“مقارون” فرنسا و”سلاطة” الجزائر
التحوُّلات التي بدأت تحدث في العالم وفي أوروبا سياسيا، وعلى مستوى الذهنيات، هي وليدة انتقالات دورية تحدث كل دورة زمنية جيلية تكون في حدود الأربعين سنة، فيما تحدث داخل الدورة الاجتماعية التاريخية الجيلية دوراتٌ أخرى أقل تأثيرا وأقل مشاهدة ولمسا، كتلك التي تحدث كل عشر سنوات، وسبع وأربع سنوات.. هذه التحوُّلات الدورية، كما تمسّ الإنسان الفرد، تمس الدولة والدول والشعوب، ومن لا يفهم هذه الحقائق أو لا يعطيها أهمية، فلا يمكن أن يبني دولة ولا أن يخطط للمستقبل.
فرنسا الاشتراكية انتهت، وفرنسا الديغولية، لم يبق منها إلا بعض القيم الجمهورية التي ورثتها فرنسا عن دستور 1905 الذي استمدّ هذه المبادئ الكبرى للعلمانية من الثورة الفرنسية سنة 1789. اليوم، ومع مع حدث من تحوّلٍ شبه جذري، ليس بانتخاب ماكرون رئيسا شابا، ليبراليا، من خارج دائرة الهيمنة السلطوية المتناوبة على الحكم في فرنسا فحسب، بل بانتخاب ذهنية جيلٍ جديد في فرنسا وفي العالم؛ جيل الليبرالية والعولمة الذي سيجد مقاومة يائسة من طرف المنظومة السياسية والاقتصادية والأخلاقية القديمة والمتمثلة في اليمين وأقصى اليسار، مما سيجعل مسألة اليسار واليمين من المفردات البائدة. هذه المفردات التي خرجت من رحم الثورة الفرنسية منذ نحو 250 سنة، وهو عمر ستة أجيال كاملة، مما يعني أن التغيير حاصل لا محالة وبشكل كبير مع بداية هذا الجيل الذي بدأ فعلا!
ما انطبق على فرنسا، للأسف، لم يُرَد له أن ينطبق على الجزائر، التي تعرف تحوُّلات بنفس المستوى أو أكثر في الذهنيات: ذلك أننا دخلنا العولمة من الباب الواسع ولكن بدون زخم اقتصادي، بل زخم استهلاكي، مستهلكون لا منتجون، مما يعني أن التغييرات كانت أقوى من فرنسا التي بقي التحول فيها داخليا وتدريجيا ضمن الاقتصاد الحر الليبرالي، فيما كنا نحن تحت نظام رأسمالية الدولة، وبدأنا في الانتقال المتعثر نحو نظام رأسمالية الأوليغارشيات. هذا ما أربك المجتمع الشاب بنسبة 70%، المُغيَّب عن ساحة إحداث التغيير بفعل غلق أرتاج العمل السياسي والاجتماعي والنقابي وكل المكاسب الديمقراطية التي كان على البلد أن يحققها بعد نحو ربع قرن من بداية التحوُّل نحو الانفتاح الاقتصادي.
الانتخابات الأخيرة أكّدت نيَّة السلطة في البقاء أطول مدة، “حامية” لجيلها الثاني إلى آخر رمق، ماضية في تسطير مستقبل الجيل الثالث بما تراه، أبوياً، أنه الأمثل في بقاء دولة قوية برجالها الأقوياء الأواخر الذين أخذوا المشعل عن الأوائل.. لكن هذا، قد أفضى إلى شبه إقصاء لنحو 70% أو يزيد من الساكنة الذين أغلبهم لا تتعدى أعمارُهم الثلاثين، أي الجيل الثاني الذي كان من المفترض أن يتناوب على السلطة مع جيل الخمسينيات، المؤسسين! لكن ذلك لم يحدث، وبقيت الأرتاج مغلقة، باستعمال كل وسائل الإبعاد والتقليص الهامشي لمستوى المشاركة السياسية، وهذا ما فسّر قوة “كتلة العزوف الوطني”، و”الرفض بالمشاركة بالأوراق البيضاء”، نسبة في مجملها تناهز 80%.
فرنسا الجديدة، هي عنوان للتغيير المحتوم بعد انهيار سلطة الثنائيات وتبادل الأدوار بين اليمين واليسار، وعلينا أن نفكر في أنه لا يمكن الانتقال إلى الجيل المقبل إلا بكفِّ الأيادي عن الرقابة والمنع والتشهير والغلق والتخوين والتخويف… لتكون الجزائر موحدة كلها من أجل تحقيق الأهداف الكبرى ومواجهة التحديات المستقبلية الأمنية والاقتصادية.
سياسة التمنية.. ليست مشتّقة من “النوم”.. فلا نوم اليوم ولا نعاس غدا..