعالم العربي وإفريقيا وآسيا، وأخرى إنسانية تتجاوز الحدود والقيم التي تحكم الإنسان في العالم اليوم.

ومنطلقات هذه المنظومة المرجعية بالأساس، هي ذات طابع وطني قبل أن تكون إقليمة جهوية دينية، وأخيرا إنسانية، تمتزج فيها كل تلك المرجعيات ذات الأبعاد الاجتماعية والدينية الثقافية السياسية، ممثلة لكل مرتكزات المجتمع التي توارثها عبر تاريخه الطويل، وتعاقد على تبنيها وحمايتها والعمل بمقتضياتها، تلك هي المرجعية بمفهومها البسيط المعقد، البسيط لأنه فطري متعارف عليه بين فئات المجتمع وأفراده، والمعقد بما يفرض من التزامات على هذه الفئات وهؤلاء الأفراد.

والأصل في المرجعيات دائما، هو المنظومة الثقافية التي تحكم المجتمع، والنظام السياسي الذي يحكم البلاد. أما المنظومة الثقافية فهي قيم متوارثة لا يتنكر لها أحد ولا فئة في المجتمع، حاكمة هذه الفئة أو محكومة، ولا يستطيع النظام السياسي أن يطوعها فيلغيها أو يحرّفها؛ بل يعمل على التكيف معها بشكل من الأشكال، ربما يستغلها أو يحيّدها في بعض القضايا أو يستثمر فيها، ولكن لا يلغيها ولا يستطيع ولو أراد.

أما النظام السياسي فأمر آخر غير خاضع بالضرورة لثقافة المجتمع، وإنما هو خاضع للنخب السياسية وخياراتها، وقد يكون على خلاف المنظومة الثقافية أصلا، وإنما لا يكسب من النجاح إلا بالقدر الذي يوفر فيه صيغ التعامل والتكيف مع المنظومة الثقافية التي تحكم المجتمع، ولتوضيح هذه المسألة يمكن استعراض أربع تجارب في العالم الإسلامي، وهي تجربة المملكة العربية السعودية وجمهورية تركيا من جهة، وإيران وماليزيا من جهة أخرى، على ما بين هذه التجارب من اختلاف في طبيعة المؤسسة السياسية وعلاقتها بالمرجعية الدينية، فنتناول في هذا الحديث التجربتين السعودية وتركيا، ونرجئ الكلام عن تجربتي إيران وماليزيا إلى مناسبة أخرى.

فالمرجعية الدينية في المملكة العربية السعودية منبثقة عن المنظومة الثقافية التي أسست لها الحركة الوهابية، ومبنية أساسا على تحالف بين السلطة السياسية المتمثلة في آل سعود، والسلطة الدينية المتمثلة في آل الشيخ، والمرجعية الدينية التي يقوم عليها آل الشيخ، مؤسسة على المذهب السائد في المنطقة وهو المذهب الحنبلي في فروع الدين وعلى العقيدة السلفية في أصوله.

ورغم أن السعودية يجوبها كل أبناء العالم الإسلامي، في الحج والعمرة وطلب العلم والعمل…، ومع ذلك لم تتأثر السعودية بالوافد من الثقافات العربية أو غير العربية، فلم تتأثر مرجعيتها الدينية في قليل ولا في كثير؛ بل المعروف عنها أنها صدَّرت مفاهيمها إلى الكثير من بلاد العالم، حتى أن البعض يعتقد أن مفهوم الإسلام، هو كما تصوره المؤسسات الدينية في المملكة بخصوصياتها السعودية، في حين أن التجربة السعودية هي تجربة من مئات تجارب أخرى في العالم الإسلامي، والمتابع للحركة الثقافية في العربية السعودية ومنها الحركة العلمية الدينية، يلاحظ ذلك بوضوح، والسبب في هذا الاستقرار الديني في تقديري، هو البناء المرجعي المتين بين السلطة السياسية والمرجعيات الدينية، وهو البناء المرجعي الذي ييسر عمل كل من المؤسستين، ولا يهمنا الآن مدى نجاحهما فيما يريدان، أو مدى صحة خيارهما من الناحية الشرعية والسياسية.

والتجربة التركية أيضا لا تختلف كثيرا في بنائها المرجعي عن التجربة السعودية، رغم الاختلاف بينهما في التوجه، فالمملكة العربية السعودية لها عمق ديني وتتبني الدين مرجعا في الحياة، أما الدولة التركية فدولة تبنت العلمانية منذ سقوط الخلافة سنة 1924. ولكن ما لا يعلمه الكثير من الناس أن تركيا رغم علمانيتها، فإن منظومتها الثقافية بقيت متماسكة، إذ حافظت على عمقها الديني بما توارث المجتمع التركي من قيم اجتماعية ثقافية ودينية، لا سيما وان نسبة المسلمين في تركيا كما لا يخفى قاربت 98 بالمائة، والباقي يهودا ونصارى وطوائف أخرى.

فالمجتمع التركي كما يقول أخونا الدكتور محمد دراج الخبير في الشؤون التركية، “إن المجتمع التركي مجتمع مسلم، حنفي المذهب، ماتريدي العقيدة، وتابع لطريقة او طرق صوفية، وكل مسلم في اعتقاد الأتراك ليس بهذا التوصيف عليه أن يدلل على صحة معتقداته”، والسلطة السياسية بحكم أنها علمانية كما أسلفنا لم تكن حريصة على تمزيق الوحدة الثقافية للمجتمع التركي، باستثناء بداية التأسيس للعلمنة، حيث كان هناك تطرفا في فرض العلمنة ربما بقصد “إرهاب الدينيين” حتى يفقدوا روح المقاومة، وإنما كان الحرص على استبعاد الدين عن الحياة العامة، ولكن عمق الثقافة التركية لم يساعد السلطة السياسية على ذلك، حيث حافظ المجتمع على بعض النظم العتيقة كالتعليم الديني والأوقاف وبعض المظاهر والأشكال الدينية، ومنها الطرق الصوفية، وكل ذلك ساعد على بقاء المرجعية الدينية، وعلى علاقتها بالحراك الثقافي الديني العام، وإذا كانت التجربة الوهابية هي التي حافظت على المرجعية الدينية في المملكة العربية السعودية، فإن تجربة سعيد النورسي رحمه الله، ذات المسحة الصوفية، هي التي عبأت الشعب التركي لحماية مرجعيته الدينية، والحفاظ على مقومات الشخصية التركية الثقافية والدينية، ولمواجهة الخيارات الثقافية للسلطة السياسية العلمانية الجديدة، التي جاءت بعد سقوط الخلافة؛ بل إن مؤسسات الدولة الجديدة نفسها التي أريد مسخها بجلب التجربة الغربية، لم تستطع تجاوز هذا الخيار الشعبي المتجذر في نفوس التراك، وإنما تكيفت معه بشكل ما، وإن كانت متحفظة ابتداء على تدخل الدين في الحياة العامة. 

وما تختلف فيه تركيا عن المملكة العربية السعودية أنها لم تعتن بتصدير تجربتها الدينية كما فعلت السعودية في مراحل سابقة؛ لأنها لا تعترف بالدين مرجعا أصلا، وإنما أجبرت على التكيف مع ثقافة المجتمع أو على الأقل مجاملته حتى لا تضطرب مؤسسات الدولة.

ورغم أن توجهات السلطة السياسية في تركيا، كانت الأكثر تطرفا في العالم الإسلامي في موقفها من الدين، إلا أنها كانت في نفس الوقت احرص على استقرار المجتمع وتماسكه لا سيما فيما يتبنى من مسلمات دينية وثقافية، ولذلك يلاحظ على الشعب التركي أنه ليس معقدا في علاقته مع العالم، فهو لا يشعر بنقص ولا باستعلاء، بسبب تدينه أو بسبب احتكاكه بالغرب، رغم أن نصفه في الشرق الأوسط ونصفه الثاني في أوروبا، وهو ازدواج ربما رشحه لأن يتقوقع على نفسه خوفا من الذوبان في الخيار الأوروبي الغالب، فلا يحتك بالغرب حتى لا يجبر على  تقليده، أو يندمج  في ركاب خيارات النظام السياسي الوطني، الذي فضل العلمنة للحاق بالعالم المتقدم…، فتجاوز كل ذلك بفضل المنظومة الثقافية التي يتمتع بها المجتمع التركي، وتلاحمه بالمرجعيات الدينية، فعصم من التقوقع ومن الذوبان أيضا، بحيث أصبحت السلطة التركية اليوم، أكثر تناغما مع ثقافة المجتمع وخصوصياته، ومع ذلك تطالب بالدخول في الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأوروبي هو الذي يرفض عضويتها بسبب الخصوصيات الاجتماعية التركية بأبعادها الثقافية الدينية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا أستاذ
    .. تطالب بالدخول في الاتحاد الأوروبي "
    .. من باب نقل التكنولوجيا لدفع عجلة التنمية، مع الاحتفاط "بخصوصياتها" التي تفرق بينها وبين الآخر،
    وليس الاعجاب في القول والفعل والمظهر
    أو "التقليــــــد" -photocopie- لما له من سلبيات كبيرة وخطيرة على المجتمع،
    وشكرا