منجم غار جبيلات… الجزائر تختار سِكّتها!
ليس وصول أول شحنة من خام الحديد من منجم غار جبيلات بتندوف إلى مصانع التحويل بوهران حدثًا عابرًا في روزنامة الأخبار الاقتصادية، بل لحظة فارقة تستحق أن تُقرأ بعين السياسة قبل الأرقام، وبمنطق السيادة قبل لغة الإنجاز التقني. فنحن أمام محطة تُغلق فصلًا طويلًا من الانتظار، وتفتح فصلًا جديدًا عنوانه القرار الوطني المستقل.
غار جبيلات، بثروته المقدّرة بأكثر من 3.5 مليارات طن، ظل لعقود رمزًا صارخًا للمفارقة الجزائرية: وفرة في الموارد، وتعقيد في التفعيل. فمنذ إدراجه كمشروع استراتيجي مطلع السبعينيات، ظل المنجم أسير معادلات ثقيلة، من غياب البنية التحتية، إلى الكلفة المالية الباهظة، وصولًا إلى خيارات ربط استغلاله بمسارات خارجية لم تصمد أمام واقع الخلافات السياسية. والنتيجة كانت واحدة: تأجيل متكرر، وحلم مؤجل.
اليوم، يتغير المشهد جذريًا. فقرار إنجاز خط سكة حديدية يتجاوز 900 كيلومتر، يربط عمق الجنوب الغربي بالشمال الصناعي، ليس مجرد حل تقني، بل اختيار سيادي صريح. اختيار يقول إن الدولة قررت أن تتحمّل كلفة السيادة بدل كلفة الارتهان، وأن تستثمر في الجغرافيا بدل التحايل عليها، وأن تبني حلولها داخل حدودها لا خارجها.
الأهمية الحقيقية لغار جبيلات لا تختزل في كميات الإنتاج المنتظرة أو العائدات المالية المحتملة، بل في التحول البنيوي الذي يحمله المشروع. فنحن أمام نواة اقتصاد إنتاجي جديد، يقوم على تثمين الموارد محليًا، وبناء سلاسل صناعية متكاملة تمتد من استخراج الخام إلى التحويل، فالحديد والصلب، وصولًا إلى الصناعات الميكانيكية والكهرو منزلية. إنها مقاربة تهدف بوضوح إلى كسر التبعية للمحروقات، لا بالشعارات، بل بالبدائل الواقعية.
كما أن للمشروع أبعادًا تتجاوز الاقتصاد إلى المجالين الاجتماعي والأمني. فربط تندوف بالشبكة الوطنية، وإنشاء مصانع تحويل على امتداد خط السكة الحديدية، يعني إعادة إدماج مناطق شاسعة في الدورة الاقتصادية، وسد فراغ جغرافي طالما شكّل تحديًا تنمويًا وأمنيًا. وهو أيضًا استثمار في الاستقرار، وفي خلق فرص عمل، وفي تثبيت السكان، وفي تعزيز حضور الدولة في عمقها الصحراوي.
ولا يمكن إغفال البعد الجيو-اقتصادي للمشروع، إذ يفتح غار جبيلات آفاقًا جديدة لانفتاح الجزائر على عمقها الأفريقي، خصوصًا عبر الربط مع موريتانيا وغرب أفريقيا، بما يعزز موقع البلاد كمحور صناعي وتصديري إقليمي، لا كمجرد بلد مورد للمواد الأولية.
فاستغلال منجم غار جبيلات ليس مجرد مشروع نحتفي بانطلاقه، بل تجربة يجب أن تُقرأ كنموذج. نموذج لدولة حين تحسم خيارها، تحوّل الثروة إلى قوة، والجغرافيا إلى رافعة، والتاريخ المؤجل إلى مستقبل ممكن. هنا، لا تُقاس السيادة بما يُقال، بل بما يُنجَز. وهنا بالضبط، تبدأ الدول الجدية في كتابة فصولها الجديدة.