الرأي

ملاحظات حول بعض الكتب المدرسية للجيل الثاني مرحلة الابتدائي

حسن خليفة
  • 3940
  • 1
ح.م

يسعَد المتابع المهتم لشؤون إعادة الاعتبار للمنظومة التربوية التي هي “حقل العمل” الرئيس والاستراتيجي في أي دولة تريد أن تُقلع إقلاعا حقيقيا، مبنيا على أسس صحيحة ومتينة، يسعَد المتابع وهو يرى ذلك الاهتمام من أكثر من طرف في وطننا الغالي، وبالأخص الطرف صاحب المسؤولية الكبرى (الوزارةـ إن لم نقل الدولة ككل)، ولذلك نتصور أن الانخراط في هذا العمل الحضاري الوطني الكبير مهمة جميع من يقتدر على طرح البدائل، وتقديم الحلول للمشكلات الكثيرة، المتعددة الأوجه، سواء تعلق الأمر بالمناهج، والكتب، أو بمسائل أخرى كالإدارة التربوية، والإشراف، والتقويم… كل ذلك إن كان بنيّة خالصة وتسديد ودقة في التشخيص واقتراح متوازن للحلول، تأسيسا على النقد البنّاء المقارب والمسدد.

وفي سبيل الخوض في “لبّ” الإشكال، نقدّم هذا التشخيص بعد قراءة متأملة وناقدة للكتب المدرسية، وهي خلاصة عمل فريق من الأفاضل يشتغلون في الميدان، ويقدمون جهودهم الطيبة بين وقت وآخر*.

وقد سبق لصاحب هذه السطور أن قدّم دراستين عن الكتاب المدرسي وغياب النصوص الجميلة فيه، وأيضا عن دور الصورة والرسوم في الكتاب المدرسي، وقد نشرتهما مشكورة صحيفة “الشروق”.

فيما يتعلق بهذه السطور.. هذا عرضٌ نقدي عن بعض الكتب المدرسية الخاصة بالابتدائي، وسنوالي نشر بقية المقالات العلمية ـ الإعلامية بغرض الإفادة وترسيخ النقاش ذي البعد العلمي المنهجي .**

أولا: كتاب اللغة العربية

كتاب السنة الأولى ابتدائي

– إذا كانت طريقة الكتاب الموحّد قد حدّت من ثقل محفظة التلميذ فإنها أربكت التلاميذ في تصفح الكتاب للبحث عن درس مادة، ثم العودة إلى صفحات سابقة بحثا عن مادة أخرى فيضيع الوقت، كما يسبب حيرة للمتعلمين؛ فهم مازالوا دون التحكم في هذا النظام. علما بأن تلاميذ هذا الصف لم يتحكموا بعد في الأرقام. كما أنه يصعِّب مراجعة الدروس بالبيت ومرافقة الأولياء لأبنائهم.

– دراسة الحرف بجميع حركاته وبالإشباع (في جميع الوضعيات) في حصة واحدة يشتّت ذهن المتعلمين ويؤثر على تحكمهم في الدرس.

– التعامل مع الكتاب في هذه السن فيه مشقة للمتعلمين على مستوى الحفظ والاستظهار وإنجاز الواجبات وغيرها…

– دروس التربية الإسلامية مختصرة جدًّا لا تفي بالغرض المطلوب؛ خاصة إذا كانت النيّات تتجه إلى تعزيز منظومة القيم الدينية والأخلاقية والوطنية في الأبناء والبنات من المتمدرسين والمتمدرسات.

– بعض التعليمات غير واضحة، وبعضها خاطئ مثال: التمرين الثاني بالصفحة 13 على دفتر الأنشطة. (أذكرُ الأشخاص الذين تجدهم في المدرسة).

– تغيّر بعض الألفاظ بين الدرس والتطبيق (أي بين الكتاب ودفتر الأنشطة) فمثلا تثبت المعلومة (بابا، ماما) خلال الدروس، وأثناء التطبيق تصادفه ألفاظ (أبي، أمي). فكيف يستقيم الأمر؟ ولمَ هذا الإرباك للأطفال؟

– في فقرة “أعبّر وأبني” يُطلب من المتعلم استنتاج وبناء وقراءة جمل يتراوح عددُها من سبعة جمل إلى اثنتي عشرة جملة وفي هذا إرهاقٌ للمتعلّم، كما يُطلب منه إنتاجُ جمل وكتابتها وهذا أيضا يفوق طاقته، ويرهقه نفسيا وعقليا، ويؤثر في أدائه في القسم وفي البيت، وفي مساره الدراسي عموما.

كتاب السنة الثانية ابتدائي

– فهرس الكتاب غير مفصّل خصوصا ما يتعلق بالصيغ والتراكيب النحوية إذ لا يوجد ما يشير إلى ذلك.

– يعتمد فهم المنطوق على الصورة بدل السمع، وهذا يحدّ من تخيّل المتعلم وبالتالي يؤثر ـ سلباـ في قدرته على  التعبير.

– وجود أخطاء وعدم توافق بين الدرس والمطلوب على دفتر الأنشطة؛ فمثلا في الدرس 16 يُصرَّف الفعل «لعب» في الماضي مع الضمائر «أنتَ، أنتِ» وفي الأنشطة يُطلب تصريف الفعل المضارع.

– يُرهق التلاميذ أحيانا بالكتابة في هذا المستوى ونموه مازال لم يكتمل بعد، من ذلك أنه يطلب منه بالصفحة 07 كتابة سورة المسد كاملة تقريبا على الدفتر.

– استبدال لفظة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) بلفظة النبيّ، ولسنا ندري لماذا كان ذلك كذلك؟ علما أن المعتاد في الأحاديث النبوية هي الصيغة الأولى وكذلك حذف لفظ الجلالة «الله» من العبادة قال الله تعالى، فأصبحت قال تعالى: فالمتعلم في هذا المستوى لا يدرك من هو تعالى. والأوفق ترسيخ هذه المعاني الجليلة في نفسه، إن لم نقل وجوب شرحها بيُسر وسهولة وترفّق.

– دراسة حرفين متشابهين في الرسم في وقت واحد كالسين والشين فيه صعوبة للتلاميذ، ما يجعلهم يخلطون  بينهما، والأجدر أن تُدرس الحروف وفق مخارجها، بتدرّج  من السهل إلى الصعب بدءا بالحروف الشفوية.

– في نشاط «أفهم وأجيب» المكان الذي خُصص للإجابة لا يتسع للإجابة عن السؤال.

– في نشاط الخط نلاحظ عدم احترام مقياس الحروف على الدفتر ومثال (انظر ص 09) من دفتر الأنشطة.

– بمقطع الحياة المدرسية: يقدّم في الدرس التصريف مع الضميرين أنتَ وأنتِ في الماضي والمضارع، وعلى دفتر الأنشطة يُطلب منه التصريف مع جميع الضمائر وهو لم يتطرق بعد للماضي ولا المضارع.

– طول بعض الدروس بحيث لا يتسع الوقت المخصص للحصة لتنفيذها، وفي ذلك ما فيه.. تربويا.

– بعض النصوص المنطوقة (بنشاط فهم المنطوق) طويلة جدًّا لا، ولن يتمكن المتعلم من استيعابها لطولها.

– لا يوجد ترابطٌ بين دروس السنة الثانية ودروس السنة الأولى كون هذه الأخيرة تدخل ضمن مناهج الجيل الأول بينما الأخرى تابعة للجيل الثاني.

– كثافة التمارين بدفتر الأنشطة لا يتسع الوقت المخصص للحصة لتقديمها ولا تسمح طاقة المتعلم بإنجازها.

– في بعض دروس التربية المدنية نجد الصورة لا تخدم الدرس، ومثال ذلك درس (من واجبي الانضباط)، يتحدث عن الانضباط في العمل والمواعيد، بينما لا تعبِّر الصورة عن ذلك، وقد سبق التذكير بأهمية الصورة.

– ضيق الفضاء المخصص للجواب على دفتر الأنشطة.

– فئة المتعلمين الذين يعيرون الكتاب المدرسي (فئة المعوزين وأبناء القطاع…) محرومون من إنجاز النشاطات على الكتاب لكونه معارًا، وهذا سبَّب لهم تأخرًا في الاستيعاب، وعليه نقترح العمل على الكتاب حتى يلحقوا بركب زملائهم.

ثانيا: كتاب الرياضيات

كتاب السنة الأولى

– في بعض الأنشطة يُطلب من المتعلم أن يكتب (على الكتاب) وهو مازال لا يدرك القراءة والكتابة ولم يتعلمها بعدُ.

– دمج دروس العدد (قراءة، كتابة، مقارنة) دفعة واحدة (في درس واحد) فوق طاقة استيعاب المتعلم في هذا الصف، وكذلك دمج عملية الجمع مع الطرح.

– بعض التمارين على دفتر الأنشطة ليس لها علاقة بموضوع الدرس.

– الفضاء المخصص للكتابة على الدفتر لا يتسع للمطلوب في أغلب الأحيان.

– بعض التطبيقات لا تتماشى مع الدروس، مثال: درس حول المقارنة بين الأعداد أو الكميات، نجد المطلوب في التطبيق على الدفتر قراءة العدد وكتابته فقط. وكذلك درس الأعداد من 6 إلى 9 يطلب منه الرسم والشطب والربط…

– كثافة التمارين غير متناسبة ولا متوافقة مع الحيِّز الزمني المخصص للحصة. أمرٌ غير تربوي وغير معقول.

– وجود فضاءٍ للإنجاز على كتاب المتعلم ولكن منع استعماله كون الكتاب معارًا غير مملوك للتلاميذ، ما أوقع المعلم والمتعلم في حيرة من أمره.

– وجود صور غير واضحة بالنسبة للمتعلم، مثال الصورة بالصفحة 25 (اكتشف).

– بعض التعليمات غير واضحة، وهذا أمرٌ ينبغي أن لا يكون؛ لأنه يؤثر سلبا في مسار العملية التعليمية.

– صعوبة في بعض التمارين؛ إذ هي فوق مستوى هذا الصف، مثال: يُطلب من المتعلم إكمال رسم شكل حسب العدد المطلوب، وقد وجد المتعلمون صعوبة في تنفيذ هذا الرسم؛ ببساطه لأنه يفوق مستواهم العقلي.

– بعض المصطلحات صعبة على مدارك المتعلمين منها: حوّط (من الحائط) بقدر (بدلا من تساوي) وإن كان الغرض من ذلك هو تجنب بعض المصطلحات الرياضية في هذا المستوى. لكن الأوفق البحث عن الكلمات المناسبة.

– يُطلب أحيانا من المتعلم رسم أشياء فوق مستواه كرسم نجوم مثلا، وفي مثل هذه الحالات يحسن أن يطلب منه تلوينها فقط.

كتاب السنة الثانية:

– لا يوجد امتدادٌ وانسجام تامّ بين ما جاء في كتاب السنة الأولى وكتاب السنة الثانية كون كتاب السنة الثانية تابعا لمناهج الجيل الثاني وتلاميذ هذا الصف لهذه السنة زاولوا دراستهم في السنة الأولى بمناهج الجيل الأول، فالإصلاح جاء بالأطوار ونحن فضلنا لو أنه كان بالمستوى (بالصف).

– كثافة التمارين، فهي من جهة فوق طاقة المتعلم من حيث كثرة عددها، وتفوق كذلك الوعاء الزمني المخصص للحصة، فمعدل عدد التطبيقات على الكتاب أربعة تمارين وعلى دفتر الأنشطة خمسة.

– بعض الدروس صعبة على متعلمي هذا المستوى، كدرس الطرح –مثلا- فلا يُفهم رمزه، فالأستاذ مضطرّ في كل مرة تقريبا إلى شرح ولو بإيجاز –لمثل هذه المفاهيم حتى يتمكن المتعلمون من الدخول في الدرس، كما أن درسا كدرس الطرح في هذا المستوى وبهذه الطريقة 7=….- 10 أو 4 =……- 10 يعدُّ صعبا خصوصا في بداية السنة الدراسية.

– بعض التمارين على دفتر الأنشطة غير منسجمة ولا تخدم الدرس المقدَّم على الكتاب (كتاب الرياضيات).

مثال: في درس مقارنة عددين أصغر من 29 يطلب استعمال >،<  (أصغر من، أكبر من)، (بالصفحة 21)، وعند العودة إلى التطبيق على الدرس على دفتر الأنشطة نجد تمارين حول متتالية الأعداد 23، 22، و21، بالإضافة إلى أن استعمال هذه الرموز فوق مستوى تلاميذ هذا الصف.

– بعض التمارين غامضة غير واضحة المطالب (ومن شروط السؤال أن يكون غير قابل للتأويل ومثال ذلك بالصفحة 18 على كتاب التلميذ (أنجز، ألاحظ ثم أكمل التلوين)).

– بعض التمارين تتطلب الكتابة المسترسلة وتلميذ هذا الصف لم يبلغ ذلك بعد.

– مسألة الكتاب الموحّد في الأنشطة العلمية كذا في الأنشطة اللغوية والاجتماعية، له إيجابياته إذ خفَّف من عبء المحفظة وثقلها، لكنه أوقع المتعلمين في حيرة بسبب قلب الصفحات في مادة والعودة إلى صفحات سابقة في مادة أخرى وهم في هذا السن مازالوا لا يتقنون مثل هذا النظام.

– الكتب في هذا المستوى تُعار لفئات من التلاميذ وهي مستهلَكة، ما أدى إلى عدم الإنجاز عليها وهذا ما حال دون تمكّن الفئات من اللحاق بركب زملائهم الذين اشتروا الكتاب.

– تأخر وصول دليل الكتاب جعل الأستاذ يتخبَّط في كيفية استعمال الكتاب، فلم يصل في بعض المدارس إلى يومنا هذا.

– الصورة (المشهد) بالكتاب صفحة 15 تُظهِر التلاميذ يقفون بالساحة لتحيَّة العلم ولكنهم من دون مآزر وهذا يتنافى تربويا مع ما يستلزمه ويطلبه التشريع المدرسي.

ملاحظات:

شارك بعض الإخوة في بلورة هذه الملاحظات، وبالأخصّ الأستاذ المربي المفتش عيسى عمراني بارك الله فيه.

الحاجة إلى التفكير الجدي في إشراك المربين ذوي الكفاءة والاقتدار، بأي صيغة ممكنة أضحت أمرا غير قابل للتأجيل، نظرا لما شاب عملياتِ إعداد الكتب سابقا من شبهات والتباسات وتعجّل وسرعة.. فالمرجو أن يُنظر إلى هذا الأمر كأولوية ويُبنى على أسس صحيحة سليمة قويمة.

مقالات ذات صلة