الجزائر
عطور بماركات عالمية لإزالة الروائح.. و"الشروق" تتفقد المشروع:

منتزه وادي الحراش.. هل تتحقّق “المعجزة”؟

الشروق أونلاين
  • 17630
  • 23
بشير زمري

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يتحول وادي الحراش من مكب للنفايات وأكبر نقطة سوداء بالعاصمة إلى منتجع سياحي للعائلات والباحثين عن التنزه والهدوء، وهو المكان الذي كان ممنوعا حتى الاقتراب منه بسبب الروائح الكريهة والبعوض السام والنفايات المتراكمة، ليتحول إلى منتجعات وحدائق ذكية وفنادق خمس نجوم ومتنزهات للقوارب التي تجوب بالسائحين مختلف ضفاف الوادي…

نافورات موسيقية عملاقة.. مسابح أولمبية على الهواء الطلق وسط أشجار النخيل العالية، مطاعم مفتوحة للعائلات.. هو حال  ”مارينا بيتش”على ضفاف  وادي الحرّاش.. هي مدينة ليست من وحي الخيال، بل حلم بدأ يتجسد جليا من خلال وضع آخر الروتوشات لهذا المنتجع السياحي الذي زارته الشروق ووقفت على الأشغال التي تجري على قدم وساق ليسلم هذا المشروع قبل نهاية 2018.

ولطالما اعتبر العاصميون على مدى  30 سنة وادي الحراش من بين أخطر الأودية بسبب الأمراض والفيضانات والروائح الكريهة، حيث ارتبط اسمه بإشكاليتين هامتين مرتبطتين بالتلوث والفيضانات وما زاد من السمعة السيئة للوادي هي العشرية السوداء التي عرفتها الجزائر خلال فترة التسعينات، حيث قام العديد من السكان المتوافدين على عاصمة البلاد من الولايات الداخلية بتشييد سكنات فوضوية “برارك” بمحاذاة الوادي، فاقت أكثر من 11 ألف عائلة، الأمر الذي عقد من مأمورية التحكم فيه وتحويله إلى مركب سياحي.

 

من نقطة سوداء إلى متنزه للعائلات وقبلة للأجانب

.. النظرة والسمعة السيئتان تجاوزتا السكان المحليين، فحتى السياح الذين كانوا يتوافدون على الجزائر خصوصا بعد انتشار الروائح الكريهة، كانوا يعتبرونه من أكثر النقاط السوداء التي تشوه الجزائر، بسبب موقعه الذي يتوسط مدخل العاصمة من جهتها الشرقية، فضلا عن قربه من المطار الدولي هواري بومدين.. ولكن المسؤولين أردوا تغيير هذه النظرة السيئة على وادي الحراش وتحويله من مصب للنفايات إلى منتجع سياحي قادر على استقطاب 5 ملايين سائح سنويا، فالكثير من المتشائمين اعتبروه مشروعا على الورق فقط وحلم تحويله إلى منتجع سياحي من المستحيلات السبع ومهمة صعبة بسبب العديد من العوامل، ولكن الحلم تحول إلى حقيقة بعد إصرار المسؤولين المكلفين بإنجاز المشروع، والذين رفعوا التحدي بسبب الدعم الكبير الذي أولته الدولة لهذا المشروع المهم الذي سيغير النظرة السيئة التي كانت من قبل، خصوصا بعد نجاح تنفيذ العديد من المشاريع التي أعطت انطباعا جيدا على غرار مشروع الصابلات.

ينبع وادي الحراش من شمال الأطلس البليدي ويصبّ في البحر الأبيض المتوسط على مسار طوله 67 كلم تقريبا يجمع مستجمعه المائيّ كافة بلديات الجزء الوسط من ولاية الجزائر وجزءا من بلديات المنطقة الشمالية الشرقية لولاية البليدة، ويبلغ طول الوادي في الشق التابع لولاية الجزائر في مجمله 18.2 كلم، وإن هذا الأخير مجرى ماء جد ملوث يتلقي المياه القذرة الخامة المنزلية أو الصناعية التي تصب إما مباشرة في الوادي أو عبر روافد الرئيسية البالغة الخمسة، وكذلك هو مصب للمياه القذرة الصناعية لأربع مناطق صناعية تحتوي على 473 وحدة .

 

دراسات معمقة ومراحل متعددة لتهيئة 18 كيلومترا

سبقت تحويل وادي الحراش إلى معلم سياحي العديد من الدراسات الدقيقة والتحاليل الفيزيائية والكيميائية والجرثومية على المياه، فضلا عن الكتلة الأحيائية والرواسب لمدة تفوق 3 سنوات جاءت بعد دراسة عامة بداية السبعينيات أدت إلى المخطط العام للتطهير الذي تمّ المصادقة عليه بمرسوم رئاسيّ في سنة 1976، حيث سمح بإنجاز الشطر الأول من محطة براقي سنة 1989 وأعيد اعتبارها تبعا للتشويش الذي عرفه عملها بسبب المصبّات الصناعيّة على وجه الخصوص، وكذا في مارس 2009، أعيد تشغيل محطة تصفية مياه الصرف بعد إعادة اعتبارها إضافة إلى إنجاز مجاري رئيسيّة وثانويّة مختلفة يبلغ مجموع طولها الخطيّ أكثر من 200 كلم، كما أسفرت هذه التحاليل عن تركيز عال من المعادن الثقيلة على مستوى بعض نقاط المصبّات بالوحدات الصناعيّة، بعد التحاليل والدراسات، كما قامت ولاية الجزائر بترحيل السكان المحاذين، حيث تم القضاء على 11  ألف بيت قصديري، لتبدأ مرحلة تنفيذ المشروع.

 

“أس أم أس” للتحذير من الفيضانات

من بين العراقيل التي رافقت المشروع وكذا بين المتشائمين الذين تكهنوا بفشله قبل الانطلاق باشرت الشركة المسؤولة الكورية الجزائرية الأشغال بتهيئة الضفّتين اليمنى واليسرى على طول 400 م إلى جسر الطريق السريع نحو الشرق، وإنجاز ذراعين برصف حجارة على طول 220 م وتوغلا في البحر مع تهيئة مسلك بني بالخرسانة صالح للمركبات، المهمة الأخرى كانت إعادة التقدير لضفاف الوادي والساحل عند مصبّ الوادي من أجل إنجاز منشآت تحتيّة محتملة للسياحة والتسلية..

.. انتقلنا إلى الورشات رفقة فاسي رشيد مهندس دولة مسؤول خلية المتابعة ومراقبة مشروع تهيئة وادي الحراش، كانت البداية محطات مراقبة نوعية المياه ببراقي، أكد محدثنا أن هنالك 7 محطات مراقبة، 3 منها لمراقبة نوعية المياه حيث تسمح هذه المحطات بكشف بعض المصانع التي تقوم برمي مواد سامة في الوادي من خلال كاميرات مراقبة وكذا الإشارات التي تعطي للمسؤولين في حالة التلوث، و4 محطات أخرى لمراقبة منسوب المياه، وحسب مرافقنا، فإن الوادي سيجنب عاصمة البلاد وكذا الولايات المجاورة على غرار البليدة من الفيضانات بسبب تقنية “مراقبة منسوب المياه”، حيث تقوم المحطة بإرسال إشارات وكذا رسائل ” sms”إلى المسؤولين والمختصين وكذا وزارة الموارد المائية في حالة ما ارتفع منسوب المياه المؤدي إلى فيضان.

 

عطور بـ”ماركات عالمية” لإزالة الروائح الكريهة

لعل أول سؤال تبادر إلى ذهن العديد من المواطنين والمتتبعين هو ما مصير رائحة الوادي؟ وهل سنتنزه ونشم الرائحة الكريهة؟ نقلنا كل هذه الأسئلة إلى مرافقنا المهندس فاسي رشيد، والذي أكد أنه على ضوء ذلك أطلقوا مشروعا يدعى “الياسمين” هو مشروع نموذجي وهو الأول من نوعه في العالم في مجال إبطال أثر الروائح مؤقتا على نطاق واسع وفي الهواء الطلق، ويتمثل هذا المشروع في استعمال هلام صلب على الجسور ذات حركة كثيفة بالنسبة لمرور الراجلين وفي نضح مادة سائلة على جسر الطريق السريع نحو الشرق، وقد تمّ التقليص بشكل معتبر للمضارّ بما يرضي الجميع وكان لهذا المشروع أثر عظيم على الصعيدين الاجتماعيّ والبيئيّ، هذه المادة التي تبطل أثر الروائح هي لماركة فرنسية عالمية.

 

سبع حدائق ذكية بمقاييس عالمية.. ونافورة بعلو 100 متر في مصب الوادي

أهم مشروع سيضيف جمالية على وادي الحراش هو مشروع “مارينا بيتش” أي منتجع سياحي، حيث اقترحت الدراسات بعد تحرير الأراضي واسترجاع البعض منها على ضرورة مشاريع استثمارية هامة، من أجل إضفاء جمالية على المشروع فكر المسؤولون في إنجاز مارينا، حيث ترسو يخوت وزوارق بمقاييس عالمية، وكذا قوارب صغيرة فيه تستغل في جولات سياحة وفسح في الوادي وهذا المشروع الضخم من المنتظر أن تقوم بإنجازه وتسيره مؤسسة خاصة.

أما المشروع الثاني هو أكثر من 7 حدائق ذكية ”الراشحة” في مناطق ملتقى روافد وادي الحراش الرئيسيّة ستغرس داخل هذه البرك نبتات راشحة من نوع القصب لتصفية المياه وسيتمّ تزويدها بمياه الوادي عن طريق أنظمة الضخّ، كما سيتم إنجاز نافورة موسيقية بمقاييس عالمية علوها أكثر من 100 متر لتزيين الواجهة عند ملتقى الوادي بالبحر فضلا عن فنادق 5 نجوم على ضفاف الوادي.

كما قاموا بغرس نباتات من مختلف الأنواع يتراوح علوها بين 1,6 و2 م أي نحو 27.400 وحدة وكذا تجهيز 40 درج منفذ للوادي تختلف أحجامها وكذالك إنجاز أفنية للعب الأطفال وتهيئة دروب للدراجات ومسالك للعدو، و6 ملاعب كرة قدم و كرة اليد والسلة إضافة إلى مسبحين في الهواء الطلق و3 جسور للراجلين وإنجاز 15 جسرا من الخرسانة المسلحة للراجلين، عرضها 3,5م.

 

مدير الموارد المائية: “اتركونا نعمل.. وحاسبونا بعد ديسمبر 2018”

وفي سياق اللقاء الذي جمع مدير الموارد المائية بوكريشة كمال مع ”الشروق”، أكد أن كل المشاريع تعرف مصاعب وعراقيل ولعل أهم مشكل هو أن المواطن العاصمي لم يضع الثقة في المشروع، حيث اضطررنا للإسراع في الأشغال بكل من بن طلحة والمنبع الجميل ”بريستو” ببوروبة بالعاصمة، حيث قوبل المشروع بالإيجاب من قبل المواطنين، حيث تم استرجاع ثقة المواطن الأمر الذي سهل مهمة إنجاز ما تبقى. 

وقال مدير الموارد المائية إن التجربة الجزائرية في تحويل وادي الحراش من كابوس لطالما هدد المواطنين إلى منتجع سياحي أعجب به محليون ودوليون. 

ورد محدثنا على  المشككين، وقال”اتركونا نعمل وحاسبونا بعد ديسمبر 2018 أي بعد الانتهاء كليا من الأشغال، مؤكدا أن النصف الأكبر من الأشغال ستسلم في السداسي الأول من 2018 كأقصى تقدير في مارس 2018”، وأضاف الدولة دعمتنا وأعطتنا كافة الصلاحيات من أجل  إنجاز هذا المشروع المهم والذي سيعود بالإيجاب على العاصمة وكذا الولايات المجاورة”، مضيفا “على الجميع المحافظة على هذا المشروع الذي سيخلق العديد من مناصب الشغل من خلال المشاريع السياحية التي ستقام هناك”.

مقالات ذات صلة