-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

منشورات الغسيل

عمار يزلي
  • 2638
  • 1
منشورات الغسيل

من شدة زخم التحوّلات وأرق وضغط الورق والطباعة والسحب، وحتى لا أنسحب من المجال، انتابتني فكرة تغيير المهنة أو تعاطي مهنة جديدة قريبة “بعد” الشيء عن مجالي الحيوي.. هذه المرة، قال لي رأسي الذي بدأ لا يفكر إلا عن طريق “باطري البطن” من جراء الغلاء و”التقرقيج” اليومي، وبدأت أشعر بأني شرعت في فقدان توازني العقلي: لماذا لا تنشئ دار نشر؟!.. أي لماذا لا تصبح ناشرا؟!.. ذلك أنني كثيرا ما كانت تستهويني فكرة نشر الكتب والمجلات، لأني كنت أحب الورق، وكثيرا ما كنت أستعمل الأوراق في تفصيل طائرات وبواخر وأساطيل منها، كما كان يعجبني ما يُكتب في المجلات وما تَنشر من غسيل سياسي وثقافي.

لكن هذه المرة، لست أدري كيف نقلت اهتمامي من نشر الأوراق إلى نشر الغسيل، ربما لأن كثيرا من الكتب الأدبية والمجلات، خاصة تلك الرقمية منها مضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي، الغرض منها هو نشر أخبار الناس على الناس وغسيلهم!

قال لي رأسي: لماذا لا تستخدم الغسالة “مطبعة” ومن جيوب الصابون والجافيل فيها مخادع للحبر والتلوين ثم تطبع ما تشاء عليها باستعمال الأقمشة البيضاء والملونة؟

هكذا بدأت بتطبيق الفكرة وأنا وحدي في البيت.. كلهم كانوا قد خرجوا: كل وشأنه، ولم أبق إلا أنا وحدي في البيت، ما جعلني أغتنم هذه الفرصة لكي أجرِّب مهنة الناشر المحترف، فقد أصبح رئيس جمعية الناشرين بعد أن حاولت مرة تجريب الكتابة والانتماء لاتحاد الكتاب الجزائريين. فصرت أكتب “الحروز” التي تعلَّمتها من كتب الطب والحكمة أو ما تسمى “اليقشة”، والتي غالبا ما تقع ضمن أعمال السحر، بعناوين أخرى: صرتُ كاتبا ومؤلفا باعتباري أكتب الحروز، بـ10 آلاف دينار وللمغتربين بـ300 أورو.. كاتب محترف!

هذه المرة، أريد تجريب مهنة النشر والتوزيع ولم لا!؟ موزع الكتب يأخذ ثلث سعر الكتاب، فلماذا لا أكون ناشرا وموزعا أيضا؟

لست أدري ماذا أصابني بعدها، نسيت ما كنت أفعل وشرعت في إدخال الغسيل الوسخ في الغسالة التي حشوتها بمختلف أنواع الحبر والألوان وبعد ساعة كنت أنشر على السلك كل المؤلفات: جوارب، قمصان، تنورات نسائية، ألبسة داخلية، خارجية، جلابيب، عباءات، تريكوّات، سراويل، عمامة جدي البيضاء (تحولت إلى لوحة سريالية).. كل ما كان ينتظر الغسيل وكل ما كان في الدولاب مغسولا وكل ما كان ينتظر أن يُلبس أو معلقا في البهو وجدت نفسها في قلب “المطبعة”: عمامة جدي، طبعة جديدة، كتب عليها مثل “افتة طويلة”: كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصفهاني، شورت، مكتوب عليه: “كتاب العِبر في المبتدأ والخبر وأخبار العرب والعجم والبربر وما عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” لابن خلدون.. عباءة زوجتي مكتوب عليها: رسالة الغفران للمعرِّي، قميص أبيض للصلاة والتراويح في رمضان وقد كتبت عليه بقلم “الفوتر” الأحمر عنوانا لم يعد مقروءا بعد أن حُول القميص إلى لون وردي: رأس المال لكارل ماركس، وعناوين أخرى، لم أعد قادرا على قراءتها بعد أن تحوّلت هذه المنشورات إلى لوحات على الكتان والنيلون والساتين، أضيف لها لون الألبسة الصينية التي لا تبقى مع أول قطرة ماء.. وتعالى لترى بعينك المنشورات عندنا ضمن سلك الأدب والثقافة كتب الجيل الرابع.

حين دخلت زوجتي ومعها “جراؤها”.. ورأت المعرض المقام على الأسلاك “غير الشائكة”.. شكَّت أني هبلت: صرخت وصرخ أبناؤها.. وراحت تبشش شعرها، فيما رحتُ أنا أفكر: صعبٌ أن تكون مفكرا أو ناشرا في هذا البلد!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • سراب

    فكرة جيدة لو نشرت ما يكتبونه مضربون الساعة على اللافتاتهم بلغة موليار المستعمر و المدمر في بلاد المليون و نصف المليون شهيد
    حتما سينجح مشروعك
    سلام استاذ عمار اعلم ان قلبك صافي لكنك تريد اخراج الدمار