منطقُ الهروب نحو الحروب
عادة ما تكون خيارات الحرب أو الغزو، نتيجة لأزمات داخلية ذات طابع سياسي أو بنيوي، تلجأ إليها الأنظمة للفت الأنظار نحو الخارج وتعليق الآمال على حلول لها خارج البلاد، سواء كان ذلك ثروات معدنية أم طاقوية، كما هو الشأن اليوم، أو رغبة في التوسُّع لتقوية نفوذ، لا تعلم أن هذا التوسُّع هو ما سيجلب الانكماش وحتى الانقراض في ما بعد.
قرارُ الحروب الحالية التي تخوضها الدول، لاسيما الدول العظمى وتلك المستندة عليها لوظيفيتها في المناطق، يترجم عادة في تبرير ذلك بحاجة إلى أمنها. قد يكون الاقتصادي، أو أمنها الجغرافي، الذي لا يفلت من ذريعة “الأمن القومي”.
الصراعاتُ اليوم، تتغير وتتبدل وتُعلن وتُخفى نياتُها كل حين بل ودائما، وتقدَّم للأخبار والإعلام بعناوين مختلفة لا تعكس حقيقة النيات الفعلية. بالتأكيد، هناك من شعوب هذه القوى وهذه الدول والحكومات من يؤمن بذلك، بل ويرغم نفسه على تصديقها والإيمان والاعتقاد بها، لأنه يريدها ويرغب فيها ويتمنَّاها، وهذا لتطابق الرأي مع توجُّه السلطة، عن سابق تفكير عميق أو بتأثير الإعلام أو الأيديولوجيا الدينية والمدرسية. العامة لا يشكِّلون دائما مصدر الإلهام الأيديولوجي ولا السياسي للدولة، بل النخب هي من تفكِّر للعامة، ولو كان ذلك الفكر مضادًّا لمصالحهم ويتعارض معها كشعوب وحتى كنخب متوسطة، إنما الأمور تمشي على هذا النحو، فهكذا تُساق الإبل والقوافل والشعوب أيضا.
الغرب الأوربي، ومنذ أكثر من خمسة قرون، ما فتئ يبيع لشعوبه التي خرجت أو كانت تخرج من ظلم حقبة الإقطاع والملكية والكنيسة وقبلها ظلم القرون الوسطى، تبيع لها حلم العصر الجميل: عصر الرأسمالية واللبرالية والحريات التي افتقدوها، ولكن أيضا، حلم عصر الصناعات والثروة والرفاهية والعمل والأمل. عصر لم يكن أحدٌ يصدِّق أنه يراه يوما في أوروبا، ولكن أيضا، العصر الذي لم يكن يعلم ما ستؤول إليه الرأسمالية بعد أقل من قرن من ذلك، إلا قليلا من المتنوِّرين المستقلِّين الذي تنبّؤوا بمستقبل مريع للرأسمالية، عندما نشر بعض فلاسفة عصر ما بعد الأنوار، الذين تحوّلوا من الفلسفة إلى الفلسفة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، و”بشَّروا” بعصر مظالم قادم لا يمكن أن يكون إلا عصرا لكل التناقضات ولكل الحروب والتوسُّع والاستعمار والإمبراطوريات الجديدة التي لا يمكن أن تُهزم إلا عبر ثورات شعبية داخلية، تقودها الطبقات العاملة والأكثر فقرا من غير المالكين لوسائل الإنتاج، إلا لما يملكونه من قوة عمل وقدرة على العمل يبيعونها في سوق “نخاسة” العصر جشع الباحثين عن الربح.
هذا ما أشار إليه “كارل ماركس” في كتابه “رأس المال” وبعده في كتابه “بؤس الفلسفة”، ردّا على “برودون” في كتابه “فلسفة البؤس”، على النحو الذي كان بين الغزالي وابن رشد، مع فارق في المضمون والصفة والموصوف: “تهافت الفلاسفة”، “تهافت التهافت”.
اليوم، نكاد ندرك أن أكبر محرك للتغير ومن دون قيود ولا حدود، هو مفهوم “الربح” الذي ظهر مع الرأسمالية الوليدة نهاية القرن الـ18. هذا المفهوم، يتغير هو بنفسه ويتطور بشكل رهيب لينتج مجموعة من المفاهيم الفلكية التي تدور حوله ومنها “الحاجة”، و”الاستهلاك”، و”الحرية” و”الفردنة”، التي أنتجت اللبرالية واللبرالية الجديدة، التي تكاد تلتقي مع “الاتجاه “اليعقوبي” (الجاكوبيزم) الذي ظهر خلال فترة بداية تطور الرأسمالية عبر الدعوة إلى “الفوضى” وإزالة الدولة. هذا ما يحصل اليوم مع النيو لبرالية في أمريكا بشكل خاص وخطر تسلط أرباب المال على السياسة والأمن الخارجي والداخلي. إنها البذرة التي تحمل جنين التغيير والانفجار الداخلي قبل الخارجي إن ليس اليوم، فغدا.