“منتحرون” يتمنون الموت ولا يجدونه
قد تبدو هادئة في بعض الأحيان غير أن المرضى يأتون في أي لحظة باحثين عن علاج يخفف وجع الحرق وآلامه عليهم لتدب الحركية فجأة وتتحول مصلحة استعجالات الحروق والجراحة البلاستيكية لخلية نحل يقطع هدوءها أنين ووجع ودموع المصابين، وفي مقدمة المرضى ضحايا محاولات الانتحار الذين يطول مرقدهم في المستشفى ومنهم من يتمنى الموت ولا يجده من شدة الآلام التي لا تطاق، الشروق زارتهم ووقفت على حجم معاناتهم حيث تحولت فكرة انتحارهم حرقا لا مأساة تلاحقهم مدى الحياة..
في لحظة يأس وسأم من الحياة وتراجع الإيمان والوازع الديني داخل أنفسهم يختار شباب في ربيع العمر اختيار سبيل آخر لمجابهة الحياة ومشقاتها وظلمها، بعضهم يعتقدون أن الراحة النهائية ستكون في قارورة بنزين يسكبونها على أنفسهم حتى يرتاحوا من معيشة الضنك.
فخلال جولتنا في مصلحة الحروق والجراحة البلاستيكية بمستشفى الدويرة، صادفنا العديد من الحالات التي ينفطر لها القلب لمنظرها بعدما اخترقت صرخات تألمها جدران الحجرة لتسري مباشرة في جسدنا.
كان جسدهم ملفوفا بالكامل بالضمادات ولم يظهر من وجههم سوى العيون والفم، فعلمنا أن اسم أحدهم هو “رضا” وهو شاب في مقتبل العمر، كان يتألم بشدة ويسأل الأطباء متى يشفى فلم يعد يقوى على احتمال الوجع، ليرد عن سؤالنا بصعوبة بالغة وألم شديد بأنه بطال أي بدون وظيفة، ويختفي صوته ويغيب مع تألمه، لنفضل مغادرة الغرفة والتعرف على قصته من الطاقم الطبي المشرف عليه، وقد أخبرونا أن بطالته أدخلت اليأس في نفسه فحاول الانتحار بإفراغ البنزين على جسده وإضرام النار فيه.
اعتقدنا أنها الحالة الوحيدة في المصلحة لكن في غرفة أخرى بذات المصلحة كان يرقد شاب غلف جسده هو الآخر بالضمادات حتى يداه كانتا ملفوفتين، لكن الابتسامة لم تغب عن شفتيه وروحه المرحة، فقد كان يتحدث عن شجاراته السابقة قبل الحادثة ليقدم في لحظة غضب على تقطيع جسده بالسكين ثم سكب البنزين عليه محاولا الانتحار، ليرد علينا أريد أن أشفى كي أصلي وأشكر المولى عز وجل على نعمة إبقائي حيا. واعترف لنا الطاقم الطبي المشرف على علاجهم استقبال العديد من الحالات المشابهة وهم يصنفونها ضمن الوضعيات الخطيرة والمعقدة جدا فالمرضى المتواجدين في الإنعاش بالرغم من كون غالبيتهم في حالة صحية ومستقرة يتحدثون بشكل عادي وعلى وعي تام بحالتهم، لكن وضعيتهم قد تتدهور فجأة وفي أي لحظة قد يتعرضون لانتكاسة ويتوفون فورها وهو ما يلزمهم بالبقاء تحت رقابة طبية شديدة.
عمال يحرقون أعضاءهم خلال تأدية وظيفتهم
وراء كل حريق قصة قد تكون مأثرة وقد تكون حادثة عادية، لكنها تحمل عبرة للمستقبل تجعل الفرد أكثر حيطة وحذرا خلال ممارسته لوظيفته أو الأعباء المنزلية، فالعجلة وقلة الحذر قد تكون عواقبها وخيمة، وهو ما تيقنا منه في العديد من الحكايات اللاتي صادفناها.
البداية كانت مع سيدة في الخمسينات من العمر، تمتهن صناعة الحلويات التقليدية، وخلال انشغالها بتحضير حلوى “البوتي فور” انقلب وعاء “كاسرونة” بداخلها “شاربات” حارة جدا على يدها فاحترقت بالكامل، وراحت السيدة المتألمة تستفسر عن المدة التي ستجلس فيها بدون عمل فصناعة الحلويات هي كل ما كان يشغل ذهنها الآن أكثر من الحريق وألمه، لتتدخل الطبية التي كانت برفقة الممرضة وترد عليها بأن حروقها من الدرجة الثانية وسيكون بوسعها العمل مرة ثانية بعد 15 يوما.
وما إن غادرت المريضة السابقة حتى جاء “ق، سيدعلي” 38 سنة رفقة صديقه، فهو يعمل في البناء، وقد احترق بعد لمسه الإسفلت “الغودرون”، كان يعمل على سطح إحدى المنازل ولم ينتبه لتحترق يده بعدها توجه لمستشفى مايو ثم للدويرة ليعاد إسعافه وتضميد جراحه وكذا وصف أدوية جديدة تتلاءم مع حالته الصحية كونه مصاب بالصرع.
“م، يزيد” 32 سنة، طباخ في شركة أجنبية بالدار البيضاء ويقيم بدلس، احترقت يده خلال عمله في المطبخ. يحكي لنا: كنت بصدد تحضير العشاء وكان بداخل مقلاة زيت ساخن فاشتعلت النار بها وعندما تدخلت بسرعة تمايلت المقلاة وانسكب الزيت الحار على يدي اليسرى، لينقل إلى مستشفى الرويبة، لكن يده انتفخت مما دفع صديقه لنقله للمستشفى مرة ثانية وبعد معاينة حروقه تم تصنيفها على أنها عميقة من الدرجة الثانية وعليه التوقف عن العمل لمدة 21 يوما، مع التردد على المصلحة لتغيير الضمادة يوم بيوم وطمأنته الطبيبة على أن الانتفاخ سيزول مع مرور الوقت لكن يتوجب عليه رفع يده.
السرعة والدراجة النارية تحرقان عسكريا
ولأن التهور يليه الندم دوما لازم هذا الشعور شابا في مقتبل العمر عسكري، عندما سمعنا قصته تذكرنا المثل الشعبي الشهر “اللي شرا موطو شراء موتو” فلولا ستر المولى عز وجل لفارق الحياة، فقد كان يقود دراجته النارية بسرعة كبيرة جدا وعند المنعطف انقلبت به دراجته النارية وكانت مملوءة بالبنزين بعدما عبأه دقائق قبل الحادث فانسكب عليه واحترق لتتحسن وضعيته الصحية قليلا بعدما خضع للعلاج.
“الطابونة” و”الكوكوطة” الأكثر تسببا في الحروق المنزلية
وتظل الحوادث المنزلية هي الأكثر صدارة فخلال تواجدنا في المصلحة وقفنا على حالة طفل لم يتجاوز الخمس سنوات، احترقت رجله بعدما انسكبت عليه قهوة ساخنة. أما سيدة تبلغ من العمر 56 سنة، قدمت رفقة زوجها لتغيير الضماد، احترقت بعدما انفجر فيها قدر ضغط “كوكوطة” أصابتها في يدها صدرها وعنقها، “ربي سترها” على حد قول زوجها دوما لفقدت عينيها وتشوه وجهها.
وليست هذه الحالة الوحيدة، فمن خلال تجولنا في المصلحة التقينا بـ “بختة”، من ولاية المدية وأم لطفل، ترقد في المستشفى منذ 20 يوما بعدما انفجر بها الغاز ببيتها واحترق وجهها ويدها، وأضافت المتحدثة لقد تحسنت كثيرا فقد كنت في السابق أعاني من الحروق والانتفاخ حتى أنني لم أتمكن من فتح عينيَّ والآن استرجعت عافيتي بشكل كبير وسمح لي الأطباء بمغادرة المستشفى.
شابة أخرى في مقتبل العمر كانت ترقد في المستشفى بعدما احترقت من قارورة الغاز و”الطابونة” عند تحضيرها “خبز المطلوع”، وحالة مماثلة وجدناها في غرفة الإنعاش لفتاة مصابة بحروق أكثر من 50 بالمائة وخلال تحضيرها لـ”المطلوع” داست على أنبوب الغاز فانفجرت بها “الطابونة” واحترقت.