الجزائر
الشروق تخترق الربع الخالي وتفطر إلى جنب البدو الرحل

مكابدة وصيام تحت حكم الموت في صحراء”تنازروفت” الموحشة

الشروق أونلاين
  • 8543
  • 34

قررت “الشروق” اختراق “الربع الخالي” في عمق الصحراء والإفطار إلى جنب البدو الرحل في أقصى نقطة حدودية من التراب الوطني على بعد 1900 كلم والوقوف على حياة الناس هنالك وكيف يصمون رمضان المعظم تحت درجة حرارة قاتلة، والتي تفوق 52 درجة مئوية تحت الظل.

الرحلة المتعبة تشبه المغامرة لكنها ممتعة عبر طريق الوئام الذي دشنه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في زيارته الأخيرة، غير أن هذا الطريق ولد ميتا وتبخرت أحلام تجسيده، نظرا لتسيّب المسؤولين السابقين، سلكنا الطريق وقطعنا 125 كلم في اتجاه مزري متصدع ومتشقق، إنه مشروع طموح ويمتد على مسافة 650 كلم من رڤان إلى برج باجي المختار، لكنه لم يحقق الأهم، قمنا بالتأشيرة على وثيقة عبور هذا الطريق الخطير في أول مركز شرطة برڤان، وهي الوثيقة التي توقع من ثلاث جهات، وهي الجيش والدرك والشرطة للتأكيد من عبورنا صحراء “تنازروفت” الموحشة، والتي تسمى “بالربع الخالي”، انحرفت بنا السيارة، وهذا ما قد يؤدي إلى الضياع والتيه في صحراء لايعرف أولها من آخرها.

عند نقطة تحديد “مدار السرطان” ترتفع لافتة مكتوب عليها باللغتين العربية والفرنسية “النقطة الأكثر ارتفاعا في درجة الحرارة في العالم”، ولكنها في نفس الوقت النقطة التي تنبعث منها الرطوبة وتوتر درجة الحرارة ارتفاعا وانخفاضا إنها إحدى الدلائل على معجزة الله في كونه.

وجدنا الرجال الزرق في مدخل المدينة وهم متعطشون لإسماع صوتهم للرأي العام، سيما أعيان وقبائل التوارق، حيث نصبت خيمة كبيرة وبعد أن أخذنا قسطا من الراحة، أفرغ لنا السكان ما في صدورهم ورجالا ونساء الأهالي ورغم حبهم للوطن فهم متمسكون بوجوب تجسيد حقوقهم كونهم مواطنون.

يصومون تحت درجة حرارة قاتلة بإمكانيات منعدمة

يصوم الأهالي هنا تحت درجة حرارة قاتلة في ظروف قاهرة جدا حرارة لا تطاق وعمل متواصل في الصباح، لكن كل شيء مجمد تقريبا وسط المدينة ولا يمكنك مغادرة المكان نظرا للحرارة المرتفعة جدا، والبعض لا يمكنه مواصلة يومه في حالة ضربات الشمس، طعام السكان في رمضان بسيط جدا وغير مكلف ويتكون من الحساء وحليب النوق والتمر وطبق ثان لا غير، وهكذا ينقضي رمضان كله بمائدة تحمل طبقين، وهنالك بعض الفقراء الذين لا قوت لهم سوى صدقات بعض المحسنين، أما على الصعيد الصحي، وبالرغم من كون زيارتنا تصادفت مع وجود بعثة طبية أرسلت بها مديرية الصحة، غير أن الكل يشتكي من ضعف القطاع الصحي فطبيب واحد لأكثر من 18000 نسمة وسيارة الإسعاف معطلة في معظم الأحيان، وأقرب مستشفى يبعد عن مقر الدائرة بـ 650 كلم عبر طريق صحراوي غير معبد وصعب وصيدلية واحدة برفوف خاوية من الأدوية، مما يدفع ببعضهم الذهاب إلى منطقة “الخليل”، وهي منطقة مالية لاتبعد عن البرج سوى بـ 18 كلم فقط، وتبقى الوقاية في المجال الصحي الأهم بالنظر لموقع البرج كبوابة على إفريقيا التي تعرف الكثير من الأوبئة الفتاكة، كما يشكل موضوع اقتناء الأدوية هاجسا حقيقيا بالمنطقة بعد غلق الصيدلية وأمام استفحال ظاهرة ندرة معظم الأدوية، والتي يكثر عليها الطلب، ناشد السكان السلطات المحلية للولاية بالتدخل العاجل وإنقاذ حياة الأطفال والشيوخ من الموت.

وحسب تصريحات المواطنين الذين لم يجدوا آذنا صاغية لشكاويهم، وأكد مصدر من مديرية الصحة التقيناه في عين المكان، أن مشكل النقل يعد أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم هذه الوضعية بالمناطق النائية، ضف إلى ذلك نقص الصيدليات خاصة ببعض البلديات، حيث لاتتوفر الجهة الجنوبية للولاية إلا على خمس صيدليات تسخر خدماتها لأزيد من 120ألف نسمة بمعدل صيدلية واحدة لـ 550 نسمة، بينما تبقى أكثر من 23 بلدية محرومة كليا من الأدوية.

بحث عن الهوية والبطالة تقتل الشباب في صمت

في منطقة البرج لاتوجد مؤسسات اقتصادية والبطالة أخذت في الانتشار ونسبتها جد مرتفعة، لكن مايدور في نفسية القلة القليلة منهم من الذين تحصلوا على مستوى تعليمي معين، أنهم مهمشون ومقصيون من التوظيف فكل منصب يفتح بمؤسسات ما يأتي معه الموظف من خارج البرج، شاب متحصل على شهادة جامعية في الحقوق يعمل كحارس بإحدى المؤسسات يندب حظه ويحدثك بقلق وأسى كيف أنه حرم من التوظيف في كل مسابقة أجراها، من جهة أخرى الحالة المدنية واحدة من أهم التراكمات بين هؤلاء البدو ويطالبون بتسجيل المنسيين والأبناء غير المسجلين الذين يدرسون بدون إثبات للهوية والبعض الآخر تخلى عن الدراسة بسبب الوثائق.

وفي تمياوين فإن ندرة المياه والكهرباء الشغل الشاغل للبدو، حيث لا وجود لهما ، إلا عبر الموردات التابعة للبلدية عن طريق 06 ساعات في اليوم، والآمال معلقة على إنجاز مشروع إيصال الكهرباء من محطة البرج عبر 150 كلم وهو مطلب مريح بالنسبة لهم.

البنزين مفقود والتهريب هاجس السلطات

يعاني البدو الرحل في رمضان وغيره خاصة مربو الإبل من قلة الحصة الممنوحة لهم إذ اعتبر جلهم أن الكمية 60 لترا في الشهر للمربيين غير كافية بحكم تباعد المسافات ومناطق الترحال في الصحراء، وأكدوا أن تحديد هذه الكمية لهم خوفا من تهريبها، موضحين أن المهربين لهم طرقهم للتموين بالبنزين ويتساءلون في آن واحد، كيف أن نظرائهم في ولاية تمنراست أحسن حال منهم.

مقالات ذات صلة