من إعادة التركيب إلى التصنيع
بعد نحو ثلاث سنوات من الانتظار، تنفَّس كثيرٌ من الجزائريين الصعداء بشأن اقتراب موعد رؤية سيارة جديدة تدخل الأسواق بسعر معقول، بعدما تجاوزت أسعارها الخيال. ثلاث سنوات كانت كفيلة بترتيب البيت بعد الخراب المنهجي الذي تسببت فيه أيادي الفساد الإجرامي وكادت أن تعصف بسيادة البلاد. لم يكن بالإمكان المضيُّ قُدما مع سياسة الاستيراد ونفخ العجلات من أجل نهب ما تبقى في الخزينة وامتلاء جيوب حفنة من الفاسدين المستفيدين المقرّبين من السلطة والدائرين في فلكها، لهذا كان على السلطة الجديدة أن تأخذ في الحسبان هذا الملف الذي استنزف خزينة الدولة بملايير الدولارات المهربة والمهدورة.
ثلاث سنوات من ضبط الأمور، بدءا من قانون الاستثمار الجديد ودفاتر الشروط التي تُلزم المستثمر في مجال “تصنيع” السيارات بشروط التصنيع ونسبة الإدماج وليس مجرد إعادة تركيب، وما يتبع ذلك من تطوير تدريجي مضبوط للاندماج الصناعي ورفع نسبته مع مرور الوقت بشكل معلن وصارم، مع مراعاة العمالة والتكوين خاصة: تكوين عمالة جزائرية متخصِّصة تضمن الحفاظ على تكنولوجيا الصناعات وطنيا، وليس مجرد شركات تصنِّع نفس الماركات في بلد غير المستفيد من رخص العمالة والضرائب وحتى الطاقة والعقار من دون أن تكلِّف هذه الشركات نفسها حتى أن تكوِّن عمالة محلية، وهذا ما يحدث مع الماركات الفرنسية في بلد جارنا الملك.
أول شركة عالمية تعلن وتوقع اتفاقية مشروع إنتاج مصنع للسيارات على أساس القواعد الجديدة الاستثمارية ودفتر الشروط الجديد، هي شركة “فيات” الإيطالية التي يضمها مجمع “ستيلانتيس”، وهذا في طفراوي بوهران. هذه الشركة التي كانت سباقة فيما مضى إلى الرغبة في الاستثمار في الجزائر ولكن في مناخ سياسي واقتصادي لم يكن جاهزا بعد، حتى إن الانطلاقة بدأت بحضور الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد والرئيس الإيطالي وقتها اللذين أعطيا إشارة انطلاق بدء تجسيد المشروع في بوشقيف بتيارت من أجل إنتاج علامة “فاتيا”، ولكن المشروع أصابه الوهنُ جراء العديد من العراقيل الموضوعية، وأن ينتظر نحو 35 سنة، ليُعلن عن ميلاد جديد له من وهران، القطب الصناعي الناشئ مع علامات أخرى ضمن صناعة السيارات ومنها شركة “رونو” التي أعلن عن عودتها والي وهران.
خمس علامات دولية في هذا المجال، قد تكون جاهزة للإنتاج المحلي على المستوى الوطني ولكن أيضا لتسويق جزء من منتجاتها المستورَدة في انتظار استكمال سلسلة الإنتاج المحلية وتهيئة ظروف دخول مستثمرين في صناعات المناولة الخاصة بالسيارات والتي قد تكون من بلد المنشأ، من إيطاليا وأيضا من فرنسا وقد تكون هناك علامات إضافية ألمانية وكورية وفرنسية بما في ذلك شركة “بيجو” التي لم يُعلن عنها بعد ولكن كل المؤشرات توحي بأن هذه الشركات قد تعود، لأنها في الأصل كان لها وجود، بما في ذلك شركات التركيب للخواص التي تملكتها الدولة بعد قرار الضم، ما يعني أننا سنجد أنفسنا أمام العديد من الماركات العالمية الكبرى التي ستدخل ضمن النسيج الصناعي الجزائري عما قريب، وأن يكون موعد بداية الإنتاج خلال عام تقريبا.
كل هذا الانتظار، كان مطلوبا لتدارك ما فات، بعد الترميم الهيكلي الشامل الذي لولاه لما كنَّا سنبني مشروعا متكاملا لصناعةٍ متكاملة متجانسة مندمجة، ولواصلنا استنزافَ مقدراتنا ومدخراتنا من عائدات النفط والغاز إلى آخر دولار ودينار، وبعدها كنَّا سندرك حجم الكارثة التي حلّت بنا جميعا.. إلا قليل منا.. ممن استفادوا فيما كان الشعبُ يستهلك بلا حساب من دون تفكير لا في الحساب ولا في العقاب.