ملحمة غار جبيلات !
لا يبالغ الخبراء حين يصفون صناعة الحديد والصلب، بأنها العمود الفقري للإقتصادات الحديثة. هي ليست مجرد صناعة ثقيلة، بل هي المعيار الذي يُقاس به مدى التقدم الصناعي والقوة الاقتصادية لأي دولة.
وهناك أسباب عديدة تجعل هذه الصناعة حجر زاوية في اقتصاد الدول:
1- تتميز صناعة الحديد والصلب بما يسمى «الترابط الأمامي والخلفي»، وهي المحرك الرئيسي لعشرات القطاعات. كما أنها تستهلك لوحدها أكثر من 50 % من الإنتاج العالمي للصلب من جسور وعمران ومساكن بسيطة إلى ناطحات السحاب وسكك حديدية. بالإضافة إلى صناعة السيارات، والتي تعتمد بشكل كلي على جودة الصلب لضمان الأمان والوزن المثالي، إلى خطوط أنابيب النفط والغاز وصناعة السفن والطائرات.
2- تعدّ هذه الصناعة الثقيلة وسيلة لخلق مناصب عمل كثيرة، ليس فقط داخل المصانع، بل في سلسلة التوريد المرتبطة بها إذ تشير التقديرات إلى أن كل وظيفة في قطاع الصلب تدعم ما يقرب من 8 وظائف في قطاعات أخرى مرتبطة بها، فتساهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي (GDP) بشكل مباشر من خلال التصنيع، وغير مباشر عبر دعم التجارة الخارجية.
3- كما أن لها علاقة طردية قوية بين استهلاك الفرد من الصلب ومستوى التنمية في الدولة، فالدول التي تمر بمرحلة تحول صناعي سريع (مثل الصين في السابق والهند بعدها والجزائر اليوم)، تشهد قفزات هائلة في إنتاج واستهلاك الصلب لمواكبة التوسع العمراني.
ولو قمنا بمقارنة بين أكبر الدول المنتجة للصلب في العالم وهذا حسب إحصاءات تقريبية، فنجد أن الصين تسيطر على أكثر من 50 % من الإنتاج العالمي، وتستخدمه أداةً للهيمنة الصناعية. أما الهند فصناعة الصلب هي المحرك الأساسي لخطة التصنيع، لتطوير البنية التحتية. أما في الولايات المتحدة واليابان، فالتركيز على الصلب عالي الجودة والتكنولوجيا المتقدمة للصناعات الدقيقة.
ومن بين الدول في العالم التي تسيطر على صناعة الحديد والصلب من المنجم إلى المنتج النهائي، يعني امتلاك الدولة لما يعرف بـ”سلسلة التوريد المتكاملة”. نجد هناك القليل من الدول التي نجحت في الجمع بين وفرة الثروة المعدنية (خام الحديد) والقدرة الصناعية الهائلة (المصانع والتقنيات) في آن واحد.
ومن بين اللاعبين الجدد في سلسلة الحديد والصلب تظهر اليوم الجزائر، بفضل منجمي الونزة وبوخضرة في أقصى الشرق بولاية تبسة، ومنجم غار جبيلات العملاق في أقصى الغرب بولاية تندوف.
لماذا الجزائر اليوم هي الأكثر إثارة للاهتمام؟ لأنها بكل صراحة تطبق إستراتجية «التكامل التام»، وهذا منذ انتخاب الرئيس عبد المجيد تبون على رأس الجمهورية الجزائرية، فهي لم تعد تكتفي بكونها سوقاً للاستهلاك أو مصدراً للمادة الخام فقط، بل بدأت بربط أكبر منجم في العالم (غار جبيلات) بشبكة سكك حديدية ومصانع تحويلية، مما يقلل تكلفة المنتج النهائي ويمنحها ميزة تنافسية هائلة في الأسواق العربية والإفريقية والأوروبية، فالجزائر اليوم تتبوأ مكانة إستراتيجية متقدمة جداً، إذ تشهد قفزة نوعية تجعلها أحد «اللاعبين الكبار» الجدد في خارطة الحديد والصلب العالمية لعامي 2026-2027. ووفقاً لبيانات «الاتحاد العالمي للصلب» الصادرة في يناير 2026، حققت الجزائر تقدماً مذهلاً، فهي تحتل اليوم المرتبة 27 في إنتاج الصلب الخام لعام 2025. وقد تفوقت على دول عريقة في هذه الصناعة مثل أستراليا وتايلاند. ويُنظر إليها دوليا كلاعب يغيِّر قواعد اللعبة في البحر المتوسط وشمال إفريقيا بسبب قدرتها على الجمع بين الطاقة الرخيصة (الغاز والطاقة الشمسية) والمادة الخام المحلية.
والجزائر اليوم تدير معادلة ذكية في صناعة الحديد والصلب، فهي تجمع بين الخبرة والحداثة:
1- محور الشرق، والمتمثل في منجمي الونزة وبوخضرة ومركّب الحجار، يركز على تلبية الاحتياجات الوطنية والمنتجات الحديدية المسطحة والطويلة.
2- محور الوسط والغرب، والمتكون من منجم غار جبيلات ومركّبي بلارة وتوسيالي، يركز على التصدير والإنتاج الضخم والتكنولوجيا المتطورة (الحديد المختزل).
ويقع منجم غار جبيلات في أقصى الجنوب الغربي الجزائري، وتحديداً على بعد نحو 170 كيلومتر جنوب شرق مدينة تندوف. ومنطقة المنجم عبارة عن هضبة صحراوية مستوية تقريباً، مما يجعل عمليات الاستخراج سطحية (open-pit mining).
والتكوين الجيولوجي لخام حديد غار الجبيلات، من أكاسيد (المغنتيت والهيماتيت). ويعود التكوين الجيولوجي للمنجم إلى العصر الديفوني نحو 400 مليون سنة من قبل. ويتواجد خام الحديد في ثلاث مناطق كبرى، هي غار جبيلات الغرب، والوسط، والشرق، ومن هنا جاءت تسميته بالجبيلات (ثلاثة جبال صغيرة). ويبلغ سُمك طبقة الحديد ما بين 10 إلى 40 متراً، وهي مغطاة بطبقة رقيقة جداً من الصخور الرسوبية. وقدّر الخبراء الكمية الموجودة أي الاحتياطيات بحو3,5 مليار طن، منها 1,7مليار طن قابلة للاستغلال الفوري في المرحلة الأولى.
وتصل نسبة الحديد في هذا الخام إلى نحو 57%، وهي نسبة ممتازة عالمياً. والتحدي الوحيد الذي كان يواجه المنجم تاريخياً، هو نسبة الفوسفور المرتفعة نوعاً ما، ولكن بفضل التكنولوجيا الجديدة والتي طُوِّرت بالتعاون مع الشريك الصيني، حُلت هذه المشكلة تقنياً لاستخراج حديد نقي جداً.
والميزة الجديدة التي قامت بها الحكومة الجزائرية هذه المرة في منجم غار جبيلات، هي وضع خريطة متكاملة لهذا المشروع، من بينها خريطة الطريق اللوجستية؛ ففي المنجم بتندوف يجري استخراج الخام وسحقه أولياً، ثم يُنقل بالسكة الحديدية عبر خط عملاق يمتد لأكثر من 950 كلم لربط تندوف ببشار، وهنا في بشار تم إنشاء مركّب صناعي لمعالجة وتحويل الخام إلى كريات (pellets) ومركز لمعالجة الفوسفور. ثم يجري إرسال المادة المعالَجة إلى المركّبات الثلاثة وهي توسيالي بوهران وبلارة بجيجل والحجار بعنابة.
وقضية الفوسفور في منجم غار جبيلات كانت في السابق هي العقدة التي حيَّرت الخبراء منذ اكتشافه في عام 1952، فلا الفرنسيون وقت الاحتلال، ولا السوفيات بعد الاستقلال استطاعوا حل هذه المعضلة، بل تراجعوا عن استغلاله لأن نسبة الفوسفور كانت تصل إلى 0,8%، وهي نسبة تجعل الجديد هشاً وقابلاً للكسر إذا لم يُعالَج. ولكن بالعملية الكيميائية التي وضعها الخبراء الجزائريون مع الصينيين، يجري تخفيض نسبة الفوسفور إلى أقل من 0,1%، وهي النسبة المسموح بها عالمياً.
كما سيُنتج «السماد الفوسفاتي» كمنتج ثانوي: وهنا يكمن الذكاء الاقتصادي الجزائري، فبدلاً من اعتبار الفوسفور من النفايات، يجري العمل على استخلاصه وتحويله إلى أسمدة زراعية. وهذا ما يجعل منجم غار جبيلات، ليس مجرد منجم للحديد، بل مساهما غير مباشر في قطاع الفلاحة أيضا.
كما أنّ السكة الحديدية (تندوف– بشار)، ليست لنقل البضائع فقط، بل هي بحق «مشروع القرن»، الذي سيعيد رسم خارطة الجزائر الجديدة ديموغرافياً واقتصادياً واجتماعياً بل وحتى سياسياً. نحن اليوم نتحدث عن خط يمتد لمسافة 950 كلم، وهو بمثابة العمود الفقري الذي سيربط أقصى الجنوب الغربي بالشمال.
إن هذا الخط للسكك الحديدية في الصحراء الجزائرية سيعمل مثل «النهر الجاري»، أينما مرّ القطار تنبت الحياة. كما ستظهر محطات تقاطع كبرى على طول 950 كلم، مما سيخلق تجمعات سكانية ونشاطات تجارية في مناطق كانت خالية تماماً، فولاية بشار وأيضا ولاية تندوف ستتحولان إلى قطب صناعي مما يوفّر عشرات آلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة هناك في المنطقة وأيضا عبر القطر كله. بالإضافة إلى أنه سيصبح بوابة إفريقيا الغربية.
كما أن المواصفات التقنية لهذا الخط، سرعة قطارات الشحن ستتراوح بين 100و120 كلم في الساعة، وستصل سرعة قطارات المسافرين إلى 160 كلم في الساعة. وهو مصمم لنقل ملايين الأطنان من الخام سنوياً في مرحلته الأولى. أما التحدي المناخي، فسيجري استخدام تقنيات حديثة لمقاومة زحف الرمال وتذبذب درجات الحرارة لضمان استمرار الخدمة طوال العام.
تخيل معي أخي القارئ، أن تلك المساحات الخالية التي كنت تمر بها أو تسمع عنها، ستصبح غداً مناطق تعجُّ بصفارات القطارات وحركة العمال والمهندسين والسكان، ولو كان الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله، يرى هذا اليوم، لكان فخوراً جداً، لأنه كان يعلم أن المنجم من دون سكة حديدية هو كنزٌ مسجون، وهذا الخط الحديدي هو الذي سيحرِّر كنز غار جبيلات، والمنطقة كلها.
واليوم، ونحن نعيش عهدا جديدا في الجزائر الجديدة، لم يعد منجم غار جبيلات يدار بالعضلات والآلات التقليدية، بل أصبح « منجماً ذكياً» تعتمد فيه الجزائر على التكنولوجيا التي درستها الأجيال السابقة نظرياً، ويطبِّقها جيل اليوم رقمياً. وإليك اخي، كيف يغير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة قواعد اللعبة في هذا المشروع الضخم، إذ سيتم استعمال الإدارة الذكية للمنجم، بالإضافة إلى استعمال طرق جديدة لنزع الفوسفور من خام الحديد، وهذا باستخدام الذكاء الاصطناعي، حتى نحصل على خام حديد بنقاء 99 %. كما ستكون هناك صيانة تنبؤية للسكة الحديدية، وهذا بوضع حسّاسات ذكية للمراقبة والتنبؤ بأي خلل في القضبان أو زحف الرمال قبل وقوعها.
كيف سنستفيد نحن اليوم والجيل القادم من هذا؟ هذا المشروع العملاق سيكون مولّدا لمناصب عمل جديدة ومتنوعة، ولن تقتصر على عمال المنجم فقط، بل هناك حاجة لمحللي بيانات، ومهندسي برمجيات وخبراء استشعار عن بُعد. وعندما نطوِّر برمجياتنا محلياً لإدارة مناجمنا، لا يمكن لأي قوة خارجية التحكُّم في إنتاجنا. وهذه تعرف بالسيادة التكنولوجية.
إنّ ملحمة التعدين التي بدأها الرئيس الراحل هواري بومدين من مناجم الونزة وبوخضرة وصولا إلى مركب الحجار بالشرق الجزائري، هاهو الرئيس عبد المجيد تبون يواصل تلك الملحمة بالغرب الجزائري من تندوف وبشار وصولا إلى وهران وجيجل وعنابة، مستخدماً أرقى تكنولوجيات العصر الحالي. إنها سلسلة ذهبية من العقول الجزائرية، جيل يسلم المشعل إلى جيل آخر.
إنّ ملحمة التعدين التي بدأها الرئيس الراحل هواري بومدين من مناجم الونزة وبوخضرة وصولا إلى مركب الحجار بالشرق الجزائري، هاهو الرئيس عبد المجيد تبون يواصل تلك الملحمة بالغرب الجزائري من تندوف وبشار وصولا إلى وهران وجيجل وعنابة، مستخدماً أرقى تكنولوجيات العصر الحالي. إنها سلسلة ذهبية من العقول الجزائرية، جيل يسلم المشعل إلى جيل آخر.
… والميزة الجديدة التي قامت بها الحكومة الجزائرية هذه المرة في منجم غار جبيلات، هي وضع خريطة متكاملة لهذا المشروع، من بينها خريطة الطريق اللوجستية؛ ففي المنجم بتندوف يجري استخراج الخام وسحقه أولياً، ثم يُنقل بالسكة الحديدية عبر خط عملاق يمتد لأكثر من 950 كلم لربط تندوف ببشار،…
الجزائر اليوم تتبوأ مكانة إستراتيجية متقدمة جداً، إذ تشهد قفزة نوعية تجعلها أحد «اللاعبين الكبار» الجدد في خارطة الحديد والصلب العالمية لعامي 2026-2027. ووفقاً لبيانات «الاتحاد العالمي للصلب» الصادرة في يناير 2026، حققت الجزائر تقدماً مذهلاً، فهي تحتل اليوم المرتبة 27 في إنتاج الصلب الخام لعام 2025. وقد تفوقت على دول عريقة في هذه الصناعة مثل أستراليا وتايلاند. ويُنظر إليها دوليا كلاعب يغيِّر قواعد اللعبة في البحر المتوسط وشمال إفريقيا بسبب قدرتها على الجمع بين الطاقة الرخيصة (الغاز والطاقة الشمسية) والمادة الخام المحلية.
ولو قمنا بمقارنة بين أكبر الدول المنتجة للصلب في العالم وهذا حسب إحصاءات تقريبية، فنجد أن الصين تسيطر على أكثر من 50 % من الإنتاج العالمي، وتستخدمه أداةً للهيمنة الصناعية. أما الهند فصناعة الصلب هي المحرك الأساسي لخطة التصنيع، لتطوير البنية التحتية. أما في الولايات المتحدة واليابان، فالتركيز على الصلب عالي الجودة والتكنولوجيا المتقدمة للصناعات الدقيقة.