الجزائر
الحكومة تستفتح "العهدة الثانية" بتجارب جديدة لتحسين حياة الجزائريين:

من الأوراق إلى “العقول الإلكترونية”.. وزارات تتبنى الذكاء الاصطناعي!

أسماء بهلولي
  • 1294
  • 0

 

في أحد مكاتب وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ببن عكنون أعالي العاصمة قبل سنوات، حيث كانت الأوراق تتكدّس في كل زاوية، والأختام اليدوية تهيمن على المعاملات، كان الروتين اليومي بطيئا، منهكا، ومثقلا بالبيروقراطية خاصة عشية الدخول الجامعي منتصف شهر سبتمبر حيث يكثر الضغط.

اليوم، وبعد مرور سنوات من التحول الرقمي، لم يعد صوت الآلة الكاتبة يُسمع ولا طوابير المراجعين تملأ الممرات، الشاشات المضيئة تحلّ محلّ الأوراق، والخوارزميات الذكية تبدأ في تحليل البيانات واتخاذ القرارات لأول مرة، حيث يشرف الذكاء الاصطناعي على عمليات معقدة، تجرى في دقائق بعد أن كانت تستغرق أياما.

هذا المشهد التصوري، ما هو إلا مثال لما كانت عليه الوزارات الجزائرية بالأمس وما أصبحت عليه بعضها اليوم، وهذه التغييرات الجذرية لا تعبر إلا عن قصة نجاح في التحول الرقمي الذي تبنته الدولة وحققته بعض القطاعات، فبعد الاعتماد المطول على المعاملات الورقية والإجراءات اليدوية، اتخذت الحكومة خطوة جريئة، بأمر من رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الذي افتتح أول اجتماع مجلس وزراء في عهدته الرئاسية الثانية قبل أيام، بتوجيه تعليمات صارمة تشدّد على أهمية تعزيز الرقمنة في كافة القطاعات الحكومية دون استثناء أو مقاومة.

يأتي ذلك في وقت تقف بلادنا اليوم على أعتاب ثورة جديدة للذكاء الاصطناعي يخوضها العالم، تعد بالكثير لمستقبل يُدار بالأرقام وليس بالأوراق،.. فهل ستنجح الحكومة في هذا التحدي الصعب؟

 بعيدا عن الورق.. الذكاء الاصطناعي “شغال” بوزارات جزائرية منذ 3 سنوات!

يعتقد خبير التكنولوجيا والرقمنة يونس قرار أن أكثر من 7 وزارات في الحكومة تمكنت في فترة زمنية قصيرة، من توسيع اعتماد الرقمنة في إدارة وتسيير الشأن العام، رغم أن هذه التكنولوجيا ليست بالأمر الجديد، فبعض القطاعات الوزارية أدخلت هذه التقنيات منذ 15 عاما،  على سبيل المثال، قامت وزارة العدل باعتماد تقنيات إلكترونية حديثة لاستخراج الوثائق الإدارية، مثل شهادة السوابق العدلية والجنسية منذ سنوات، وتمكين المحامين والقضاة من الولوج إلى بعض المنصات للاطلاع على الوثائق ذات الصلة بملفات المتقاضين.

كما اعتمدت وزارة الداخلية الرقمنة في استخراج جواز السفر البيومتري، بطاقة التعريف الوطنية، وشهادة السياقة ،وخدمات أخرى توفرها للمواطن، ومنذ ذلك الحين، شهدت الهيئات الرسمية والوزارات في الجزائر تبنّيا متزايدا لهذه التكنولوجيا  وصولاً إلى تجارب  الذكاء الاصطناعي على مدى السنوات الثلاث الماضية، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة وبشكل فردي حسبما يؤكدّه يونس غرار، لـ”الشروق أونلاين”، كما باتت ولأوّل مرة تعتمد العديد من الوزارات في أداء مهامها اليومية، على المراسلات الاحترافية التي تستخدم تطبيق “تشات جي بي تي”، إلى جانب أنظمة التسيير الذكية الأخرى.

ومن بين القطاعات الوزارية التي تمكنت اليوم من تحقيق تحول رقمي مهم والولوج إلى عالم الذكاء الاصطناعي، يجزم الخبير في الأنظمة الرقمية نسيم لوشاني، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي احتلت الصدارة، من خلال الاعتماد في كافة تعاملتها على المنصات الرقمية وبعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تتميز  بسرعة التنفيذ والإجابة الدقيقة على تساؤلات الطلبة، كما تحتوى على برمجيات تتيح للمتصفح الحصول على المعلومات الدقيقة بخصوص التسجيلات الجامعية حيث تم إطلاق منصة جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي تسمح للطلبة الجدد باختيار تخصصاتهم مع بداية الموسم الجامعي 2024 – 2025.

“انشغالي” “ماي بيس” وتطبيقات أخرى.. الطلبة أوّل من استفادوا من الرقمنة

وكعيّنة عن ذلك، وحسب وثائق تحصلت عليها “الشروق أونلاين”، تبنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر مخططا توجيهيا للرقمنة، يُعرف بـ “Schéma Directeur Numérique”، انطلق شهر أكتوبر 2022، هذا المخطط يهدف إلى إدماج الرقمنة في جميع مستويات التعليم العالي، بدء من التسجيل الإلكتروني للطلاب إلى تطوير منصات رقمية تدعم البحث العلمي والابتكار، ويعتمد المخطط على سبعة محاور استراتيجية، كل منها يشمل مشاريع وبرامج تهدف إلى تسريع التحول الرقمي في القطاع.

ومن بين التطبيقات الرئيسية للتحول الرقمي المعتمدة بالوزارة  تطبيق E-services، وهو بوابة دخول لجميع مستخدمي القطاع إلى المنصات الرقمية المستحدثة، تم إطلاقه شهر جويلية 2023، وأيضا تطبيق My Bus ، مخصص للهواتف الذكية موجه لفائدة الطلبة المستفيدين من خدمات النقل الجامعي يمكنهم من خلاله تتبع مسارات حافلات النقل وبرنامج التنقل وإخطار السائقين بأماكن التواجد.

ويعتبر تطبيق WebEtu، المخصص للهواتف الذكية للنظام المعلوماتي المدمج progres أحد أهم التطبيقات الجامعية، حيث يمكّن هذا الأخير الطالب من القيام بعمليات التسجيل وإعادة التسجيل ومتابعة المسار الدراسي وكذا استخراج الوثائق الضرورية، وزيادة على ذلك، فقد تمّ تحسين تدفّق الأنترنت  بشكل كبير خلال الفترة الماضية، نظرًا لارتفاع عدد المستخدمين في التّعليم والبحث.

وفي السياق، تم رفع حجم تدفّق الأنترنت من 100 ميغا إلى ما متوسّطُه 300 ميغا في الجامعات، و100 ميغا في المدارس الوطنيّة العليا، و 1جيغا بمقرّ الإدارة المركزيّة، مع رقمنة الدّيوان الوطني للخدمات الجامعيّة في إطار تحسين جودة الخدمات الجامعيّة للطّالب، على غرار استعمال تقنيّة التّعرّف الرّقمي للوُلوج إلى الإقامات الجامعيّة، وكذا تعميم استعمال بطاقة الطّالب الوحيدة ذات الاستعمالات المتعدّدة ( RFID )، المُزَوّدة بتقنية تحديد الهويّة بَموجات الراديو (RFID)، والمتّصلة بقاعدة البَيَانَات للنّظام المعلوماتي المدمج ( PROGRES )، وأيضا وضع حيّز الخدمة مِنصّة البروغرس الخاصّة بالإطعام الجامعي، والتي تُتِيح للطّالب التعبئة الرقمية لرصيده الخاص بثمن خدمة الإطعام،  كما تمّ استحداث منصة ” انشغالي”، التي تتيح للطالب تقديم أي إنشغال في شقّ الخدمات الجامعيّة.

وبلغة الأرقام التي تبرز نجاعة استعمال التكنولوجيّات الرقمية فقد أسهمت الرقمنة باقتصاد 5.61 مليار دينار في الإطعام الجامعي لفائدة الخزينة العمومية خلال 4 أشهر فقط من انطلاقها شهر أكتوبر 2023.

كما أن رقمنة النقل الجامعي عبر منصة My Bus سمحت بتزويد 5.855  حافلة بأجهزة تعقُّب GPS واقتصاد 625 مليون دينار لفائدة الخزينة العمومية وذلك خلال 3 أشهر فقط من انطلاقها في 10 جانفي 2024.

برمجيات مدمجة بالروبوت لأوّل مرة..  الذكاء الاصطناعي في خدمة أولياء التلاميذ

ونفس الشئ بالنسبة لوزارة التربية الوطنية يقول الخبير لوشاني، فهذه الأخيرة اعتمدت مؤخرا على بعض المنصات التي تشتغل بتقنية الذكاء الاصطناعي حيث أتاحت للتلاميذ إمكانية الاطلاع على كشف النقاط وكذا تسهيل عملية تسجيل التلاميذ الجدد، قائلا:” وزارة التربية استطاعت تحقيق التحول الرقمي عبر طرح بعض المنصات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي”ّ ، ليضيف: “سمحت الوزارة للشباب والمؤسسات بالمشاركة وتقديم مقترحاتهم في هذا الشأن لتطوير هذه المنظومة”.

وتشير بيانات رسمية تلقتها “الشروق أونلاين” من وزارة التربية إلى أن هذه الأخيرة حقّقت خطوات متقدمة وتبنت أحدث التقنيات تماشيا مع تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية للرقمنة.

وتُعتبر النقلة النوعية الأبرز في هذا الإطار، اعتماد الذكاء الاصطناعي لأول مرة مطلع هذه السنة، حيث أطلقت  الوزارة 7 تطبيقات ترتكز على هذه التكنولوجيا المتقدمة، وتأتي منصة تسجيل الأطفال البالغين 6 سنوات للالتحاق بالسنة الأولى ابتدائي عن بُعد في الصدارة، بالإضافة إلى المنصة الرقمية المخصصة لإحصاء الأطفال الذين لم يلتحقوا بمقاعد الدراسة، وذلك من خلال الربط البيني مع وزارة الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية.

ومن أبرز المنصات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، المنصة الخاصة بتوجيه وإعادة توجيه التلاميذ، التي تمكّن الأولياء والتلاميذ من الحصول على إجابات فورية لاستفساراتهم ورغباتهم باستخدام برمجيات مدمجة في الروبوتات.

وبالإضافة إلى منصة الرقمنة التي تسهّل إجراءات اعتماد المدارس الخاصة، وإنشاء المدرسة الدولية الافتراضية، التي تهدف إلى ترسيخ مقومات الهوية الوطنية لدى الطلاب المقيمين في الخارج، تم إطلاق نظام ذكي جديد يدعم اتخاذ القرارات الحاسمة.

وبخصوص أبرز الحلول التقنية التي أطلقتها الوزارة في هذه السنة، فتتمثل في منصة إشعار الأولياء بغياب أبنائهم ونتائجهم الدراسية، التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوفير تواصل أسرع وأكثر فاعلية بين المدارس والأولياء، ما يعزز قدرة الوزارة على إدارة العملية التعليمية بفعالية.

وفي هذا الإطار، يُلفت رئيس لجنة التربية والتعليم العالي بالمجلس الشعبي الوطني، عمر معمر، في تصريح لـ “الشروق أونلاين”، الانتباه إلى أن قطاع التربية قد اعتمد على تقنيات الرقمنة منذ فترة، عبر مجموعة من المنصات بلغ عددها 13 منصة.

ومن أبرز هذه المنصات “الأرضية الرقمية للتسيير الإداري والتربوي”، وهي منصة وطنية شاملة تغطي كافة مكونات القطاع، حيث تحتوي على بيانات تفصيلية حول التلاميذ ومسارهم الدراسي، وكذلك بيانات المستخدمين ومسارهم المهني، كما أن هذه الأرضية الرقمية تُتيح لمستخدمي القطاع، مثل مديري المؤسسات، ومديري التربية، رؤساء المصالح، والمفتشين تنفيذ مهامهم اليومية من خلال الولوج المباشر إليها.

كما تم إطلاق الأرضية الرقمية لأولياء التلاميذ، التي تمكّنهم من متابعة النتائج المدرسية لأبنائهم والاستفادة من العديد من الخدمات عن بُعد، وتتوفر هذه المنصة أيضا على تطبيقات ” أندرويد” لزيادة سهولة الاستخدام والوصول.

ومن بين المنصات البارزة، كفاءة-تك”، التي تهدف إلى دعم الأنشطة الثقافية والعلمية، واكتشاف واستقطاب الكفاءات الرقمية من أبناء القطاع، ما يتيح لهم عرض التجارب والأفكار والمشاريع.

وبخصوص المنصّة التي أحدثت تغييرا كبيرا في القطاع، منصة التسجيل في شهادة البكالوريا، التي تُفتح فقط خلال فترات التسجيل في الامتحان وإعلان النتائج، هذه الأخيرة توفّر خدمة خاصة للمترشحين الأحرار، وتتيح لهم التسجيل بسهولة.

وإضافة إلى ذلك، تبرز منصة التعليم عن بُعد، التي تُقدم حصصا تعليمية تفاعلية في مختلف المواد والشعب، إلى جانب حصص سمعية بصرية، مخابر تفاعلية، وبرامج لتعلّم اللغات بطرق مبتكرة وتفاعلية.

“نقرة زر” لتسديد منحة البطالة وتوظيف الشباب والتعرف على ملامح وجه المتقاعدين!

كما أن قطاع الشغل والضمان الاجتماعي، كان من بين أبرز القطاعات التي حظيت برقمنة جذرية لخدماته، حيث تفيد وثائق تحصّلت عليها “الشروق” أن القطاع قام بوضع إستراتيجية ترتكز على أربعة 4 محاور أساسية تتمثل في تطوير البنية التحتية حيث تم ربط2157 مرفق تابع للقطاع بالشبكة الوطنية المعلوماتية ووضع 12 مركز بيانات حيز الخدمة حسب المعايير الدولية وتطوير 67 نظام معلوماتي يرتكز على 67 قاعدة بيانات رئيسية و48 واجهة الكترونية لضمان التبادل الالكتروني للمعطيات وإجراء العديد من الخدمات بنقرة زر.

ومن أجل التكفل الأمثل بانشغالات المواطنين والاستجابة لطلباتهم تم على سبيل المثال، وضع منصة “تواصل” التي تسمح بالتواصل مع مختلف الهيئات الاستشارية عن بعد كما تم اعتماد وسائل الدفع الالكتروني في وقت مبكر سواء على مستوى مرافق القطاع أو عن بعد وتم الانتقال إلى الجيل الثاني من بطاقة الشفاء المصنعة في الجزائر والتي تضمن تكاملا تقنيا عاليا مع التطبيقات الذكية والمنصات الرقمية الخاصة بالضمان الاجتماعي.

وفي مجال التشغيل تم تطوير ثلاث منصات مخصصة لتسيير منحة البطالة والتوجيه نحو التكوين المهني ومتابعة تكوين المستفيدين، إضافة إلى منصة “فرصتي ” للتنصيب المباشر من طرف الوكالة الوطنية للتشغيل في المهن النادرة.

وبخصوص أهم التطبيقات التي اعتمدتها وزارة العمل، فقد تمثلت في البوابة القطاعية لتبادل المعطيات بين مختلف الهيئات والدليل الإلكتروني للإجراءات الإدارية مع تطبيق إيداع ومتابعة الشكاوى إلكترونيا.

وفي ذات السياق، تم وضع أربع منصات مخصصة لتسيير منحة البطالة وهي منصة تحصيل المدفوعات الزائدة، و”منصة تأهيل” للتوجيه نحو التكوين المهني و”منصة تكوين”  لمتابعة تكوين المستفيدين، مع وضع نظام للمراقبة الآلية حول وضعية المستفيدين.

ومن ضمن أهم تطبيقات وزارة العمل أيضا منصة “فرصتي ” للتنصيب المباشر من طرف الوكالة الوطنية للتشغيل في المهن النادرة والمهن التي تعاني عجزا في التنصيب التي تم اختيارها من بين المشاريع الخمسة الأفضل في مجال التشغيل الرقمي بمناسبة القمة العالمية لمجتمع المعلومات المنظمة في مارس 2023.

وغير بعيد عن ذلك أطلقت وزارة العمل، وفق ذات الوثائق، منصة لتسيير العمالة الأجنبية وخدمة الوسيط أونلاين الخاص بعمليات التنصيب في القطاع الاقتصادي، وهو موجه لعارضي وطالبي الشغل وخدمة الحسابات الكبرى لتسيير ومتابعة التنصيبات على مستوى المؤسسات الكبرى عن بعد ومن طرف كل المسؤولين المركزيين والمحليين المعنيين بمسائل التشغيل ومنصة الانتساب التلقائي للمقاول الذاتي في الضمان الاجتماعي لغير الأجراء مباشرة بعد التسجيل الالكتروني لدى الوكالة الوطنية للمقاول الذاتي.

وفي سياق متصل يقول ممثل وزارة العمل والشغل والضمان الاجتماعي يحيى رسول في إفادة لـ”الشروق أونلاين”، أن القطاع شرع في استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر حلول تتمثل في نظام التعرف على ملامح الوجه على مستوى الصندوق الوطني للتقاعد، وتسمح بالاستغناء عن بعض الوثائق التي تطلب عادة من المتقاعد على غرار شهادة الحياة وغيرها من الوثائق التي تجدد دوريا والمراقبة الطبية الذكية وتسمح بالمتابعة المستمرة لكل عمليات المراقبة الطبية اعتمادا على الذكاء الاصطناعي والتنبيه المبكر لحالات المبالغة في تناول الأدوية ثم التدخل في الوقت المناسب، إضافة إلى تجميع البيانات الطبية وتحليلها واستغلالها.

كما يتسنى للوزارة التحقّق الآلي وعن بعد من مطابقة الصور المقدمة لطلب بطاقة الشفاء للمعايير المعتمدة وتطبيق “أعلمني” وخدمة” مجيب بوت” المطورتان من طرف الصندوق الوطني للعطل مدفوعة الأجر والبطالة الناجمة عن سوء الأحوال الجوية لقطاعات البناء والأشغال العمومية والري، صممتا بتقنية الذكاء الاصطناعي من قبل مهندسي الصندوق، موجّهتان لأصحاب المؤسسات وعمال قطاعات البناء والأشغال العمومية والري.

الذكاء الاصطناعي يطرق باب “سوناطراك ” “سونلغاز “والجزائرية للمياه

وفي ظل التطور السريع للتكنولوجيا، بدأت بعض الشركات الوطنية الكبرى في البلاد، مثل سوناطراك، سونلغاز، والجزائرية للمياه، تتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين وتطوير خدماتها، حيث لم يقتصر الأمر فقط على بعض الوزارات التي تربطها علاقة مباشرة بتسيير مصالح المواطن.

وتسعى الشركات والمؤسسات العمومية إلى مواجهة التحديات المستقبلية وتقديم خدمات أقل تكلفة وأكثر منفعة، وفي وقت قياسي لتسهيل حياة الجزائري، وفقاً لما يؤكده الخبير في مجال التكنولوجيا والأنظمة الرقمية، نسيم لوشاني، في تصريح لـ”الشروق أونلاين”.

ويرى لوشاني، أن الجزائر تتجه بخطى سريعة نحو اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل أوسع في الوزارات والمؤسسات العمومية وحتى في الهيئات الرسمية، إلا أن المشكلة الوحيدة التي تواجهها حاليا هي نقص البيانات التي تُستخدم في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي وكذا ضعف تدفق الانترنت.

ومع ذلك، لم يمنع هذا التحدي يقول – محدثنا- شركة مثل سوناطراك من اعتماد تقنية الذكاء الاصطناعي لأول مرة في مجالات الاستكشاف شهر جانفي المنصرم عبر عقد عدة اتفاقيات دولية لتطوير هذه البرمجيات، واكتشاف المكامن المعقدة، والطاقات المتجددة، وحتى البتروكيماويات، ناهيك عن اعتماد هذه التقنية في تكوين الهندسة النفطية، وتطوير المهارات.

وأشار لوشاني إلى أن شركة سوناطراك تمكنت في ظرف وجيز من تحقيق قفزة نوعية في هذا المجال مع بداية سنة 2024، حيث استخدمت برمجيات الذكاء الاصطناعي في كشف الثروات الباطنية في الصحراء الكبرى مما ساهم في استكشاف آبار النفط في فترة زمنية قصيرة وبتكاليف أقل.

كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي اعتمدتها الشركة تعمل على تعزيز الأمن الطاقوي من خلال تقنية الاستشعار البصري التي توفر نظام حماية تلقائية وذكية لخطوط الأنابيب والإمدادات، بهدف رفع كفاءة السلامة العامة ومراقبة دائمة للصمامات والضواغط.

وبدورها، اعتمدت شركة سونلغاز تقنيات الذكاء الاصطناعي لأول مرة من خلال تمويل الشباب المختص في هذا المجال لتطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن هذه الأخيرة تتيح لهم التحكم في تدفق الطاقة، وتحديد المواقع التي ترتفع فيها نسبة استهلاك الكهرباء، بالإضافة إلى التنبؤ بذروة الاستهلاك، خاصة في فصل الصيف.

أما بالنسبة لشركة الجزائرية للمياه، فيشير الخبير في مجال التكنولوجيا وتقنيات الرقمنة إلى أنها لا تزال في مراحلها الأولى في تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تعمل الشركة حالياً على دراسة العديد من المشاريع في هذا السياق، بهدف تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

ويضيف الخبير أن التجارب الدولية في هذا المجال أثبتت فعاليتها، حيث تمكنت من رفع مستوى الأداء من خلال استخدام البرمجيات الذكية لتحديد احتياجات المواطنين من المياه، ومعرفة مستوى الاستهلاك الحقيقي، وتحديد مواقع التسربات، وقياس الكميات المستهلكة في فترات معينة.

هذا بعض ما ستجنيه الجزائر من تعميم  استخدام الذكاء الاصطناعي

ويحمل الذكاء الاصطناعي مزايا متعددة للوزارات والمؤسسات العمومية، وهيئات الدولة، حيث تؤكد وزارة التعليم العالي على سبيل المثال في معطيات مقدمة لـ”الشروق” إنه من أبرز نتائج التحول الرقمي في قطاع التعليم العالي توفير 1.4 مليار دينار جزائري كانت تُصرف على عمليات التسجيل التقليدية، ويُتوقع أن يستمر هذا المبلغ في الارتفاع مع دخول المزيد من الأدوات الرقمية حيز التنفيذ، كل ذلك سيعزّز  قدرة القطاع على المنافسة محليا ودوليا ويدعم الابتكار الأكاديمي والبحثي.

ووفقا للخبير لوشاني، فإن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يساهم في تقليص التكاليف وتقليل الخسائر، كما يوفر نظرة استشرافية تُحسن الرؤية الاستراتيجية وتسهّل اتخاذ القرارات داخل المؤسسة.

ومن بين المؤسسات التي تبنت تقنيات الذكاء الاصطناعي، نجد “بريد الجزائر”، الذي شهد تطورا ملحوظًا في خدماته خلال فترة وجيزة حيث تم إطلاق تطبيقات جديدة توفر خدمات مالية فورية وآمنة، بفضل الاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي يتيح سرعة المعاملات ويوفر إمكانية المشورة المالية.

ويعتمد هذا النظام أيضا على التعرف الآلي على عادات صاحب الحساب المالي، مما يتيح للذكاء الاصطناعي تقديم اقتراحات مالية أو اتخاذ قرارات بناءً على هذه العادات.

كما تمكن هذه التطبيقات من الكشف عن أي محاولة للاحتيال أو تبييض الأموال، بالإضافة إلى رصد العمليات المشبوهة التي لم يتم تنفيذها من قبل الزبون، وما هذه الأمثلة إلا عيّنات بسيطة عن المزايا التي ستجنيها الحكومة وحتى المواطن من تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي في الجزائر، يختم الخبير تصريحه.

1000  منصة رقمية لتسهيل حياة الجزائريين

وبالموازاة مع تطوير الرقمنة وزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لدى مؤسسات الدولة، يُحصي رئيس تجمع الجزائريين الناشطين في مجال الرقمنة سابقا بشير تاج الدين أزيد من ألف منصة رقمية معتمدة في الجزائر.

وأشار محدث “الشروق أونلاين”  إلى أن رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تحدّث في مشروعه الرئاسي عن التحول الرقمي للإدارة الجزائرية والقطاعات الوزارية، مشيرا الى أن  هذا التحول يختلف عن المفهوم التقليدي للرقمنة، حيث تسعى السلطات الجزائرية إلى تحويل الإدارات إلى نظام رقمي شامل، يتم فيه تحويل العمليات الملموسة إلى لا مادية بهدف تقليل التنقلات التي يحتاجها المواطن، وتمكين الموظف من إجراء جميع المعاملات الإدارية عبر الشاشات الإلكترونية، بدون الحاجة إلى الوثائق الورقية، هذا التوجه هو جزء من رؤية الرئيس لتحقيق تحول رقمي شامل  يضيف المتحدث.

ويعرف تاج الدين الرقمنة بأنها عملية تحويل المعلومات التناظرية إلى نصوص وصور وأصوات باستخدام الأجهزة الإلكترونية مثل الماسحات الضوئية أو رقائق الكمبيوتر المتخصصة، حيث يتم تنظيم هذه المعلومات في وحدات بيانات إلكترونية، مضيفا أن الرقمنة بشكل عام تعني “تطبيق تقنيات التحول الرقمي الوطني، أي الانتقال بالخدمات التي تقدمها القطاعات الحكومية إلى نموذج عمل مبتكر يعتمد على التقنيات الرقمية”.

وفي توضيح أكثر بساطة، قال الخبير في مجال الرقمنة أن الرقمنة تهدف إلى إلغاء التعاملات الورقية في الإدارات، واستبدال الوثائق التقليدية بالبيانات الإلكترونية، مما يسهل إتمام المعاملات عبر الإنترنت.

أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فقد أوضح المتحدث أن هذا المصطلح يشير إلى الذكاء الذي تظهره الآلات والبرامج بطريقة تحاكي القدرات الذهنية البشرية، مثل القدرة على التعلم، الاستنتاج، والتفاعل مع مواقف غير مبرمجة مسبقًا في الآلة.

كما يعتبر الذكاء الاصطناعي مجالًا أكاديميا يهتم بتصميم وصنع أنظمة ذكية قادرة على اتخاذ قرارات تتناسب مع بيئتها، مضيفا أن كبار الباحثين في هذا المجال يعرفون الذكاء الاصطناعي بأنه “دراسة وتصميم أنظمة ذكية تستوعب بيئتها وتتخذ إجراءات تزيد من فرص نجاحها”.

وذكر أن جون مكارثي، الذي صاغ هذا المصطلح عام 1955، عرف الذكاء الاصطناعي بأنه “علم وهندسة صنع آلات ذكية”.

وفي السنوات الأخيرة، شهدت تقنيات الذكاء الاصطناعي تطورات هائلة، من أبرزها تقنية “التعلم العميق”، حيث تعتمد هذه التقنية على تطوير شبكات عصبية صناعية تحاكي عمل الدماغ البشري، مما يسمح لها بالتجريب والتعلم وتطوير نفسها ذاتيًا دون تدخل بشري.

لا ذكاء اصطناعي دون برتوكول أمني لمواجهة القرصنة

رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها القطاعات الحكومية والوزارية لتحقيق التحول الرقمي وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين خدماتها وتسهيل المعاملات الإدارية، إلا أن التحدي الرئيسي الذي يواجه هذه المساعي يكمن في مدى قدرة هذه المؤسسات على حماية بياناتها وضمان أمنها السيبراني.

فالتحول الرقمي لا يتطلب فقط تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الكفاءة، بل يستدعي ايضا تعزيز الإجراءات الأمنية لحماية المعلومات من المخاطر الإلكترونية المتزايدة، والتي قد تهدد سلامة البيانات وخصوصية المستخدمين حسبما يؤكد الخبير في مجال التكنولوجيا يزيد اقداللـ:” الشروق أونلاين.”

ويلفت المتحدث الانتباه إلى أن الاهتمام المتزايد بتحقيق التحول الرقمي واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحديثة في التعاملات الحكومية يجب أن يقابله اهتمام كبير بضرورة حماية البيانات الحساسة والبنية التحتية الرقمية من الهجمات الإلكترونية والتي يجب أن رأس الأولويات.

ويشدد اقدال في هذا السياق على ضرورة التوجه نحو اعتماد حلول متطورة تشمل تقنيات التشفير الحديثة، وإدارة الهوية الرقمية، وأنظمة اكتشاف التهديدات في الوقت الفعلي.

إضافة إلى ذلك، يعد بناء ثقة المواطنين في الأنظمة الإلكترونية أساسا لنجاح الرقمنة، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال تطبيق بروتوكولات أمنية صارمة، قادرة على مواجهة محاولات القرصنة والهجمات السيبرانية، ويستلزم هذا الاستثمار تأهيل الكوادر المتخصصة في مجال الأمن السيبراني، إلى جانب تطوير بنية تحتية قادرة على رصد ومعالجة الثغرات الأمنية بفعالية وسرعة.

ويتطابق ذلك مع ما يتضمنه برنامج رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون للعهدة الثانية والذي يتضمن استحداث قانون للرقمنة ينظم كافة عملياتها وطبقاتها بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.

وفي الختام وباعتراف الجميع، اتخذت الجزائر خطوات جريئة نحو التحول الرقمي باعتماد أولى تقنيات الذكاء الاصطناعي في وزاراتها ومؤسساتها، بل وأصبح هذا الأخير جزءا أساسيا من الاستراتيجية الحكومية الممتدة بين سنتي 2024 و2029،  لكن  السؤال الذي يبقى مطروحا هو مدى قدرة الحكومة على مواجهة التحديات وتجاوز العقبات التي قد تعترض طريقها، لتحقيق نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطنين وتدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

مقالات ذات صلة